العبادة هي غاية الخضوع لله سبحانه وتعالى، مع غاية المحبة له . . يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم والذين آمنوا أشد حباً لله، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ويقول صلوات الله وسلامه عليه في حديث آخر: لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين .

والعبادة في الإسلام انطلاقاً من هذا المفهوم شاملة الدين كله والحياة كلها، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن معنى قول الله عز وجل: يا أيها الناس اعبدوا ربكم فقال: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والدعاء والذكر، وقراءة القرآن، وأمثال ذلك من العبادة .

ويواصل شيخ الإسلام ابن تيمية تعريفه للعبادة فيقول: وكذلك حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخشية الله وإلانابة إليه وخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه . . كل ذلك من العبادة لله .

وهكذا نجد أن للعبادة كما شرحها لنا ابن تيمية آفاقاً واسعة، فهي تشمل الفرائض والأركان الشعائرية من الصلاة والصيام والزكاة، والحج . . وهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة للقرآن ودعاء واستغفار، وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد .

وهي أيضاً تشمل كما يقول الدكتور مبروك عطية الأستاذ في جامعة الأزهر، الداعية المعروف حسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد كَبِرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل والرحمة بالضعفاء، والرفق بالحيوان، كما تشمل العبادة الأخلاق والفضائل الإنسانية كلها من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من مكارم الأخلاق، فضلاً عن الفريضتين الكبيرتين، وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ويا لها من عبادة وطاعة لله عز وجل .

مفهوم شامل

ويوضح الدكتور مبروك عطية أن مقتضى عبادة الإنسان لخالقه عز وجل أن يخضع أموره كلها لما يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه، من الاعتقادات والأقوال والأعمال، وأن يكيف حياته وسلوكه وفقاً لهداية الله وشرعه، فإذا أمره الله تعالى أو نهاه، أو أحل له أو حرم عليه كان موقفه في ذلك كله سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .

فالمؤمن مطالب بأن يسلم زمام حياته كلها لخالقه، فلا يعترض على فريضة ولا يسخر من خلق ولا يستهتر بفضيلة، بل عليه أن يمتثل قول الحق سبحانه وتعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً .

قال العلماء: ليس بعباد لله من قال: أصلي وأصوم وأحج ولكنني حر في أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو رفض ما لا يروقني من أحكام الشريعة، وليس بعباد لله من أدى الشعائر ولكنه لم يخضع لآداب الإسلام وتقاليده في نفسه أو أهله، وليس بعباد لله من ظن أن عبوديته لله لا تعدو جدران المسجد، فإن انطلق في ميادين الحياة فهو عبد لنفسه ولا سلطان عليه غير شهواته وشياطينه .

وهكذا يتضح لنا أن العبادة بمفهومها الشامل تعني الخضوع لشرع الله، والانقياد لأحكامه التي أحل بها الحلال وحرم بها الحرام، وفرض بها الفرائض، وحد بها الحدود .

فمن أدى الشعائر وصلى وصام وحج واعتمر، ولكنه رضي أن يحتكم في شؤون حياته الخاصة والعامة، أو في شؤون المجتمع والدولة، إلى غير شرع الله وحكمه، فقد عبد غير الله .

كلها منافع

يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عبد الغني شامة، أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر: مجال العبادة في نظر الإسلام يتسع لكل الأعمال المفيدة التي يعم نفعها على الإنسان، وهناك من الأعمال الخيرية ما يزيد أجره وثوابه عند الله على أجر وثواب الفرائض . . فكل عمل اجتماعي أو إنساني نافع يعد في ميزان الإسلام عبادة من أفضل العبادات ما دام خالص النية لوجه الله عز وجل وليس للرياء والنفاق والشهرة بين الناس، فكل مسلم يمسح دمعة محزون أو يخفف من كرب مكروب أو يضمد من جراح منكوب، أو يسد رمق محروم، أو يشد من أزر مظلوم، أو يقيل عثرة مغلوب، أو يقضي دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف صاحب عيال، أو يهدي حائراً، أو يعلم جاهلاً، أو يدفع شراً عن مخلوق، أو أذى عن طريق، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صدقت فيه النية .

يقول الفقيه والداعية الدكتور يوسف القرضاوي: ليست الصلاة أو الصيام أو الذكر هي التي تكتب لك عبادة في يومك وتستوجب بها الأجر عند ربك . . كلا إنك تستطيع في اليوم الواحد أن تضيف إلى ميزان عبادتك وحسناتك أشياء كثيرة لها ثقلها وقيمتها في تقدير الحق تبارك وتعالى . . من ذلك ما قاله رسول الله صلى الله على وسلم عن الإصلاح بين المتخاصمين: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة . ويقول عليه الصلاة والسلام في عيادة المريض وما لها من مكانة عند الله لما فيها من تخفيف ومواساة: من عاد مريضاً ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً .

مشهد بديع

ويروي لنا النبي صلى الله عليه وسلم مشهداً من المشاهد البديعة العميقة يوم القيامة في صورة حوار بين الله وعباده: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم . . مرضت فلم تعدني! قال: يا رب . . كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه . . أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم . . استسقيتك فلم تسقني . . قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . . أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي .

ويقول صلوات الله وسلامه عليه في حديث آخر: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له، فغفر له . . وفي رواية أخرى: مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين حتى لا يؤذيهم فأدخل الجنة .

هذه الأعمال الطيبة والسلوكيات الفاضلة لا تقل في ميزان الإسلام عن الفرائض والتكاليف الدينية . . بل قد يزيد أجرها على أجر الصلاة والصوم والزكاة والحج، خاصة إذا ما أديت هذه الفرائض بلا روح وفقدت تأثيرها في حياة وسلوكيات ومعاملات المسلم اليومية . فهل نفهم معنى العبادات ومجالاتها الواسعة ونؤديها لله حق الأداء كي نجني الأجر والثواب؟

إعمار الأرض

وما دامت مهمة الإنسان في هذه الحياة هي إعمار الأرض بعد أداء ما عليه من فرائض فإن ذلك كما يقول د .شامة لن يتحقق إلا بالعمل من أجل البلوغ إلى الهدف، فالحياة بلا عمل موات . والإنسان قد أعطاه الله من القوى والطاقات ما يجعله قادراً على قيادة سفينة الحياة بالعمل الجاد المنتج الذي يعود على الفرد والمجتمع بالخير العميم، وهذا العمل المفيد يجلب لصاحبه ويجلب لكل أفراد المجتمع سعادة غامرة، لأنه يرتقي بالحياة ويحل مشكلات عديدة، ويحقق للإنسان طموحاته الكثيرة التي لا يحدها حدود .

ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالعمل باعتباره شكلاً من أشكال العبادة . فالإسلام يربط بشكل مستمر بين الإيمان والعمل الصالح . وهذا العمل الصالح يعني كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حياته، ويقصد من ورائها وجه الله ونفع الناس ودفع الأذى عنهم، وكل عمل يشتمل على ذلك فإنه يندرج أيضاً تحت مفهومي العبادة والتقوى .

وآيات القرآن التي تشتمل على الربط بين الإيمان والعمل الصالح تفوق الحصر . والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا في ربط حكيم بين الإيمان والعمل بقوله ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً غرتهم الأماني، وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل .

ومن شأن العمل أن يؤدي إلى تطوير الحياة . ومن خلاله يحصل الناس على أقواتهم فيزرعون ويحصدون، والقرآن الكريم يأمرنا بأن نجوب الأرض بحثاً عن الرزق: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه . والحياة سلسلة من الأعمال متصلة الحلقات . والذي يقعد عن العمل مع القدرة عليه لا يستحق الحياة، لأنه بذلك يصبح عبئاً على غيره، ويصير طفيلياً على الحياة ذاتها، فالقعود عن العمل كسل ممقوت . ومن أجل ذلك يقول عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن الله تعالى يقول: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله .