مواهب مشرقة يحتضنها «مركز الفن للجميع» التابع لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، الذي يأخذ على عاتقه مناصرة واحتواء وتمكين المبدعين من ذوي الإعاقة في مجالات الفنون المختلفة. بيئة المركز الجاذبة ومدربوه الأكفاء وحرية الإبداع في آفاقه الرحبة، استقطبت كوكبة من المبدعين في مجالات الفن التشكيلي والأداء المسرحي والموسيقى، وفي تلك الحاضنة كان لنا جولة.
يحدثنا محمد بكر مدير مركز قائلاً: «يقدم خدمات تدريبية مجانية للموهوبين من ذوي الإعاقة، في مجالات التمثيل، الموسيقى والغناء، الفن التشكيلي، فيتم تدريب أصحاب المواهب لصقلهم ورفع مستواهم حتى يصبحوا متمكنين، كل بحسب قدراته، ولذلك فإن انضمام ذوي الإعاقة للمركز كمتدربين على المدى الطويل مرهون بامتلاكهم الموهبة في المجالات المذكورة، ونعمل على استقطابهم بعدة طرق، أبرزها الجولات الاستكشافية التي نقوم بها على المراكز المخصصة لذوي الإعاقة، والمدارس، ومن ثم نعمل على تقييم المواهب التي حصدناها، لتكون ضمن برامج مستدامة في المركز، فينضمون لبرامج تدريبية في أي من المجالات المحددة بحسب نوع الموهبة في فترتين صباحية ومسائية خلال أيام الأسبوع وبما يتلاءم وظروف كل منهم».
يدرب ويشرف بكر، على الفرقة المسرحية «الشارقة مايم» وهي فرقة مسرحية مكونة من أعضاء بلغ عددهم اليوم 15 عضواً، اثنان منهم من الفتيات، بينما ارتفع العدد منذ تأسيس الفرقة من 5 أعضاء في أربعة أشهر بحسب بكر، الذي يضيف قائلاً: هم مجموعة من الصم الذين يمتلكون طاقات كبيرة وإبداعية، لديهم الشغف الكبير في إبراز مواهبهم في الأداء الإيمائي في التمثيل، وينتظمون في تدريباتهم مرة أسبوعياً، أما الأيام المرتبطة بتقديم عرض مسرحي ما، فيتم تكثيف التدريب ليصل إلى 3 مرات أسبوعياً، قدمت الفرقة العديد من العروض المسرحية كانت من بينها عرض في باحة أوبرا دبي، وآخر في افتتاح مخيم الأمل 28، ومقبلون على عرض في شهر مارس المقبل بمناسبة مرور عام على افتتاح المركز، كما سيكون لديهم عرض في واجهة المجاز المائية في 20 من فبراير المقبل عند السادسة مساءً، فلا تقل عروضهم سنوياً عن 5 و 6 عروض. ويشير بكر إلى أن المسرح يتضمن كذلك مختبراً لتطوير مهارات التمثيل لدى المكفوفين، كما يعتمد المركز على آلية ثابتة وهي انضمام فئة من ذوي الإعاقة كل ستة أشهر للمختبر، بحيث سيشهد انضمام فئة المعاقين ذهنياً في مارس المقبل.
ويشير بكر إلى اعتماد آلية العد لتدريب الصم على الأداء المسرحي، بالإضافة إلى إطْلاعهم على فيديوهات يقومون بتقليدها، حيث يمتلك أولئك قدرات مبهرة في تنفيذ الوصلات الأدائية المسرحية، وينوّه بكر إلى أن المركز يأمل أن ينضم العديد من ذوي الإعاقة له، ويتضاعف أملهم بعد إبراز المواهب التي تطورت فيه في شتى المجالات، وسيبرز ذلك خلال الحفل السنوي في مارس المقبل الذي سيشهد استمرارية معرض اللوحات التشكيلية وعرض فيديو للمواهب الموسيقية والغنائية وعرض حي لفرقة الشارقة مايم.
موهبة الرسم
تقول دعاء سمير، المنضمة إلى المرسم منذ بضعة أشهر، إن البيئة التي يتميز بها المرسم تعتبر بيئة جاذبة ومحفزة على الإبداع، حيث كل المنضمين له لديهم طاقات وتركيز كبير يفرض حضوره وينتشر عطاءً، وحول موهبتها تحدثنا قائلة:بدأت أمارس موهبتي في الرسم منذ وقت طويل وقبل دخولي المركز، إلاّ أن افتتاحه أثار لديّ الرغبة لأكون جزءاً منه، وفعلاً حين انضممت وجدت فيه بيئة رائعة، تجمع أشخاصاً من ذوي الإعاقة لديهم تركيز عالٍ على مواهبهم، من جهتي أقدم مشاعري في لوحاتي التي أرسمها بالأكريليك والألوان الأخرى، والطبيعة بشكل خاص، فأجد الإلهام من الطبيعة وأكثر اللحظات التي أشعر فيها برغبتي في الرسم هي حين أفتح شرفتي المطلة على البحر فأتخيل الكثير من اللوحات، وتشير سمير إلى أن دخولها المرسم أثار لديها الخيال وفسح المجال للأفكار التي تستنبطها من مواهب من حولها، كما استطاعت أن تطور موهبتها على المستوى التقني في مزج الألوان وخلق اللوحات الفنية، وعلى مستوى آخر فإنها ترى أن المركز أتاح لكل ذي إعاقة أن يخرج طاقاته فيه، وأن يقدم نفسه كفنان يتفوق في أحيان كثيرة عن الأصحاء.
وتشير حفيظة محمد التي انضمت إلى المركز منذ افتتاحه، إلى أن ما يوفره لهم كفئة من ذوي الإعاقة من خدمات مجانية أثار فيها الرغبة في استكشافه، وحين انضمت له وجدت أن الأمر يستحق التجربة كونه يوفر لهم المعرفة بمجال الفن التشكيلي من خلال أستاذ مدرب، ويوفر لهم بذلك الفرصة لكي يتمرنوا على الرسم بطريقة فنية بحتة، بالإضافة لتوفير المكان والأدوات الخاصة بالرسم، ناهيك عن توفير فرصة المشاركة في المعارض الفنية، وبذلك ترى أعمالهم النور، وتضيف: «ما يوفره مركز الفن للجميع لا يوفره أي مكان آخر، فهو بيئة حقيقية للإبداع، واختلاف أنواع الإعاقات كان محفزاً لكون كل منا يحمل طاقة مختلفة حباها به الله تعالى، كما أن لكل منها قدرة على دعم الآخر وتشجيعه، وما وجدته لدى غيري من إعاقات صعبة نوعاً ما ووجدتهم قادرين على تقديم أنواع مميزة من الفنون أذهلتني ودفعتني للأمام ووضعتني في حالة فخر بنا ككل».
وتشير حفيظة إلى أنها تعاني من بترٍ في يدها اليسرى، وتقوم برسم اللوحات التشكيلية ذات الأفكار الواقعية، وهو ما تعلمته من مدربهم في المركز في اختيار رسوم ذات دلالة لتحفز الناظر لها للتفكير والتعمق، بل وكان لديها هواية رسم تصاميم الأزياء، ووجدت في المركز مكاناً محفزاً بعدما دفعها مدربها لتصميم الأزياء المسرحية، فكان أمراً مطوراً لموهبتها.
حالة مبهرة
يشير أكرم العوضي منسق «فنون تشكيلية»، إلى أن المرسم يضم حالياً 8 فنانين، من الشباب والبنات، تختلف أنواع إعاقاتهم لكنهم يجتمعون على حب الفن التشكيلي، فهنالك من لديهم إعاقات سمعية، وصعوبات التعلم، وجسدية، ولكل منهم قدرات خاصة في إبراز موهبته. ويضيف:«لدينا حالة مبهرة للمتدربة موزة، وهي ذات إعاقة في الأطراف العلوية، لم تحدها تلك الإعاقة عن إخراج الطاقة الفنية الموجودة بداخلها فبدأت ترسم بأصابع قدميها، وتقدم لوحات ذات إبداع حقيقي وتمتلك حساً فنياً رائعاً وإقبالاً منقطع النظير، لدرجة أنها لا تريد أن تغادر المرسم، بل وتعتبر من الأكثر مواظبة على الحضور بالمواعيد المحددة، كما لدينا الشاب مصعب من ذوي الإعاقة السمعية، الذي يتقن الخط العربي والفنون التشكيلية بتميز وإبداع، كما أنضمت لنا إيمان وهي من أصحاب صعوبات التعلم وتعتبر الأصغر بين المتدربين حيث لا يتجاوز عمرها 12 عاماً، بالإضافة إلى العديد من المواهب الأخرى».
وينوه العوضي إلى أن لدى المتدربين روحاً إيجابية عالية ويواظبون على الحضور لرغبتهم الحثيثة في تطوير مواهبهم، ويتاح لهم الحضور صباحاً ومساء خلال أيام الأسبوع وبما يتلاءم وظرف كل منهم. ويضيف: «أحرض في المرسم على منح المتدربين الاستقلالية في خياراتهم في الرسم، بل وأحثهم على تطوير خيالهم واختيار موضوعاتهم بدقة كي توصل الرسالة التي يريدون من ورائها للمشاهد».
على أوتار النغم
يقول الملحن والموزع الموسيقي محمد سعد: تدريب ذوي الإعاقة على الموسيقى يعتبر من الأمور التي تحرر الكثير من الطاقات في داخلهم، ويستجيب المركز لكل منهم بحسب رغبته وموهبته في تعلم الموسيقى على أي من الآلات المتاحة، ويضيف: أدرب على آلات العود، البيانو، الجيتار، الفيولينة، فيولا، والغناء والإيقاع، ولدينا حالياً المتدرب إبراهيم الحمادي على العود والبيانو والغناء وهو من أصحاب الإعاقة الذهنية، وعلياء عبدالقادر المتدربة على البيانو من الصم، ويتميز الطلبة ذوو الإعاقة من المتدربين بكون الله تعالى حباهم بقدرات في حواسهم الأخرى أو أعضائهم سوى التي فقدوها بطاقة كبيرة تفوق طاقتنا نحن الأصحاء، وهو ما يجعلهم يمهرون في ما يقوونه من مواهبهم، كما أن بانضمامهم للمركز يكتشفون أن بداخلهم مواهب أخرى سوى التي جاؤوا لأجلها، ومن ذلك مثلا انضم الحمادي لتعلم العزف على العود، وبعد مرور أشهر على التدريب وجدته مقبلا على تعلم البيانو، وتتميز علياء بقدراتها الفائقة في النظر والتركيز العالي مما يجعلها تستجيب بسرعة للتدريبات في البيانو كتعلم قراءة النوتة الموسيقية والموازنة بين استخدام اليدين والتدريب على استخدام يد واحدة في العزف.
