** الشارقة: علاء الدين محمود

القطن هو النسيج الذي «حيكت» من مادته سيرة حضارة الإنسان في خروجه من الحالة البدائية إلى الحالة الأرقى حيث الملبس، ولا يمكن لعابر لتلك المحال التجارية في العواصم الكبيرة التي تعرض أرقى الأزياء إلا أن يتوقف ولو لبرهة، لا ليتأمل الملابس وجمالها فحسب، بل أيضا النسيج الرائع والخالد الذي شكلها، وربما إذا تمعن أكثر لسرح خياله إلى تلك العملية العظيمة المنتجة لهذه الأزياء منذ البذرة التي استودعت بطن الحقول إلى الحصاد والشحن والتصنيع، هي مسيرة لا تنتج الأزياء فقط، لكن السياسات المحلية والدولية، والأغنيات والأناشيد والقصائد، هي مسيرة ثقافية اجتماعية اقتصادية سياسية.
اشتهرت بلدان عربية بمثل هذه الأغاني والقصائد مثل مصر والسودان واليمن وسوريا، وغيرها من الدول العربية التي يعتبر فيها القطن هو المحصول الرئيسي، وتعمق شكل الاحتفاء الشعبي بالقطن إلى حد أن أصبح طقسا اجتماعيا يحتضن القصص والحكايات وجلسات السمر والأغنيات، ففي رواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي، التي تحولت إلى عمل سينمائي كبير، عشنا مع بطلها محمد أبو سويلم وحكاية الحب للأرض وما تحمله في بطنها من محصول القطن فنطالع: «إن شقاءه الأسود يجد عزاء في هذا القطن وحده، ولكنهم يدهسونه بلا حساب»، وغنت أم كلثوم: «القطن فتح هنا البال، والرزق جا وصفا لنا البال»، وعلى الرغم من الموضوعية في مسألة اعتزاز مصر تحديدا بالقطن، لكونه المشروع الذي عرفته في العصر الحديث خلال أوائل القرن الثامن عشر، وأصبحت بفضله رائدة العالم في إنتاج «طويل التيلة»، أفخر أنواع القطن، لكن الاحتفاء ب«الذهب الأبيض» كما كان يطلق عليه، لم يكن ظاهرة ثقافية مصرية أو إفريقية أو عربية فقط، لكنها كانت حالة عالمية للمحصول الذي أسهم في تشكل ملامح حضارة العالم، ودارت حوله الحروب.

مسيرة

هي رحلة سحرية في كل تفاصيلها، منذ أن أعلن القطن عن وجوده في قلب المناطق المعتدلة، رغم أن الموطن الأصلي له ظل من أسرار التاريخ، لكن الأقدار شأت أن يعرف القطن ببلاد الهند والعرب، وكأن هذا القدر يأبى إلا أن ينسب النبتة الساحرة إلى بلاد الأساطير والعجائب، فقد استخدم الهنود شعيرات القطن في صناعة النسيج منذ نحو 1500 قبل الميلاد، ليصبح ذلك هو التاريخ التقريبي لقصة الأزياء من نسيج القطن، وقد كانت أوروبا تستورد الأقمشة القطنية من بلاد الشرق خاصة الهند من مدينة «كلكتا» تحديدا، حتى أن الأقمشة القطنية الصادرة من تلك المدينة حملت اسمها، فكانت تعرف بالكليكو، وقد لعب العرب دورا كبيرا في إدخال الصناعة القطنية لأوروبا بنشرها في البلاد التي تقع على البحر المتوسط، وشهد العام 1635م أولى محاولات زراعة القطن في إنجلترا وفرنسا، فكانت تلك البداية لرحلة القطن في قلب القارة الأوروبية، وتبدأ أيضا مسيرته كمحصول يرمز للرأسمالية والتطور الجديد في كل العالم، وفي الجانب الآخر من العالم حيث الدنيا الجديدة في أمريكا، فقد ذكر المؤرخون أن كولومبوس عندما وضع قدمه هناك وجد أن زراعة القطن معروفة وسائدة ومنتشرة، وثبت فعليا أن القطن عرف في مملكة بيرو منذ عهد بعيد، حيث دلت الأبحاث الأثرية على وجود أقمشة أثرية من القطن تحيط بأجسام الموتى المحنطة هناك، وكأن الأقدار لعبت لعبتها في أن يصبح القطن نبتة متخصصة لصناعة الملبس، حيث لم تدخل في أية صناعة أخرى إلا مؤخرا، مثلما حدث في إنتاج وتصنيع الزيوت من بذرة القطن.
أما في مصر، فربما لو قدر لعالم التاريخ اليوناني «هيرودوت»، أن يشكل إضافة جديدة في مقولته الخالدة لقال: «إن مصر هبة النيل والقطن»، وإضافة إلى العلاقة الجدلية بين النبتة والنهر؛ فإن مصر قد خلقت علاقة مع ذلك المحصول منذ عهود قدماء المصريين، وكان اكتشاف تلك النبتة هناك هو الآخر أسطوريا وساحرا، فقد عثر على بذور القطن في أحد مقابر «طيبة»، واشتهرت مصر بزراعته، بل وصارت تصدره إلى جانب المنسوجات القطنية إلى روما، ثم كانت القفزة الكبيرة في زراعة مصر للقطن وصناعته عام 1820، حيث إن لهذا التاريخ حكاية، فقد روي أن «مسيو جوميل» وهو أحد العلماء في الحملة الفرنسية، قد وجد مرة نبتة قطن في حديقة بيت أحد المصريين، كانت مزروعة للزينة، وأعجب بمواصفات تيلته الطويلة، فقد كان على دراية بمحصول القطن، حيث سافر إلى أمريكا وكون معرفة مهمة بشؤون القطن وسبل زراعته، فكان أن اقترح على محمد علي باشا زرع مساحة صغيرة من القطن بالقرب من مسلّة مصر الجديدة، فأنتجت تلك العملية محصولاً طويل التيلة، لينافس الأقطان الأمريكية والهندية ويتفوق عليها، وصارت مصر تعرف بالقطن ويعرف بها، ومنها انتشرت كذلك في أرض السودان وأثيوبيا.

السلعة والصراع

كان من الطبيعي أن يجد القطن ذلك النبات الجميل الذي وهب البشرية حياة جديدة، نفسه محور صراع محتدم، خاصة بعد صعود النظام الرأسمالي في القرن التاسع عشر، وكان للقطن كمحصول تجاري دور كبير في ذلك الصعود، وقد اهتم المؤرخون والكتاب السياسيون بتلك القضية، ففي كتابه «إمبراطورية القطن: تاريخ عالمي» الصادر عام 2014، وضح أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد «سيفن بيكيرت»، كيف أن القطن أصبح هو السلعة التي دار في فلكها العالم خلال القرن التاسع عشر، لكن تلك الإمبراطورية كانت عالم لا يعرف الرحمة، حيث إن الملايين من العمال والعبيد والمزارعين، عاشوا صنوفا من الإذلال والعذابات، ومن قلب تلك المعاناة كانت تخرج السلعة، وتقدم الأزياء والملابس القطنية في وسائل وأدوات عرض براقة وجاذبة، فيقبل عليها الناس دون أن يلتفتوا إلى الكيفية التي جاءت بها إليهم، لم يسترع انتباههم تلك التكلفة الباهظة التي أنتجت عبرها السلعة وقدمت إليهم.
إن الأضواء الباهرة التي روجت لتلك البضاعة، لن تستطيع أن تغيّب أو تخفي ظلمات القهر والعبودية التي كانت السبيل لظهور المنتج الفاخر في الأسواق، فحتى بداية القرن التاسع عشر كان القطن الخام ينسج بالقرب من أماكن زراعته، ولم يكن هنالك مشقة كبيرة تقع على المزارعين والعمال، غير أن ذلك الواقع قد تبدد تماما، فانتشرت مزارع العبيد في أمريكا، من أجل تحقيق الأرباح الكبيرة، وكان العنف حاضرا في كل مراحل زراعة وتصنيع القطن، فنقل العبيد على وجه السرعة إلى الحقول الجنوبية في أمريكا الشمالية في ثمانينات القرن التاسع عشر عبر المحيط الأطلسي، وصارت الملابس القطنية السلعة ذات الأهمية العالية في الجنوب الأمريكي في جورجيا والمسيسيبي، ونقل ما يزيد على المليون من العبيد إلى هناك، وكانت تلك العملية تتسم بالعنف المفرط والإهانة والذل.

الثورة الصناعية

مما لا شك فيه أن السلعة السحرية، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية في قلب الخريطة العالمية، ونجحت أمريكا في الهيمنة السريعة على السوق، بفضل امتلاكها القدر الأكبر من المكونات الثلاثة الحاسمة الداخلة في إنتاج القطن الخام وهي: العمالة والأرض والائتمان. وتطورت صناعة الغزل القطني والقماش في كل العالم لتصبح أعظم صناعة وجدت في التاريخ، بفضل العمالة الضخمة وقيمة الإنتاج والربحية، وصارت إمبراطورية القطن هي الأكبر في كل العالم الرأسمالي، ففي عام 1862، كان هناك 20 مليون شخص في العالم يعمل في زراعة وصناعة القطن.

ظهور الرأسمالية

امتلكت إنجلترا وحدها، خلال القرن التاسع عشر، ثلثي المغازل الميكانيكية الموجودة في العالم، اعتمد ما يتراوح بين خمس وربع السكان على صناعة القطن، في كسب عيشهم، وجلبت صناعته ثروة كبيرة للتجار الأوروبيين والأمريكيين. لقد تشكلت الثورة الصناعية هناك، هذه الثورة التي صعدت في الواقع على أكتاف العبيد كعمال، وبفضل القطن كسلعة، فكان تبلور وظهور الرأسمالية.

الحرب الأكثر دموية

منذ عام 1861 إلى 1865، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب الأهلية، وعرفت بالحرب الأكثر دموية في العالم بين «الاتحاد» و«الانفصاليين»، في إحدى عشرة ولاية جنوبية، وهي حرب تحرير العبيد، وحملت هذه المعارك مفاجأة غير سارة للعالم، حيث اختفى القطن الأمريكي بشكل مفاجئ من الأسواق العالمية، وهو الذي يعد المادة الخام الرئيسية التي تعتمد عليها الاقتصاديات الأوروبية، وازدادت الأمور سوءا بنهاية الحرب الأهلية وتحرير المزارعين المستعبدين ذوي الأصول الأمريكية الجنوبية، والذين كانوا المحور الأساسي لعملية جني القطن، حيث كانوا وفقا لتلك الوضعية أهم الركائز التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي وقتها وهي العبودية، وقد مثلت هذه الحرب أزمة حادة للرأسمالية العالمية، حيث برزت مناطق جديدة في العالم تصدر القطن، فكان أن لعبت هذه السلعة دورا كبيرا ليس فقط في الاقتصاد العالمي، وإعادة رسم خريطة العالم السياسية، بل حتى على المستوى الاجتماعي والثقافي، ولنقل بصورة عامة كان للقطن الدور الأكبر في لعبة الحضارة.

حكاية مستمرة

هل انتهت حكاية القطن؟ الإجابة عن السؤال ستكون حاضرة بالنفي بمجرد أن نتحسس ما نرتديه، أو عندما تحركنا الرغبة في اقتناء أفضل الأزياء، فحكاية القطن مازالت مستمرة، مازال هو العنصر الأبرز في صناعة الملابس والأزياء، واليوم يعود القطن إلى قلب آسيا التي ظهر فيها قبل قرون، حيث إن العمالة الرخيصة لعبت دورا في هذه العودة، خاصة بعد ظهور مصادر اقتصادية كبرى مثل النفط والغاز، وقد تحولت آسيا اليوم بفضل القطن إلى مملكة كبيرة لزراعة القطن، لتنتقل حكاية القطن بكل أوجاعها المتمثلة في استغلال العمالة الرخيصة في ظروف قاسية إلى آسيا، والمفارقة تكمن في أن ذات الأوضاع التي كانت سائدة في أوروبا من استخدام الأطفال والعمال بأسعار زهيدة، يعاد إنتاجها مرة أخرى في دول كالصين وأزبكستان، لكن القطن كسلعة لم يفقد بريقه، بل إن العالم يشهد تطوراً كبيراً في الصناعات الخاصة بالملابس القطنية وخاماتها، وما زال القطن يلعب دورا كبيرا في الاقتصاد العالمي.