من منا لم يسمع عن الفلورايد؟ فوسائل الإعلام تصدح ليل نهار بإعلانات معاجين الأسنان الغنية بهذه المادة المضادة للتسوس، والخبراء ينصحون الجميع باستعمالها حماية لأسناننا البيضاء. ولكن هل قال لنا أحد أن الإفراط في الفلورايد يمكن أن يشكل خطرا على صحتنا؟ وهل نعرف ما هي المواد الغذائية التي تحتوي على الفلورايد؟ هذا ما ناقشته دراسة حديثة وخرجت بنتائج مثيرة. قبل أن يشتد النقاش وتتعالى الأصوات عن الآثار الوخيمة على الصحة من التدخين، مبيدات الحشرات، الأسبتوس وثقب الأوزون، سمع الكثيرون بالجدل الذي أثير في بعض الدول المتقدمة حول الفلورايد. وقد بدأ هذا الجدل في الخمسينات من القرن الماضي داخل الولايات المتحدة الأمريكية بالتحديد عندما احتار الناس وهم يسمعون النقاش الساخن حول ما إذا كان يتوجب إضافة الفلورايد إلى مياه الشرب أم لا. والمعلوم أن الفلورايد هو مجموعة من المكونات الأيونية التي تحتوي على عنصر الفلور. فمن جهة هناك مجموعة من العلماء المحسوبين على الحكومة وقطاع الصناعة يحاولون إثبات أن إضافة الفلورايد إلى مياه الشرب توفر حماية للأسنان ضد التسوس.

في الجانب الآخر نجد مجموعة من الناشطين الذين يؤكدون أن مخاطر الفلورايد لم تنل نصيبا كافياً من الدراسة وأن استعمال هذه المادة يقف عند حد الأغراض الطبية وما فوق ذلك يعتبر انتهاكا للحريات المدنية.

وهكذا راح المؤيدون للفلورايد يسخرون من المعارضين الذين أشاعوا بأن قضية الفلورايد هذه ما هي إلا مكيدة من الشيوعية لتسميم الأمريكيين. واليوم فإن 60% من الأمريكيين يشربون مياها معززة بالفلورايد.

أما خارج الولايات المتحدة الأمريكية فإن استخدام الفلورايد وصل إلى كندا، بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا والعديد من البلدان الاخرى وبينها الدول العربية. وتخلى الناس عن الانتقاد والمعارضة وأصبحوا يمشون مع الرأي السائد للخبراء ودوائر الصحة العامة في تلك البلدان.

ووصل الأمر إلى إدراج مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض في أمريكا مسألة إضافة الفلورايد إلى الماء على انها واحدة من أفضل الإنجازات الصحية التي تحققت في القرن العشرين، إلى جانب التلقيح وتنظيم الأسرة. وعلى الرغم من ذلك يبدو أن القضية ما زالت مفتوحة للنقاش وأن بعض العلماء بدأوا يغيرون نظرتهم للفلورايد.

تقرير كندا

بعد سنتين من إعادة تقييم ومناقشة مئات الدراسات نشرت لجنة تابعة ل المجلس الوطني للأبحاث في كندا تقريرا في عام 2006 حول موقف معارضي الفلورايد.

وتوصل هذا التقرير إلى أن المعيار الحالي الذي وضعته وكالة حماية البيئة الامريكية للفلورايد في مياه الشرب (4 ملليجرام في كل لتر) يجب أن يتم تخفيضه بسبب المخاطر الصحية التي تواجه الأطفال والبالغين.

ففي حالة الأطفال، يمكن أن يؤدي التعرض الدائم لهذا المستوى من الفلورايد إلى تغيير لون الأسنان الدائمة البارزة حديثا وتشويهها. وعند البالغين، يظهر أن نفس المستوى من الفلورايد يؤدي إلى زيادة مخاطر كسر العظام وآلام بسبب تيبس المفاصل.

صحيح أن معظم المياه التي يشربها الناس هناك يكون مستوى الفلورايد فيها أقل، إلا أن ذلك لا يمنع النظر إلى القضية بعين القلق لأننا لا نعرف على وجه الدقة كمية الفلورايد التي نحصل عليها يومياً من الغذاء والمشروبات والمنتجات الخاصة بالأسنان.

وعلاوة على ذلك، فإن جدول المجلس الوطني للأبحاث يشير إلى أن الفلورايد يمكن أن يتسبب بمشاكل صحية أخطر من ضمنها سرطان العظم وتضرر الدماغ والتهاب الغدة الدرقية.

ومع أنه لم يتم إثبات هذه المخاطر إلا أنها تستحق المزيد من الدراسة للتأكد من مدى صحتها.

ومن أهم الدراسات التي أجريت على الفلورايد هي تلك التي قام بها ستيفن م. ليفي من كلية طب بجامعة أيوا الأمريكية.

فقد أمضى فريق البحث الذي يقوده هذا الرجل 16 عاماً يراقب عن كثب 700 طفل من ولاية أيوا في محاولة العثور على تأثيرات محتملة للفلورايد غفلت عنها الدراسات السابقة.

وفي نفس الوقت، قاد ستيفن أفضل المبادرات على الإطلاق لقياس نسبة تركيز الفلورايد في آلاف المنتجات،ومن بينها الأغذية والمشروبات ومعاجين الأسنان، من أجل وضع تقديرات معقولة لكمية الفلورايد النموذجية التي يمكن أن تدخل أجسادنا.

وهذا البحث هو أحد أعقد البحوث التي يمكن أن يجريها عالم ما لأن تناول الغذاء، وعادات تنظيف الأسنان ومستويات الفلورايد في مياه الشرب تختلف بشكل كبير من شخص إلى آخر، وكذلك بسبب عوامل جينية وبيئية وحتى ثقافية قد تجعل بعض الناس أكثر تشكيكاً في تأثيرات الفلورايد، السلبية منها والإيجابية.

وعلى أي حال، ومع الأخذ في الاعتبار كل هذه العوامل، توصل ستيفن وبعض الباحثين الآخرين في مجال الفلورايد إلى أن بعض الأطفال، لا سيما الصغار منهم، ربما يحصلون على كمية من الفلورايد أكثر من اللازم.

ومع أنهم جميعا يؤيدون وضع الفلورايد في مياه الشرب كعلاج لتسوس الأسنان خاصة في المناطق الفقيرة صحياً، إلا أنهم في المقابل يؤكدون أن في المجتمعات ذات العناية الجيدة بالأسنان لا توجد حاجة إلى وضع نفس الكمية من الفلورايد، ومن هنا يجب أن نعمل على تحقيق المعادلة الصحيحة حسب قول ستيفن.

تاريخ الفلورايد

يعود تاريخ استعمال الفلورايد إلى عام 1945 حينما أصبحت ولاية ميشيجان الأمريكية أول مدينة تضيف الفلورايد إلى مياه الشرب.

وبعدها بعشرة أعوام صنعت شركة بروكتر آند جامبل أول معجون أسنان بالفلورايد حمل اسم كرست، وكان يحتوي آنذاك على الفلورايد القصديري (مزيج من ذرة قصدير واحدة وذرتي فلورايد).

وفي عام 1967 أذهلت شركة كولجيت بالموليف الجميع بصنعها معجون أسنان لمقاومة التسوس ويتكون من فلوروسفوات الصوديوم.

وشهدت فترة السبعينات والثمانينات تطوير العديد من معاجين الأسنان بالفلورايد الذي أصبح العامل الأساسي في طب الأسنان في أغلب دول العالم.

ومع ذلك ظل العديد من الأسئلة يدور حول كيفية ومقدار الانخفاض الحاصل في تسوس الأسنان.

وأجمع الباحثون في مجال طب الأسنان أن النسبة كانت كبيرة وأن الفلورايد يستحق الإشادة.

ومن هنا انطلق ستيفن في حقل طب الأسنان أواسط الثمانينات، ومولت شركة كولجيت بالموليف بحثه الأول والذي كان يتعلق بتشجيع استخدام الفلورايد بشكل أكبر في عيادات طب الأسنان. ولكن عندما بدأ الأطباء يلاحظون القليل من التسوس والكثير من الفلورايد على أسنان مرضاهم الصغار، تساءل ستفين حينها حول ما إذا كان الأطفال يحصلون على الفلورايد بشكل مفرط أم لا؟.

النسبة الآمنة

في حقيقة الأمر أن 99% من الفلورايد الذي يدخل أجسادنا لا يطرح بسرعة ليستقر في نهاية المطاف في العظام والأسنان.

ويمنع الفلورايد تسوس الأسنان من خلال طريقتين منفصلتين:

الأولى: عندما يلمس الفلورايد طبقة المينا (الصلبة والبيضاء على الأسنان) ينفذ إلى البنية البلورية الأساسية للأسنان والعظام. وتحل أيونات الفلور مكان الهيدروكسيل في طبقة المينا مما يدعم مقاومة الأسنان للحامض المذيب للمينا والذي تفرزه البكتريا في الفم بعد أن تتغذى على بقايا الطعام.

الثانية: يعزز الفلورايد ترسب الكالسيوم والفوسفات على سطح الأسنان، الأمر الذي يسهل على الجسم إعادة بناء طبقة المينا البلورية التي قضت عليها البكتيريا.

ولكن، وهذا هو لب الموضوع، تختلف فاعلية الفلورايد كليا عندما تدخل كميات كبيرة منه إلى جوف الأطفال الصغار الذين ما تزال أسنانهم في طور النمو.

فالبروتينات الأساسية في تشكل الأسنان المبكر تدعى (أميلوجينين) وهي التي تنظم عملية تشكل المادة البيضاء في المينا، وعندما يتكون قالب المينا تتحلل بروتينات (الأميلوجينين) وتسقط.

ولكن في حالة استهلاك الطفل لكمية كبيرة جدا من الفلورايد فإن الإشارات الكيميائية الحيوية تنحرف عن اتجاهها وتبقى البروتينات داخل الأسنان الناشئة لفترة أطول من المعتاد مسببة فجوات في بنية طبقة المينا.

وكنتيجة لذلك، عندما تخرج الأسنان المشبعة بالفلورايد يكون لونها متباينا مع وجود بعض الأجزاء أكثر بياضاً من الأخرى.

وفي الحالات الأشد، يكون سطح الأسنان مليئا بالنقر ولونها مائل للسمرة. ويمكن للعامل الغذائي والجيني أن يزيد مخاطر الفلورايد، بيد أن أهم عامل على المدى البعيد هو كمية الفلورايد التي يتلقاها جسم الشخص.

وعلى هذا الأساس، حصل ستيفن ليفي على التمويل اللازم من أحد مراكز الأبحاث المختصة بهذه المسألة، من أجل إجراء دراسات تهدف إلى تحديد كمية الفلورايد اللازمة للطفل وتأثيراتها في الأسنان والعظام، إذ ليس هناك معيار محدد عالميا للجرعية اليومية للفلورايد، أي أقصى كمية من الفلورايد التي تحمي أسناننا من جهة ولا تشكل خطراً على الصحة. ولكن عادة ما يضع الباحثون معدلا يتراوح بين 05,0 إلى 07,0 مليجرام من الفلورايد يوميا لكل كيلوجرام من وزن الجسم.

وفي بداية التسعينات، عندما كان الأطفال الذين شملتهم دراسة ستيفن ما زالوا صغارا، تبين أن أكثر من ثلثهم يتناولون ما يكفي من الفلورايد، عبر المياه، وطعام الأطفال والعصير، كي يكونوا في دائرة الخطر الذي سينعكس على أسنانهم الدائمة. وتغيرت النسبة قليلا عندما وصلوا إلى سن المشي، وهي الفترة الحرجة التي تشهد نمو الأسنان، إلا أن تناول الفلورايد ظل عاليا في تلك الفترة عندما حل معجون الأسنان محل الغذاء كمصدر مهم.

ويفترض على البالغين والأطفال عدم بلع معجون الأسنان بعد الانتهاء من تنظيف أسنانهم غير أن ستيفن وجد أن الصغار عموما يبلعون أكثر من نصف معجون الأسنان. وعندما بلغ الأطفال الخاضعين للدراسة التاسعة من العمر كانت أسنانهم الأمامية الدائمة قد خرجت بأكملها وظهرت بشكل واضح جدا العيوب التي ذكرناها على أسنان أولئك الذين تناولوا في صغرهم كمية من الفلورايد أكبر من اللازم.

كما بينت التحليلات في مختبر ستيفن، على سبيل المثال، أن العديد من أنواع العصائر ومشروبات الصودا تحتوي على كمية كافية من الفلورايد (بصورة عامة 0.6 مليجرام في كل لتر).

ووجد ستيفن أثناء فحصه العشرات من العناصر الغذائية الأخرى انها تحتوي على نسب تركيز عالية من الفلورايد، ومن امثلة ذلك:

0.73 مليجرام / لتر في عصير التوت البري

0.71مليجرام / لتر في الأيس كريم

0.99 مليجرام / لتر في صلصة لحم البقر

2.10 مليجرام / لتر في السلطعون المعلب.

وفي أغلب الحالات يكون مصدر الفلورايد في هذه الأغذية من المياه المضافة أثناء عملية التصنيع، كما أن نسبة كبيرة منها تكون في العنب نتيجة استعمال المبيدات، وفي منتجات الدجاج عن طريق مسحوق العظم، وفي أوراق الشاي بسبب امتصاصه للفلورايد من التربة والمياه.

وتشكل العظام المكان الواضح والجلي لوجود الفلورايد كونها المخزن الفعلي لكميات كبيرة من هذه المادة.

علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات على المرضى المصابين بهشاشة العظام، الذي يزيد مخاطر التعرض للكسور، أن نسبة عالية من الفلورايد يمكن أن تشجع تكاثر خلايا الأرومة العظمية التي تبني العظام حتى عند المرضى من كبار السن.

وعلى الرغم من عدم فهم آلية العمل لحد الآن إلا أن الفلورايد ينجز ذلك من خلال زيادة تركيز بروتينات التيروزين الفسفوري (حامض أميني) والتي لها علاقة بالإشارات الكيميائية الحيوية للأرومة العظمية.

التأثير في العظم

وكما هو الحال في مينا الأسنان فإن الفلورايد يدخل أيضاً تغييرات على البنية الصافية للعظم، فهو يزيد من كتلة العظم وبالنتيجة تقل قوته.

فقد أظهرت الدراسات والاختبارات على الحيوانات في المختبر أن التعرض لنسبة عالية من الفلورايد يزيد من مخاطر الإصابة بالكسور في العظم لا سيما عند كبار السن ومرضى السكري.

بيد أن هذه الدراسات ما زالت قيد النقاش، فتسعة من بين 12 عضوا في المجلس الوطني الكندي للأبحاث يؤكدون أن شرب المياه الغنية بالفلورايد طوال الحياة بواقع 4 مليجرام لكل لتر أو بنسبة أعلى يزيد بالفعل من مخاطر الإصابة بالكسور. كما بينت اللجنة أن نسبة أقل من الفلورايد يمكن أيضاً تعرض صاحبها للخطورة، غير أنه لا يوجد دليل قاطع حتى الآن.

وفي موازاة ذلك يدور جدل أكبر حالياً حول مدى تأثير الفلورايد في أعضاء أخرى في الجسم، تتسبب بأمراض أخرى لها علاقة بالفلور.

ويدور النقاش الأبرز في هذا المجال حول مرض الساركوما العظمية، وهو الشكل الأوسع انتشارا لسرطان العظم وسادس أحد أنواع السرطان شيوعا عند الأطفال. وبما أن الفلورايد يحفز إنتاج الأرومة العظمية فقد رأى العديد من الباحثين أنه يمكن أن يساعد على نمو الأورام الخبيثة في الخلايا المنتشرة. وآخر ما ظهر في هذا المجال دراسة أجرتها باحثة شابة تدعى أليس باسين من كلية طب الأسنان في جامعة هارفرد حيث جمعت معلومات متعلقة بالتعرض للفلورايد من 103 مرضى مصابين بالساركوما العظمية و215 من نظراء أصحاء، فوجدت أن الفلورايد هو عامل خطر للإصابة بهذا النوع من السرطان عند الأولاد ( ولم تكن النتيجة واضحة عند البنات).

ونشرت أليس تقريرها عام 2006 في إحدى المجلات العلمية، وكتب المشرف على اطروحتها في جامعة هارفرد، شيستر دوجلاس تعليقاً ينصح فيه القراء بضرورة توخي الحذر في تفسير هذه النتائج لأن هناك، حسب قوله، بيانات أفضل غير منشورة تدحضها.

وسرعان ما انفجر الموقف حيث انبرى مناهضو استعمال الفلورايد وبعض الجماعات المناصرة للبيئة يدافعون عن أليس مطالبين جامعة هارفرد بالتحقيق مع المشرف، البروفيسور ورئيس قسم الأوبئة في كلية طب الأسنان، بتهمة تشويه الحقائق التي توصلت إليها الباحثة وخوضه نزاعاً قائماً على مصلحة شخصية لأنه رئيس تحرير مجلة طبية تمولها شركة كولجيت المنتجة لمعجون الأسنان.

ونشرت الجامعة نتائج التحقيق عام 2006 وخلصت فيه إلى عدم وجود سوء تصرف أو مصلحة من جانبه.

ولم تكن تلك المرة الأولى، فقد أثارت فيليس مولينكس، وكانت حينها في معهد فورسيث بولاية بوسطن الأمريكية، عاصفة هوجاء في بداية التسعينات حينما نشرت تقريرا جاء فيه أن التجارب على فئران المختبر أظهرت أن صوديوم الفلورايد يمكن أن يتراكم في أنسجة دماغ هذا الحيوان ويؤثر في سلوكه. وقد نشر ذلك التقرير في إحدى المجلات العلمية وتعرض أيضا لهجوم كبير من بعض العلماء الذين قالوا إن منهجيتها في البحث متصدعة وإنها استخدمت جرعة عالية من هذه المادة.

وعلى أي حال يشير التقرير الكندي الأخير إلى أن العاصفة لم تهدأ حتى الآن، وأن النقاش ما زال ساخنا حول الفلورايد ومضاره أو فوائده أو الاثنين معا، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى التساؤل حول ما إذا كانت نسبة 1 مليجرام/ لتر من الفلورايد في مياه الشرب هي عالية في ظل الاعتراف المتزايد بأن الغذاء والمشروبات ومنتجات الأسنان كلها مصادر أخرى لهذه المادة لاسيما بالنسبة للأطفال.

غير أن الباحثين يؤكدون، في المقابل، أن تقليل نسبة الفلورايد يشكل خطرا أيضا لذلك فما يريدون أن يصلوا إليه يتلخص في قولهم إننا اعتمدنا لسنوات طويلة سياسة الأمر الواقع فيما يخص الفلورايد وهي فترة طويلة جدا وحان الوقت اليوم لمراجعتها.

حاجة الجسم من الفلورايد

يختلف مجموع ما يتناوله الأفراد من الفلورايد من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى في البلد الواحد.

وقد اتفقت الأبحاث على أن الجرعة الإجمالية المقبولة هي التي تتراوح بين 0.07 إلى 0.05 مليجرام / الكيلوجرام من وزن الجسم.

كما أظهرت الدراسات أن كمية الفلورايد اليومية التي يتناولها الرضيع تبلغ حوالي 0.2 مليجرام، تزايد لدى البالغين إلى 5 مليجرامات يوميا.

ويرى الخبراء أن أقراص الفلورايد للأطفال إجراء صحي عام محدود الفاعلية بسبب ضعف الالتزام بالنظام اليومي للتطبيق.

وينصح حاليا بوصف 0.5 مليجرام / يوميا للأطفال المعرضين لخطر الإصابة بالتسوس في المناطق التي يكون مستوى تسوس الأسنان فيها متوسطا إلى منخفض، وذلك بدءا من العام الثالث من العمر، أما في المناطق التي يكون مستوى التسوس فيها مرتفعا فينصح باتباع تحديد جرعة وفق تعليمات محددة. وأظهرت الدراسات أن استعمال معجون الأسنان المفلور مع الفرشاة مرتين يوميا يؤدي إلى عدد أقل من الإثبات بالتسوس مما هو لدى استعمال المعجون مرة واحدة يوميا أو أقل ويعزز دور الفلور ويسمح بتراكيز أكبر له في اللعاب واللويحات السنية.

التسمم الفلوري

تؤكد بعض الدراسات ان تناول الفلورايد بمقادير كبيرة تزيد على حاجة الجسم قد يؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات والتي تختلف شدتها تبعا للكمية التي تم تناولها ووزن وعمر الشخص الذي تناولها، وتعرف هذه المضاعفات بالتسمم الفلوري.

والتسمم الفلوري السني هو اضطراب في تكوين السن ينجم عن تناول الفلورايد بمقادير كبيرة لفترة طويلة خلال فترة نماء الأسنان.

وتتمثل أعراض التسمم الفلوري على السن في تلون السن باللون الأصفر وتظهر حفر منفصلة ومساحات كبيرة في مينائه تدل على نقص النمو إلى حد يزول معه الشكل الطبيعي للسن.

والفترة الأكثر خطورة في حدوث هذه الظاهرة في الأسنان الدائمة تكون في المراحل الأخيرة من نماء السن قبل بزوغه في الفم وهذه الفترة هي بين 25 إلى 22 شهراً من العمر بالنسبة للأسنان الأمامية.

اما الفترة الخطرة للتعرض للتسمم الفلوري لجميع الأسنان الدائمة هي من 11 شهراً إلى 7 سنوات من العمر.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن تناول كميات زائدة من الفلورايد من قبل الأولاد بعد السابعة من العمر لا يسبب حدوث التسمم الفلوري.

وعند تناول جرعة كبيرة من الفلورايد دفعة واحدة، تحدث سلسلة من الأعراض الخطرة للمرض مثل الغثيان والاقياء والتقلصات المترافقة بالآلام ويمكن أن يرافق ذلك زيادة إفراز اللعاب وضعف عام وشلل في عضلات البلع وتشنجات في الأطراف وهبوط في ضغط الدم وتنفس بطيء وارتفاع في كمية بوتاسيوم الدم ما يدل على انتشار التسمم في الجسم.

ومن أجل معرفة المقادير الأمينة والمقادير الضارة للفورايد يجب معرفة كميات الفلورايد التي تدخل الجسم بشكل مركب فلور الصوديوم الأكثر انتشارا في تطبيقات الفلورايد الموضعية والجهازية وما يعادله من الفلورايد الشاردي. ويقول الخبراء إن تناول 202 مليجرام من مركب فلور الصوديوم ضمن أي مستحضر يحرر مليجراما واحدا من الفورايد الشارد.

وقد تبين أن الجرعة السمية المحتملة PTD لطفل بعمر عام واحد هو ابتلاع 200 قرص عيار 0.25 ملغ أي ابتلاع 50 قرصاً لكل 1 ملغ وأن الجرعة السمية المحتملة لطفل عمره 5 سنوات هو ابتلاع 50 قرصا لكل 1 ملغ وأن الجرعة السمية المحتملة لطفل عمره 5 سنوات هو ابتلاع 380 قرصا تركيز 0.25 لكل ملغ.

ويعد المقدار المتوسط من الفلورايد الضار جدا قد يصل للوفاة للإنسان بوزن 70 كغ هو تناول 5.10 جرام من فلور الصوديوم أما لطفل بعمر سنة واحدة وزنه 9 كيلوجرامات فهو تناول 0.7 إلى 1.5 غرام من فلور الصوديوم. ولتجنب تناول كميات زائدة عن الحاجة من الفلورايد فإنه ينصح باتباع الإرشادات التالية لدى استخدام معاجين الأسنان المفلورة :

تناول مقدار يعادل حجم البازلاء من المعجون.

استخدام فرشاة أسنان ذات رأس صغير.

تجنب بلع المعجون وبصقه بشكل كامل بعد التنظيف.

مراقبة الأهل جيدا للأطفال تحت السادسة من العمر أثناء استخدام المعجون.

تشجيع استخدام المعاجين ذات المقادير القليلة من الفلور لدى الأطفال.

وضع المعجون بعيدا عن متناول أيدي الأطفال.

الفلورايد يقل في المياه المعبأة

75% من الاطفال في الامارات مصابة أسنانهم بالتسوس

اظهرت نتائج دراسة اجرتها جامعة عجمان واستمرت أربعة أعوام أن متوسط نسبة الإصابة بالتسوس بين الأطفال بلغ 75%.

وقالت الدكتورة رغد هاشم الأستاذة في كلية طب الأسنان في الجامعة ان الدراسة التي اجراها أربعة أطباء، شملت 1036 طفلاً مواطناً ومقيماً، (خمس وست سنوات)، في 50% من مدارس عجمان، وقد تم خلالها فحص الأطفال من قِبل أخصائي في صحة الفم والأسنان، وفقا لمعايير منظمة الصحة العالمية.

وقالت ان الدراسة وجدت ان نسبة التسوس لدى هؤلاء الاطفال تراوحت بين 72% و79%، وكان معدل حدة التسوس 9.2 و 11.4 لدى أعمار (خمس وست سنوات) على التوالي.

وعزت الدكتورة رغد هاشم ارتفاع نسبة الإصابة بالمرض إلى قلة وعي الأمهات بأسباب الإصابة بالمرض، ما أدى إلى عدم اهتمامهن بتنظيف أسنان أطفالهن.

وأشارت إلى أن نسبة استهلاك السكريات والحلويات تفوق بمعدل كبير نسبة الاستهلاك المسموح بها، موضحة أن الطفل في الإمارات يتناول الحلويات بمعدل 12 مرة يومياً، في حين يفترض ألايزيد العدد على أربع مرات.

ولفتت إلى أن الدراسة، التي ناقشتها الجمعية العالمية لطب الأسنان في واشنطن، دعت إلى إطلاق برامج توعية بصحة الفم والأسنان، والتركيز على الأمهات والحوامل في الدولة، كما دعت إلى تحفيز الأطفال على استخدام الفلورايد المتوافر في معاجين أسنان، لما لذلك من أثر في التصدي للمرض.

من جانبها، قالت استشارية تقويم الأسنان في دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي، الدكتورة موزة طحوارة في تصريحات صحفية نشرت مؤخرا إن نسبة الإصابة بالتسوس في الدولة مخيفة، وتفوق المعدلات العالمية بنسبة كبيرة، لافتة إلى أن السويد لاتسجل إصابات بالتسوس بين الأطفال، بينما انخفضت النسبة بمعدل كبير في بريطانيا.

وأشارت إلى أن دائرة الصحة تحجز غرف العمليات أربعة أيام أسبوعيا لإجراء جراحات أسنان بتخدير كلي لأطفال، مشيرة إلى أن مستشفى دبي يجري جراحات أسنان بتخدير كامل ل15 طفلا كل أسبوع.

واعتبرت أن الاعتماد على مياه الشرب المعبأة، والابتعاد عن مياه الآبار، أحد الأسباب الرئيسة في ارتفاع معدل الإصابة بالمرض.

واوضحت أن مياه الآبار تحوي نسبة مرتفعة من مادة الفلورايد التي تتصدى للمرض، وتقل هذه النسبة في المياه المعبأة. وأضافت: هناك نقص في خطط التوعية والتثقيف بالمرض، ما يتسبب في إهمال تنظيف الأسنان وحمايتها.

وحذّرت طحوارة من مخاطر صحية ونفسية عدة يتعرض لها الطفل المصاب بالتسوّس، إذ تمنعه من تناول الطعام بصورة جيدة، وتصيبه بالتهاب في الأسنان، ما يؤثر في تكوينها مستقبلاً.

وتابعت: يصاب الطفل بمتاعب نفسية واجتماعية، إذ لا يستطيع فتح فمه أمام الغير، ما يدفعه للانزواء عمن حوله، ويحوّله إلى شخص غير اجتماعي.

ودعت إلى زيادة حملات التثقيف والتوعية بمخاطر الأسنان، معتبرة أن استمرار الإصابة بالمرض يكبد الدولة خسائر بملايين الدراهم سنوياً.

الفلورايد حقائق وأرقام

الفلورايد من المعادن الطبيعية التي تؤدي إلى منع التسوس بشكل عام عند تناولها وامتصاصها من خلال الجهاز الهضمي وبخاصة في فترة تكوين الاسنان، وبشكل موضعي عندما توضع على سطح الاسنان. من الحقائق عن الفلورايد ان مصدره الاصلي هو مادة الفلورين، وهي من أكثر المواد انتشاراً على سطح الارض، هذا الغاز لا يوجد منفصلاً أو بشكل خام في الطبيعة لذا نجده عادة مرتبطا بمواد اخرى مثل مركب الفلورايد.

يتكون مركب الفلورايد من مجموعة من المعادن موجودة في الصخور والتربة عندما تتخللها المياه تذيب هذا المركب مكونة أيونات الفلورايد التي نجدها في جميع مصادر المياه والمحيطات ايضا بكميات ضئيلة، لذا نجد الفلورايد في بعض الاطعمة والمشروبات ولكن بنسب مختلفة.

ويستطيع الشخص الحصول على الفلورايد إما بشكل موضعي حيث انه يقوي الاسنان الموجودة في الفم حيث يترسب مع الاملاح المكونة لسطح السن مكونا طبقة صلبة قوية مقاومة للتسوس. والفلورايد الموضعي موجود في معاجين الاسنان وبعض انواع غسولات الفم أو على هيئة جيل أو شبه سائل يوضع على الاسنان بواسطة طبيب الاسنان.

واما الشكل الآخر فهو عن طريق الجهاز الهضمي حيث يصل عن طريق الدم إلى السن اثناء فترة التكوين ويترسب في جميع طبقات السن التي تتكون في فترة تناول الفلورايد ويعطي السن الصلابة التي تحميه طوال العمر.

ويؤثر تناول الفلورايد عن طريق الفم ايضا في الاسنان موضعياً عن طريق اللعاب الذي يحيط الاسنان طوال الوقت ويساعد على ترسب الفلورايد على الاسنان ومقاومة الاسنان للتسوس.

ويتخلل الفلورايد الطبقة الجرثومية التي تتكون على الاسنان فيساعد على إعادة الاملاح والمعادن إلى سطح الاسنان مقاوما بذلك تأثير الطبقة الجرثومية الحمضية التي تحاول إذابة سطح السن.

ويوجد الفلورايد في مياه الشرب كما تستطيع الحصول عليه على شكل حبوب أو نقاط أو حبوب مص. كما انه موجود في بعض الاطعمة والمشروبات.

وقد وجد الباحثون ان الفلورايد يحارب التسوس بعدة تفاعلات اهمها:

يقلل من ذوبان مادة المينا التي تكسو الاسنان في الوسط الحمضي محولاً الهيدروكسي اباتيت أو املاح الاسنان إلى فلورو أباتيت اي املاح مفلورة غير ذائبة.

تمنع الجراثيم والبكتيريا الموجودة في الطبقة الجرثومية من تكوين الاحماض.

تساعد على اعادة المعادن والاملاح إلى سطح السن في المناطق المتأثرة بالاحماض، وهذا من اهم فوائد الفلورايد حيث انه يقوي الاسنان ويساعد على شفاء المناطق التي يبدأ فيها النخر الأبيض بداية التسوس.

ويستفيد الشخص من الفلورايد كثيرا عندما تكون الاسنان في مراحل التكوين وقبل بزوغها في الفم أي مراحل العمر المبكرة.

فلورة المياه

فلورة المياه هي تعديل كمية الفلورايد في المياه الطبيعية التي تحتوي على قدر قليل أو محدود من ايونات الفلورايد حتى تصل إلى النسبة التي تقوي الاسنان وتحميها من التسوس.

وقدر ذلك بنسبة تتراوح بين 7.0 و 2.1 جزء من المليون وهي النسبة التي تحمي من التسوس ولا تؤدي إلى الإفراط في فلورة الاسنان.

وتعتمد هذه النسبة على درجات حرارة الجو وكمية المياه التي يشربها الفرد.

وبغض النظر عن مصدر الفلورايد في مياه الشرب (أي سواء كان طبيعياً أو مضافاً إلى المياه) فإن تأثيره في قوة وصلابة الاسنان واحد.

وقد اثبتت عدة دراسات انخفاض معدل التسوس بعد إضافة الفلورايد في مياه الشرب عند مقارنته بالمناطق التي تعاني من نقص الفلورايد في مياه الشرب.

وقد جمعت نتائج 113 دراسة أجريت في 23 دولة عام 1993 ووجد ان نحو 66 دراسة عملية على الاسنان اللبنية و86 دراسة على الاسنان الدائمة تتفق في قدرة الفلورايد على خفض معدل التسوس بنحو 4049% في الاسنان اللبنية ونحو 5059% في الاسنان الدائمة.

ومن نتائج دراسات اخرى اجريت منذ عام 1976 1987 وجد ان معدل خفض التسوس كالتالي:

60.30% في الاسنان اللبنية.

40.20% في الاسنان المختلطة (8 12 سنة ).

35.15% في الاسنان الدائمة (14 17 سنة ).

35.15% في الاسنان الدائمة (فوق 17 سنة).

حبوب الفلورايد

بالنسبة للاطفال الذين يعيشون في مناطق المياه فيها لا تحتوي على الفلورايد يمكن الحصول عليه من خلال تناول حبوب تحوي كمية مركزة من الفلورايد لأجل تقوية الاسنان وزيادة مقاومتها للتسوس.

وهناك قطرة تحوي الفلورايد للرضع من سن 6 أشهر وما فوق بالإضافة إلى الحبوب التي يمصها الطفل حتى مرحلة البلوغ.

وتعتمد كمية أو نسبة الفلورايد التي يتناولها الطفل على العمر ونسبة الفلورايد المتوافرة في مياه الشرب.

ولأفضل النتائج لابد من البدء في أخذ حبوب أو قطرة الفلورايد من سن 6 أشهر والاستمرار يوميا حتى سن 16 سنة وهذا أمر صعب لأن التناول اليومي لمدة 16 سنة إضافة إلى التكلفة المادية يجعل من فلورة المياه بديلا افضل واكثر عملية.

وأخيرا فإن الفلورايد يساعد على حماية الاسنان ضد التسوس مدى الحياة وتناول البالغين للفلورايد مفيد في إعادة الاملاح لمينا السن في الطبقة الجرثومية اضافة إلى حمايته لاسنان كبار السن الذين يعانون من انحسار اللثة ويمنع التسوس في الجذور.

كما انه مفيد للمرضى الذين يعانون من جفاف في الفم وقلة في اللعاب فيحمي الاسنان من تأثير البكتيريا في غياب اللعاب.

وبعض نتائج البحوث التي اصدرتها هيئة الصحة والتغذية الوطنية في مسحها الميداني من عام 1988 1991 في الولايات المتحدة الامريكية اظهرت ان:

5.22% من جميع البالغين الذين لديهم اسنان طبيعية يعانون من تسوس الجذور وان هذه النسبة تزداد بازدياد العمر.

في المرحلة بين 18 - 24 سنة يعاني 6.9% من تسوس الجذور.

في المرحلة بين 35 - 44 سنة يعاني 20.8% من تسوس الجذور.

في المرحلة بين 55 - 64 سنة 38.2% يعانون من تسوس الجذور.

في المرحلة 75 سنة فما فوق يعاني نحو 56% من تسوس الجذور.

وجميع هذه الدراسات تتفق على ان فوائد الفلورايد غير محدودة بسن معينة وانه لابد من ان تكون فلورة المياه في متناول الجميع.