متخاصمون من دون قيود تأسر حركتهم، وقضاة من دون محكمة، وشهود من كبار رجالات القوم، وأحكام تصدر يقبلها المتخاصمون وتتصف بالصدق والأمانة ويكون موثوقاً بها من الجميع، كل ذلك تجده في مجلس شيخ القبيلة أو كبير القوم، ليبقى القضاء العرفي إلى يومنا هذا يمارس دوره في حل النزاعات البسيطة المتمثلة في الخلافات الزوجية والأسرية والمادية، خاصة لما يملك شيخ القبيلة من مكانة وسط أبناء قبيلته وكلمته مسموعة، لتناسب الجلسات العرفية طبيعة أبناء المنطقة وتجعل من الإجراءات أكثر بساطة وأقل تعقيدا مع السرعة في الفصل بين المتنازعين، وجميع الإجراءات مجانية، والجهات الرسمية تدعم أعماله بهدف الصلح بين الأطراف وإزالة مرارة الأنفس، ويعد القضاء العرفي استنثاء للقاعدة في وقتنا هذا، لأن المتعارف عليه اللجوء إلى المحكمة والشرطة لاسترداد الحق وفض المنازعات .
في مجلس علي الدهماني "والي المنيعي" يجتمع المتخاصمون ليقوم الوالي بالصلح بينهم بالطريقة القديمة المتعارف عليها، ليستمر القضاء العرفي من باب الصلح وحلها قبل وصولها للمحاكم، الدهماني يؤكد أنه بمجرد وصول المشكلة إلى والي المنطقة تحل قبل أن تصل إلى المحكمة . يقول: "عالجت عدداً من المشاكل من الثمانينات إلى يومنا هذا، فهناك العديد من القضايا وصلت إلينا وأصلحنا بين المتخاصمين ودياً، فهناك حادثة دهس وصلت إلينا وعالجناها ودياً قبل وصولها للمحكمة بقبول الطرفين بالصلح، ومازلنا إلى اليوم نصلح بين كل الأفراد الذين يلجؤون إلى مجلسنا، ونسعى كثيراً للصلح بين الزوجين حتى لو وصلت المسألة إلى المحكمة، وفعليا قبل شهرين عالجنا مشكلة بين طرفين بالصلح رغم أن القضية كانت مستمرة في المحكمة وراسلنا المحكمة بأنه تم الصلح وتم اعتماد الرسالة، لأن الهدف الأساسي خدمة المجتمع والصلح بين الأطراف وتجنب المشاكل والكراهية التي تتولد بين الطرفين بعد الخصام، وهناك العديد من الخلافات على الأراضي وخلافات أسرية ومادية عالجناها، ويشير إلى أن جلسات الصلح يشهدها عدد من الرجال المعروف عنهم الرأي السديد والحكمة، وتستمر قرابة 10 جلسات في بعض الأحيان .
أحمد حمدان الشحي "شيخ قبيلة" أشار إلى أنه من المتعارف إليه أن شيخ القبيلة يصلح بين الناس ويرد المظالم ويعاقب المخطئ .
يقول: "تجتمع الأطراف المتخاصمة في مجلس ويكون القاضي شيخ القبيلة، فمجلسه محكمة مصغرة يشرع ويقضي، وإذا كان هناك مشكلة إرث يقسمه حسب الشريعة، وبمجرد قيام الدولة توافرت المحاكم والشرطة، وبدأت القضايا تتحول إلى المحكمة وخاصة الكبيرة، ولكن مازال هناك أشخاص يلجؤون للقضاء العرفي بهدف الصلح بين اثنين عن طريق شيخ القبيلة في أجواء عائلية، سواء خلاف زواج أو خلاف على أرض أو زراعة أو إرث، وفي حال الصلح يقبل القضاء الرسمي بتدخل القضاء العرفي لأن الهدف الإصلاح بين الطرفين، وكثيراً ما أخذنا عهوداً على الطرفين في القضايا الكبيرة حتى لا يتعدى طرف على آخر، ويكون لنا دوراً فعلياً حتى تنتهي المشكلة أو القضية المتواجدة في المحكمة إلى أن يصدر الحكم، فسابقاً حدثت مشكلة تدخلنا بالتعاون مع الشرطة من أجل تقليص حجم الضرر المترتب على الحادثة حتى تعيد المحكمة الحق لصاحب الحق، ويشير إلى أنه كثيراً ما تدخل في القضايا المتعلقة بالخلاف بين زوجين بعد أن وصلت المحكمة من أجل الصلح، وأحد الأطراف ربما لا يقبل التدخل وآخر يطلب التدخل من أجل الصلح .
محمد عبدالله بن هويدن الكتبي "عضو مجلس استشاري الشارقة" يقول: "قبائل البدو كثيراً ما تصلح بين المتخاصمين سواء الأحوال الشخصية والعائلية، والعرف موجود والصلح كان عن طريق شواب القبيلة وكبيرها القبيلة، ومازال أصحاب الرأي السديد من مشايخ القبائل من لهم دور كبير في الصلح بين الأطراف في قضايا الأحوال الشخصية، وهناك توجيه من القيادة بالصلح بين الأفراد في القضايا البسيطة عن طريق مشايخ القبيلة، خاصة أن الصلح هو الهدف الرئيسي، وهناك قضية أسرية وصلت للقاضي الشرعي وطلبوا منهم الرجوع إلى والدي عبدالله بن هويدن للصلح والتراضي، وأغلقت القضية بعد الصلح الذي تم في المجلس، فالأشخاص الذين قضيتهم أقرب للتفاهم يحولون إلى صاحب الرأي السديد في حال قبولهم، والحضور يشهدون على الصلح، خاصة أنه يحضر في المجلس أكثر من 15 شخصاً . و يلفت إلى أن حضور المتخاصمين إلى مجلس شيخ القبيلة أقرب لأبناء القبيلة وأبعد عن الإحراج بحضورهم المحكمة ومتابعتهم الاجراءات الطويلة خاصة أن عدد القضايا زادت مقارنة بالسابق" .
سلطان عبدالله المرزوقي "شيخ القبيلة" أشار إلى أن هناك عدداً من القضايا التي حلت عن طريق الصلح في مجلس شيخ القبيلة، سواء العائلية أو خلافات الميراث أو مشاكل بين عائلة وأخرى، وهناك عائلات تختلف قبل الزواج بفترة وبمجرد التدخل والسعي للصلح يتم معالجة الأمر، يقول: "مجلس الصلح ينعقد بحضور خيرة رجالات القبيلة أصحاب الرأي السديد، وجيل الشباب بحاجة إلى الكلمة الطيبة ويتجاوب مع النصح والإرشاد، خاصة أن المشكلة في بدايتها تكون كبيرة ومع الأيام تخف حدتها ويصبح الصلح وارداً في حال تدخل طرف ثالث صاحب رأي سديد وله مكانة" .
يوسف محمد المراشدة "مصلح اجتماعي في محاكم كلباء" من مواليد الخمسينات، ليشهد الفترة التي كثر فيها مفهوم القضاء العرفي، فالوالي وشيخ القبيلة وأصحاب الرأي كانوا يمارسون دور القاضي ويقومون بالإصلاح بين المتخاصمين أمام شهود، يقول: والي المنطقة مفوض من قبل الحاكم، وهذا يعطيه المسؤولية والصلاحية في السعي للإصلاح بين المتخاصمين الذين يلجؤون له قبل اللجوء للمحاكم، واليوم نجد أن دور الوالي في الصلح أصبح في نطاق ضيق، ولكن هناك قضايا تصل للمحاكم ويكون الصلح أمراً صعباً، وهذا يجعل المختصين في المحكمة من التواصل مع من يملك الحكمة من القبيلة، لتستمر محاولات الصلح بين الطرفين، وهذا يعزز الترابط المجتمعي بين أبناء القبيلة .
وجد إبراهيم محمد حلاً لمشكلته من خلال القضاء العرفي، ليتمكن من إنهاء المشكلة مع خصمه بسبب اختلافهم على أمر مادي . يقول: لجأت لشيخ القبيلة ليحل الخلاف بعد سماعي كثيراً عن قدرته على التواصل مع الطرفين بطريقة ودية وبحكمة، لنصل بالأخير إلى حل يرضي الطرفين، وهذا الأمر له دور كبير في تقليل حجم المشكلة والتخفيف من حدة غضب الطرفين وعنادهم في تضخيم المشكلة، خاصة إذا كان سبب الخلاف الاختلاف على أمر بسيط .
واجه حمد أحمد "موظف" مشكلة مع زوجته وصلت للطلاق، ما جعله يلجأ للمحاكم، إلا أن الإجراءات طالت، خاصة أنه لم يكن يفضل الطلاق، إلى أن لجأ لشيخ القبيلة من أجل الصلح . ويقول: "بعد عدة جلسات مع أصحاب الرأي السديد وصلنا إلى حل يرضي الطرفين، خاصة أن تدخل أشخاص من عائلتي وأفراد من عائلة زوجتي، والحمدالله انتهت كل الخلافات .
خدمة لكل الناس
أكد خميس المزروعي "والي وادي الحلو" أن القضاء العرفي متعارف عليه منذ القدم، وكانت مسؤولية والي المنطقة أو شيخ القبيلة، فبمجرد أن يشتكي أحد على آخر يتم الاجتماع مع الطرفين للصلح، بحضور شهود، وكانت تعد خدمة مجانية للشعب .
ويقول: "نسمع حجج المتخاصمين ونصلح بينهم ونفرض غرامة على المتسبب بالضرر للآخر، وحالياً بفضل تواجد الشرطة والمحكمة ورجال القانون تراجعت مسألة الاعتماد على القضاء العرفي، ولكن هناك توجيهات من صاحب السمو حاكم الشارقة بالرجوع إلينا في القضايا التي تعد مسألة الصلح فيها واردة، فتدخل والي المنطقة له دور كبير في تعجيل الصلح بين الطرفين، والحالات التي يصعب علينا الصلح بينها تحول للمحكمة، وهناك من يلجأ مباشرة إلى الشرطة والمحكمة، ومعظم الخلافات التي نصلح بينها خلافات زوجية وأسرية ومادية، والمحكمة تعتمد الصلح خاصة بالنسبة للأفراد الذين يتم الصلح بينهم ويلجؤون بعد فترة مرة أخرى للمحكمة، ويشير إلى أنه في بداية الثمانينات بدأ ببناء منزل في وادي الحلو ليجتمع فيه القاضي مرتين في الأسبوع مع الأفراد الذين لديهم استفسارات وخلافات، ومن ثم تحول المنزل من بيت القضاء إلى مركز صحي" .
ويضيف: "مازال أبناء المنطقة يعودون للوالي باعتباره أكبر سناً وأكثر حكمة وله تقدير ومكانة لدى أبناء المنطقة، وحل الخلاف لدى الوالي يختصر الكثير من المسافات والإجراءات التي قد تطول في المحاكم، وأذكر قبل 10 سنوات حدثت مشكلة بين اثنين ووصلت إلى القضاء، ومن ثم اتفقوا على الحل وذهبت للمحكمة معهم وحضرت الجلسة وعالجنا المشكلة مع القاضي بالصلح .