من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، القادر، وهو القدير، وهو المقتدر، وهي تعني في جملتها السيطرة والتمكن والهيمنة، له القدرة الشاملة الكاملة، فهو قادر على كل شي، فلا يفوته شيء، ولا يعجزه شيء، ولا يتطرق إليه العجز، وهو المقدر لكل شيء: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (المرسلات: 23)، بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبّرها، وبقدرته سوّاها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسنين بإحسانه، والمسيء بإساءته، وبقدرته يقلّب القلوب ويصرفها عما يشاء، وهو الذي إذا أراد شيئاً كان: (إِنمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82).

ومن آثار قدرته ما أوقعه بالمكذبين والكفار الظالمين من أنواع العقوبات وحلول المثلات، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسيئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِن رَبكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للناسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِن رَبكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) (الرعد: 6)، ومنها نصره أولياءه، على قلة عددهم على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العدد والعدة: (كَم من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصابِرِينَ).

والأسماء الثلاثة: القادر والقدير والمقتدر ثابتة في القرآن الكريم والسنة المشرفة.

القادر

ورد اسم الله (القادر) في القرآن الكريم 12 مرة: (قُل هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) (الأنعام: 65)، وخمس منها وردت بصيغة الجمع كقوله تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (المرسلات: 23).

وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلتْ: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً من فَوْقِكُمْ) قال رسول صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، قال: (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)، قال: أعوذ بوجهك قال: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) قال رسول الله: هذا أهون، أو هذا أيسر).

وذهب العلماء إلى أن اسم الله القادر يعني أنه سبحانه هو الذي يقدّر المقادير قبل الخلق والتصوير، وكان قد قدّر كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه، وكان قد نظم أمور الخلق قبل إيجاده ثم كتب في اللوح هذه المعلومات ودونها بالقلم في كلمات، وكل مخلوق مهما عظم شأنه أو قل حجمه كتب الله ما يخصه في اللوح المحفوظ، ثم يشاء بحكمته وقدرته أن يكون الأمر واقعا على ما سبق في تقديره، ولذلك فإن القدر عند السلف مبني على التقدير والقدرة، فبدايته في التقدير وهو علم حساب المقادير، أو العلم الجامع التام لحساب النظام العام الذي يسير عليه الكون من بدايته إلى نهايته، قال تعالى: (وَإِنْ منْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر: 21)، والمعنى يشير إليه الحديث الذي أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلى المَاءِ)، وفي رواية الترمذي: (قَدرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ).

ومن تمام اعتقاد الموحد في اسم الله القادر أن يركن إلى ربه، وأن يعتمد عليه، وألا يخشى أحداً سواه، وانظر إليه صلى الله عليه وسلم يعلم ابن عباس رضي الله عنهما فيقول له: (يَا غُلامُ إِني أُعَلمُكَ كَلمَاتٍ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلمْ أَن الأُمةَ لوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لكَ، وَلوِ اجْتَمَعُوا عَلى أَنْ يَضُروكَ بِشَيْءٍ لمْ يَضُروكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَليْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفتِ الصحُفُ).

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم المؤمنين الاستخارة في الأمور كلها وفيها يقول المؤمن المتعبد الله باسمه القادر: (اللهم إِني أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ، اللهم إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَن هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لي وَيَسرْهُ لي ثُم بَارِكْ لي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَن هَذَا الأَمْرَ شَر لي في ديني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ في عَاجِلِ أمري وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَني وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُم أَرْضِنِي، وَيُسَمي حَاجَتَهُ).

القدير

القدير هو الذي يتولى تنفيذ المقادير ويخلقها على ما جاء في سابق التقدير، القادر على ما يشاء، الكامل في قدرته، فعال لما يريد، لا يمتنع عليه شيء، وهو سبحانه قدير وعليم، وهو عز وجل قدير وعفو، وهو جل وعلا قدير ورحيم وغفور، وقدرته تعالى تنفذ مشيئته وفق حكمته وبحسب علمه، وقد ورد اسم الله القدير 45 مرة في القرآن الكريم منها 35 مرة بصيغة تفيد أن الله على كل شيء قدير: (وَلِلّهِ مُلْكُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 189)، واقترن اسمه القدير باسمه العليم في أربعة مواضع منها قوله تعالى: (أَوْ يُزَوجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: 50)، واقترن العفو بالقدرة مرة: (إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِن اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) (النساء: 149)، واقترن باسمي الله الغفور والرحيم مرة، (والله قدير والله غفور رحيم)، وجاء مفردا أربع مرات.

سمّى الله نفسه القدير، وعند البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله باسمه القدير فيقول: (رَب اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِني، اللهُم اغْفِرْ لِي خَطَايَاي وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُل ذَلِكَ عِنْدِي، اللهُم اغْفِرْ لِي مَا قَدمْتُ وَمَا أَخرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ المُقَدمُ وَأَنْتَ المُؤَخرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وفي البخاري أيضا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الاستخارة: (اللهم إِني أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ). وأخرج البخاري كذلك من حديث معاوية رضي الله عنه أَن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: (لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُم لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِي لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَد مِنْكَ الجد)

المقتدر

والمقتدر مُفْتَعِل من اقْتَدَرَ وهو أكثر مبالغة من القادر والقدير، والمقتدر على الشيء هو المتمكن منه بإحاطة تامة وقوة والمهيمن عليه بإحكام كامل وقدرة فلا يمتنع عليه شيء، والمقتدر سبحانه هو الذي يقدر الأشياء بعلمه، وينفذها بقدرته، والاسم يجمع دلالة اسم الله القادر واسم الله القدير معاً، فاسم الله القادر هو الذي يقدر المقادير في علمه وعلمه المرتبة الأولى من قضائه وقدره والله قدر كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه ونظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده فالقادر يدل على التقدير في المرتبة الأولى والقدير يدل على القدرة وتنفيذ المقدر في المرتبة الرابعة من مراتب القدر فالقدير هو الذي يخلق وفق سابق التقدير.

سمى الله نفسه المقتدر، وورد الاسم في أربعة مواضع في القرآن الكريم منها قوله سبحانه: (كَذبُوا بِآيَاتِنَا كُلهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مقْتَدِرٍ) (القمر: 42) وقوله تعالى: (إِن المُتقِينَ فِي جَناتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر: 55) وورد مقرونا بالعلو والفوقية في قوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الكهف: 45) وهو كما يقول العلماء كمال فوق كمال.

واسم الله المقتدر جمع في دلالته بين اسمي الله القادر والقدير معا فهو أبلغ منهما في الدلالة والوصف قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الريَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (الكهف: 45)، أي مقتدرا على كل شيء من الأشياء، يحييه ويفنيه، بقدرته لا يعجز عن شيء، ولا يمتنع عليه شيء، فكل صور القدرة ثابتة له ثبوتا كاملا.

واسم الله المقتدر يدل على ذات الله، وعلى صفة التقدير والقدرة معاً قال تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب: 38)، وقال سبحانه: (الذِي لَهُ مُلْكُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ فَقَدرَهُ تَقْدِيرا) (الفرقان: 2)، وتأمل كيف جمع الله عز وجل بين المليك الذي يدل على مجموع المعنى في اسمي الله: المالك والملك، وبين المقتدر الذي يدل على مجموع المعنى في اسمي الله القادر والقدير، جمع بينهما وأضاف لهما العندية التي ينالها أهل التقوى في قوله تعالى: (إِن الْمُتقِينَ فِي جَناتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر) (القمر: 55).

واسم الله المقتدر يدل على أنه سبحانه هو الحي القيوم الغني الأحد السميع البصير العليم القوي العزيز الكبير المتعالي العظيم وغير ذلك من صفات الكمال والجلال لله الواحد القهار، وقد أثر عن بعض السلف أنه كان يدعو باسم المليك المقتدر فيقول: (اللهم إنك مليك مقتدر وإن ما تشاء من أمر يكون، وكان يقول: فما سألت الله شيئا بها إلا استجاب لي).