يريد الشيخ أن يفسر لنا كيف لا يكتمل فقه الإنسان أو علمه إلا بأن يرى في القرآن الكريم وجوها، فيقول: ان الإنسان له أحوال كثيرة تجمعها حالتان مسماتان بالقبض والبسط، وان شئت الخوف والرجاء، وإن شئت الوحشة والأنس، فمتى اتصف الإنسان عارفاً كان أو مريداً متمكنا أو متلوناً بحال من هذه الأحوال، فإنه من المحال أن يتصف بها عبد من غير باعث ولا داع إليه، فإن كانت آية من كتاب الله فإن حاله انبنى على أصل صحيح، وبيان ذلك أن القرآن يعم الحقائق كلها، والنفس من جملتها، فلا بد أن يكون لها فيه نصيب، وما بقي إلا تعيين ذلك النصيب من غيره، والشيطان أبعد من أن يكون له حال فيك، فإن الشيطان ليس له منك ما يأخذ منه إلا نفسك، وهي قد أبت عن حمل القرآن لضعفها عنه، فمن المحال أن ينبعث من القرآن حال من الأحوال من الشيطان أو من النفس البتة، وتعرف عند ذلك أن الحال في العقل، والعقل في الروح لا في النفس، وأن الروح صاحب الملك، وأن الملك صاحب العلم والفراسة والإلهام واليمين والآخرة والذكر والحق واليقين، فلا بد أن تكون في حالك الذي قام بك من القرآن صاحب علم، ولهذا ذُكِر في القرآن (إن في ذلك لآيات لأولي الألباب، ولأولي النهي، ولقوم يعقلون) . أما أن ينبني الحال من الشعر والسماع، فإنما يتلقاه عن الهوى، والهوى من النفس، والنفس صاحبة الشيطان، وان الشيطان للنفس بمنزلة الملك للروح، فكما كان الملك أمينا على الأوصاف التي ذكرنا بعضها، كذلك الشيطان في مقابلته صاحب الجهل والظن والوسوسة والشمال والدنيا والغفلة والباطل والشك والمعصية والتشبيه مقابل التنزيه والشرك مقابل التوحيد، (روح القدس 46-47) .

فالوجه الأول الذي يراه الشيخ في القرآن الكريم أن أحوال القبض والبسط التي تعتري المؤمن إن قامت على معانٍ من كتاب الله كان الأساس الذي قامت عليه شخصيته صحيحاً، وهذا يعني أن يكون كتاب الله العزيز مخالطاً أو ممازجاً للروح والعقل ولو صح لقلنا للدم واللحم، فمتى كان نصيب المرء من كتاب الله أقل من ذلك فانه يفسح للشيطان فسحات في أن يعبث بفكره ونفسه، ومنه ما نراه من أمراض الشك والشرك والضلال والوسوسة وغيرها، فانظر إلى انقباضك وانبساطك إن كان أصلهما من حمى القرآن الكريم فإنك على الجادة الصحيحة وقد سلمت نفسك لروحك المتصلة بخالقها جل وعلا، أما إن كان أصلهما السماع والشعر ونحن اليوم نعيش عصر غناء كله فحش، إذ لم تعد المصيبة في معنى يقوله شاعر أو لحن ينبعث عن آلة مما اعتبره الشيخ من نفث الشيطان، وإنما هي في الجرأة على الله بالعري الذي لا يصدر إلا عن قردة أو خنازير لا تعرف معنى للحياء مما صاحب الغناء وصار ملازماً له، فإنك بهذا قد سلمت روحك لنفسك وشيطانك، ولن يتركك الشيطان قبل أن يذيقك من الانقباض والشك والوسوسة وغيرها ما تستحق .

ما أظن أن في كلام الشيخ ما هو ببعيد، ومع ذلك فكم منا لا يطرب إلا للقرآن ولا ينقبض أو ينبسط إلا لمعانيه أو لما يدور في فلكها، وكم منا من يطرب للغناء والعراء والألحان ونفث الشيطان، الشيخ هنا يتحدث عن السماع الصوفي أي عن سماع فيه ذكر لله ومع ذلك يشن عليه هذه الحرب ويرى أن من كانت أحواله أساسها السماع لا القرآن فقد سلم نفسه للشيطان ومحق روحه التي تصله بالله عزوجل، يقول الشيخ: كل حال ينبعث عن القرآن فلا بد أن يعلو بصاحبه إلى أحد هذه المنازل (العلم والفراسة والإلهام والحق واليقين . . .) ومعنى ينبعث عن القرآن لا يزول سامعه عن المعنى الذي نزل له القرآن، لا لخيال قام به عند تلاوة القرآن في معشوقه كما في السماع أو في المرأة التي اتخذها أختاً في الله على دعواه، وكل حال ينبعث عن الشعر والسماع فلا بد أن ينزل بصاحبه إلى أحد هذه الدركات . (روح القدس47)

قد يقول قائل ها نحن نتلو القرآن الكريم ولنا ورد يومي منه فماذا تريد أكثر من هذا؟ أقول أكثر تلاوة التالين منا اليوم فيها من السأم والاستثقال والرغبة في قلب الصفحات والانتهاء ما يخشى معه من سخط الله تعالى، هذا للتالين، فما بال المعرضين؟

والشيخ في محاسبته لنفسه ولنا يريد أن تكون أحوالنا من قبض وبسط ووحشة وأنس كلها من معين كتاب الله .