عاش حياة زهد قاسية ووهب نفسه لدراسة الحديث، حتى عد من الثقات، وهذا يدل على تمسكه بالسنة، واقتفائه أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم . هو أبو الفضيل بن عياض بن مسعود التميمى الخراسانى . ولد سنة 105ه في سمرقند، وتربى في أبيورد . وكان عالي المكانة لدى هارون الرشيد في بغداد، انتقل إلى مكة بعد ذلك، وجاور الحرم، وتوفي به في المحرم سنة 187ه .
يقول الدكتور عبد اللطيف محمد في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي: كان أساس الإصلاح عند الفضيل هو الزهد في الدنيا، ولذا وصفه ابن تيمية بأنه سيد المسلمين في وقته، والغريب أنه في بداية حياته كان شاطراً يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس .
ويذكر تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى سبب توبته ومفاده أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقى الجدران إليها، سمع تاليا يتلو ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله سورة الحديد الآية ،16 فقال: يا رب قد آن فرجع، وأوى إلى خربة، فإذا هناك رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال قوم: حتى نصبح، فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، فتاب الفضيل، وأمّنهم، وجاور الحرم بقية عمره، وقال: اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام .
معنى عميق للزهد
كان الفضيل يلفت النظر إلى معنى عميق للزهد، حيث يقول: أصل الزهد الرضا عن الله . وانطلاقاً من منهج الزهد ينبه الفضيل إلى أهم سمة تدل على محبة الله تعالى لعبده، وهي كثرة الابتلاء، كما ينبه إلى أهم علامة تشير إلى بغض الله تعالى لعبده، وهي بسط الرزق أمامه، وكما يقول الفضيل: إذا أحب الله عبداً أكثر همه، وإذا أبغض عبداً وسع عليه دنياه .
وفي كتاب صفة الصفوة لابن الجوزى نجد أن الفضيل حذر أشد الحذر من معصية الله، وما تعود به على العبد من ضر وأذى فعن أبى الفضل الخزاز قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: أصلح ما أكون أفقر ما أكون، وإنى لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي . وعن إبراهيم بن أحمد الخزاعي قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالا لكنت أتقذرها، كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه .
وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه فيلقي على نفسه الحصير فينام قليلا ثم يقوم . فإذا غلبه النوم نام . ثم يقوم وهكذا حتى يصبح . وكان الفضيل يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك .
وعن منصور بن عمار قال: تكلمت يوماً في المسجد الحرام فذكرت شيئاً من صفة النار فرأيت الفضيل بن عياض صاح حتى غشي . وعن مهران بن عمرو الأسدى قال سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول واسوأتاه، وافضيحتاه وعن أحمد بن سهل قال: قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيّتاً فقلنا له أقرأ ألهاكم التكاثر، ورفع بها صوته . فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه .
الويل لي إن سألني
كان الفضيل مهموماً محزوناً أبدا يقول عنه عبد الله بن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن، وقال أبو علي الرازى: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ولا مبتسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمراً فأحببت ذلك . ومن شدة تمسك الفضيل بتعاليم الكتاب والسنة، نراه يحذر من البدع وأهلها أشد التحذير، ونراه يقول عن صاحب البدعة: لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فإنه من جلس إلى صاحب بدعة، ورّثه الله العمى .
عرف عن الفضيل اتصافه بالورع الدائم والخوف الوافر، والبكاء الكثير، إلى حد أنه كان إذا خرج إلى جنازة أخذ يعظ ويذكر ويجلس في المقابر حزينا باكيا، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة . وكانت الآخرة لاتفارق ذهنه، فإذا سمع آية وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون سورة الذاريات الآية 56 أصابته الرعدة، وأرقته الخشية من التقصير في أداء حق الله عليه، فيقول: فالويل لي إن سألني، والويل إن ناقشني . والويل إن لم ألهم حجتي .
ومن واجب العبد في رأي الفضيل، أن يبحث عن المحبة التي تربطه بربه، ومن أبرز علاماتها: التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالنوافل، وقيام الليل . كما أن من أوثق عرى الإسلام: الحب في الله، والبغض في الله.