عندما اكتسحت جحافل التتار العالم الإسلامي من ناحية المشرق وأسقطت الخلافة العباسية، بدت الأمة وكأنها خلت من خليفة أو قائد، وتفرق الصف المسلم بالاختلاف الواقع بين أمراء الدولة الأيوبية بالشام من جهة ومع أمراء المماليك بالديار المصرية من جهة أخرى. الأمر الذى سهل مهمة التتار فى بلاد الشام وبدأت تتجه نيتهم لاكتساح مصر، في تلك الفترة القاتمة قيض الله للمسلمين بطلاً شجاعاً وأميراً هماماً هو سيف الدين قطز الذي قاد المسلمين لأعظم معاركهم في القرن السابع الهجري وهي معركة عين جالوت الشهيرة التي كسر فيها شوكة التتار وأنهى أسطورة الدولة التي لا تهزم فارتفع بذلك شأن دولة المماليك فى مصر بين المسلمين، وأصبح البطل الجسور محط أنظار الجميع ومعقد الأمل للأمة من جديد.لكن أصابع الشر والحقد والحسد اغتالته، ثم ظهر القائد ركن الدين بيبرس البندقداري الذى لعب دوراً مهماً في استكمال مسيرة الذود عن ديار المسلمين ودحر المعتدين.
بدأ بيبرس عهده بالعناية بدولته وترسيخ دعائمها والقضاء على الفتن والثورات التي اشتعلت ضده، ففي السنة الأولى من حكمه نشبت ثورتان عارمتان. إحداهما بدمشق والأخرى بالقاهرة. الأولى قام بها الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب دمشق احتجاجاً على مقتل سيف الدين قطز، ورفضا للإقرار بسلطنة بيبرس، ولم يكتف بالتمرد والعصيان بل أعلن نفسه سلطانا وحاول استمالة بعض أمراء الشام إلى جانبه، لكنه لم يجد معاونا، ولجأ بيبرس معه إلى الإقناع والمسالمة للدخول في طاعته وترك العصيان، فلما لم تفلح معه الطرق السلمية جرد إليه جيشا أتى به إلى القاهرة مقرنا في الأصفاد. أما الثورة الثانية، كما جاء في دراسة الباحث أحمد تمام الحاكم حين يعشقه شعبه فقد قادها رجل يعرف بالكوراني أظهر الورع والزهد، وسكن قبة جبل المقطم، واستمال بعض الرجال من السودان، وحرضهم على التمرد على السلطة الجديدة، فثاروا في شوارع القاهرة واستولوا على السلاح من حوانيت السيوفيين، واقتحموا إسطبلات الجنود، وأخذوا منها الخيول، لكن بيبرس أخمد الثورة بسرعة وحزم، وأمر بمعاقبة الكوراني وغيره من زعماء الفتنة.
لا هوان ولا خيانة
تذكر الدراسة التي نشرها موقع مفكرة الإسلام بعنوان وفاة الظاهر بيبرس الأسد الضارى أن من أبرز مميزات هذا القائد شدة غيرته على حرمات المسلمين ودمائهم وحقوقهم بصورة أعادت للأذهان أيام الإسلام الأولى وعهود الراشدين وأيام العز والتمكين وذلك في مواقف كثيرة فقد كان لا يصبر على أذى المسلمين ومن يتعرض لهم فقد ذكر له أنه عندما فتحت مدينة صغد وجد بها عدداً كبيراً من أسرى المسلمين الذين وقعوا في الأسر بسبب أهل قرة فأرا، قرية من نواحي أرمينيا حيث كانوا يخطفون رجال ونساء المسلمين ويبيعونهم عبيدا للفرنج، وثار ثورة عارمة وقرر الهجوم من فوره على أهل هذه القرية المجرمين وأخذ ثأر المسلمين وشفى غليلهم.
وذات يوم أثناء عودته بالجيش من إحدى الغزوات اعترضت طريقة امرأة من المسلمين فقالت له يا أيها الأمير إن ولدي قد دخل مدينة صور بالشام تاجراً فأخذه ملك صور الصليبي فغدر به وقتله وأخذ ماله وفي الحال غير بيبرس مسار جيشه وهجم على مدينة صور وأوقع بها بأساً شديداً فأرسل إليه ملكها يقول له: ما سبب هذا؟ فقال له: لغدرك ومكرك بالتاجر فلان حتى لا تعود أنت وغيرك لمثلها.
وعندما أسر أمير من أمرائه هو سنقر الأشقر، أصر على استبداله بعدد كبير من الأسرى الفرنج، منهم ابن ملك السيس الصليبي. وأعدم بيبرس الأمير عمر بن العادل الأيوبي وكان أميرا على حصن الكرك، لأنه خان المسلمين خيانة عظمى وتعاون مع التتار أعداء الإسلام وكاتبهم ودلهم على عورات المسلمين واستدعاهم للهجوم على الشام مرة أخرى ووعده التتار بأنه سيكون نائبا لهم على الشام فاستفتى بيبرس الفقهاء في أمره فأفتوا بقتله فأعدمه جزاء لخيانته للمسلمين. وذات مرة وأثناء حصاره لأحد حصون الصليبيين بالشام قتل جندي مسلم فلما أراد أهل الحصن أن يستسلموا رفض عقد التسليم حتى يدفعوا دية الجندي المسلم وقال لهم :أنتم قتلتم جنديا من جيشي وأريد ديته مائة ألف دينار.
حنكة سياسية
بعد أن اطمأن بيبرس إلى تماسك جبهته الداخلية ولم يعد هناك ما يعكر صفو دولته اتجه ببصره إلى القوى الخارجية المتربصة بدولته. وتطلع إلى أن ينهض بمسؤوليته في الدفاع عن الإسلام، ولم يكن هناك أشد خطرا عليه من المغول والصليبيين، وقبل أن ينهض لعمله أعد العدة لذلك، فعقد معاهدات واتفاقيات مع القوى الدولية المعاصرة له، حيث سعى إلى التحالف مع الإمبراطورية البيزنطية، وعقد معاهدات مع مانفرد بن فردريك الثاني إمبراطور الدولة الرومانية، وأقام علاقات ودية مع ألفونسو العاشر ملك قشتالة الإسباني، حتى يضمن حياد هذه القوى حين يشن غاراته على الإمارات الصليبية في الشام، ويسترد ما في أيديهم من أراضي المسلمين.واتبع أيضا هذه السياسة في جبهة المغول، حيث تحالف مع بركة خان زعيم القبيلة الذهبية المغولية وكان قد اعتنق الإسلام، وامتدت بلاده من تركستان شرقا حتى شمال البحر الأسود غربا. ولكي يزيد من قوة الرابطة بينه وبين بركة خان أمر بالدعاء له على منابر دولته، وتزوج من ابنته، وكان هذا الحلف موجها إلى عدوهما المشترك هولاكو وأولاده. وأثمرت هذه السياسة الحازمة تحقيق انتصارات باهرة على الصليبيين.