تجدر الإشارة، بدءاً، إلى أن مفهوم الكتابة المسرحية الجديدة يبقى مفهوماً نسبياً ومتحولاً بتحول زاوية النظر إليه، ذلك أن هذا التوصيف بقدر ما ينطبق على آخر ما أفرزته التجارب المسرحية الشبابية العربية اليوم، بقدر ما ينطبق على تجارب سابقة استطاع أصحابها أن يجددوا في مفهومهم للكتابة حسب ما أملته عليهم سياقاتهم الذاتية والموضوعية . وأذكر هنا - على سبيل المثال لا الحصر - تجربتين إحداهما غربية والثانية عربية .

في المسرح الغربي، عندما ظهرت كتابات مسرح العبث أو اللامعقول في المشهد المسرحي الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، عُدّت حساسية قياساً إلى ما كان سائداً وقتها من تصورات حول المسرح كان في طليعتها النموذج البريشتي . من ثم نفهم الشراسة التي ووجه بها تيار العبث من لدن النقاد البريشتيين الذين كانوا يتحلقون حول مجلة المسرح الشعبي، وفي طليعتهم رولان بارت وبرنار دورت، وعدوا هذه الكتابة الجديدة خلخلة لكل المفاهيم التي كانت الساحة الفرنسية تراها أسساً قوية للمسرح ما بعد الحرب . لكن هذه الكتابة العبثية نفسها عندما ظهر جيل يرنار ماري كولتيس وفيليب منيانا وفالير نوفارينا وميشال فينافير وجان لوك لاكارص وغيرهم، سرعان ما أصبحت كتابة تقليدية .

وفي المسرح العربي ما كتبه سعد الله ونوس في آخر أيام حياته يمكن تصنيفه كتابة مسرحية جديدة، فنصوص من قبيل طقوس الإشارات والتحولات والأيام المخمورة وبلاد أضيق من الحب وغيرها، هي بالقياس إلى مسرحياته السابقة ك الفيل يا ملك الزمان أو الملك هو الملك أو حفلة سمر من أجل 5 حزيران أو سهرة مع أبي خليل القباني، هي نصوص مجددة على مستوى الشكل والمضمون . فهي نقلة من مسرح القضايا الشمولية إلى مسرح الذات، من المسرح الموضوعي إلى المسرح الحميمي، من مسرح التورية والرمز إلى مسرح الكشف والتعرية وصدمة الحداثة، ومن مسرح جمالية التمثيل إلى مسرح جمالية التعبير .

صحيح أن تجديداً كهذا تم داخل سياق تجربة إبداعية متجانسة لكاتب مسرحي كان مايزال يؤمن بالوضع الأدبي للنص المسرحي، وبالتالي راكم تنويعات كتابية داخل التجربة الواحدة، لكن ما أفرزته من نصوص يبقى عنواناً على تبلور متخيل مسرحي جديد، وبالتالي فهي تجربة جديدة في الكتابة تتصل بمرحلة مغايرة في مساره الإبداعي وسمها هو نفسه بمرحلة الانغسال من الأوهام .

ومن ثم، يبدو لنا من غير الممكن إطلاق مصطلح مسرح جديد على التحولات التي طالت الكتابة الجديدة في المسرح، قياساً إلى ما حدث في مجال الرواية مثلاً .

عندما نتحدث اليوم عن الكتابة المسرحية الجديدة فإننا بالضرورة نتحدث عن فسيفساء من النصوص ظهرت في مراحل مختلفة، لا يجمعها تصور متجانس للمسرح، ولا تسندها نظرية مسرحية واحدة، وإنما يخلق التقاطع بينها تلك الرغبة في كتابة المسرح بطرق مغايرة لما كان سائداً، وهي الرغبة التي لم تعد حكراً اليوم، على الكتّاب وحدهم، بقدر ما أصبحت هاجساً لدى الدراماتورغيين والمخرجين وحتى الممثلين .

من ثم، تبدو استعارة الشهب الاصطناعية التي اختارها الباحث الفرنسي ميشال كورفان من أجل وصف ما يسمى الكتابات المسرحية الجديدة في الفضاء الفرنسي والفرنكفوني، استعارة تنطبق - في تقديرنا - بشكل كبير على ما آلت إليه الكتابة المسرحية الجديدة، اليوم، في العالم العربي، بما أفرزته من تنويعات في سجلات الكم وعوالم التخييل المسرحي وتقنيات الكتابة .

ولعل ما يميز الكتابات الجديدة، اليوم، هو تحول السياق الجمالي العام الذي يؤطر التجربة المسرحية برمتها، لا سيما في ضوء تأثير عاملين أساسيين في إبداعية المسرح وإنتاجيته هما:

- بروز إبداعية المخرج وترسيخ سلطة ما يعرف ب صناعة الفرجة .

- استعمال التكنولوجيات الحديثة في الإبداع المسرحي .

إن هذا السياق الجديد وما أفرزه من تقويض لسلطة المؤلف، خلخل الأسس التي تقوم عليها التجربة المسرحية، حيث بات واضحاً أن التعاطي مع هذه التجربة ضمن دائرة المفاهيم والتصورات التقليدية التي تجعل من المسرح أدباً درامياً أو ضرباً من الكتابة النصية التي من شأنها إفراز ما يعرف ب الأعمال الخالدة، أصبح جزءاً من الماضي، ذلك أن الثقافة المسرحية الجديدة بدأت ترسخ منظوراً مختلفاً إزاء المسرح يعدّه فضاء ل صناعة الفرجة أولاً، مما جعل قضية النص قضية نسبية يمكن التعاطي معها، إبداعياً، بنوع من المرونة والانفتاح، وحتى اللامبالاة أحياناً، ما دام النص لم يعد هو المكون الأساسي الذي تنهض عليه الفرجة المسرحية .

نستحضر في هذا السياق، مثلاً، ما فعله المخرج العراقي جواد الأسدي مع بعض النصوص الخالدة، ومنها هاملت لشكسبير، حيث عمل على إعادة كتابة معاكسة للمسرحية عنونها ب انسوا هاملت، وذلك من منطلق قناعته مخرجاً مهووساً بما يصنع الفرجة أولاً . هذا الهوس الذي جعله يؤكد جازماً أن الولاء للنصوص يجعل منها نصوصاً ميتة على يد المخرجين التنفيذيين أو الكتّاب المشغوفين بالمنفدين للنصوص بحرفيتها (1) .

من ثم، فهو لا يتوانى عن التعبير عن رغبته في الإطاحة بالنصوص واللعب بأبهتها وجلالها حسب تعبيره، وهذه العمليات هي من صميم ما يراه هو كتابة جديدة، يقول: إن موضوع الكتابة الجديدة، نصاً جديداً أو إخراجاً مختلفاً، صار مفهوماً سواء لحركة النقد المسرحي في العالم أو بالنسبة للمتفرجين المرتهنين إلى وعي تأريخاني للأدب بكل أنواعه، في حين مازال هذا الأمر يخلف عند عد كبير من العرب آثاراً سلبية تعيد المسرح إلى موازين عتيقة وبالية خصوصاً في عقول عدد كبير من الفنانين والأدباء أصحاب النظرة المركزية الثابتة المتمركزة في بؤرة أحادية لا تقبل الشك، ولا تريد اللعب بأبهة النصوص ولا بجلالها، حيث إنهم مازالوا يتعاملون مع النصوص المنزاحة عن النصوص أو مع الإخراج المنزاح عن النصوص تحفة أو أيقونة لتزيين البيوت (2) .

إن نموذج الأسدي مجرد صيغة من صيغ متنوعة لصناع الفرجة في المسرح العربي الذين اختاروا التعاطي مع الكتابة المسرحية من منطلق مغاير إلى حد المغالاة أحياناً، ولا سيما منهم الجيل الجديد الذي فتح عينيه على الثورة الرقمية بكيفية جعلته يقتنع أن السينوغرافيا، ولعب الممثل، والتقنيات المسرحية الحديثة؛ كلها كفيلة بإنجاز ما لا يحققه النص مهما كانت درجة بلاغته المسرحية . وأصبح المفهوم الجديد الذي يؤطر تجاربهم المسرحية هو ما يسمى الدراماتورغيا الركحية التي بات الاشتغال في إطارها عنواناً على ما سماه الدكتور خالد أمين ب المنعطف الفرجوي في المسرح العربي، وهو المنعطف الذي يسنده سياق ثقافي كوني انعكس على تجاربنا العربية، يقول: لقد روج العديد من النقاد والمتتبعين للشأن المسرحي العربي فكرة مفادها وجود أزمة النصوص الدرامية، وسطوة الاقتباس والتوليف المسرحي والإعداد الدراماتورغي، نوعاً من الهروب إلى الأمام في الكثير من الإبداعات العربية المعاصرة والشبابية منها بخاصة . لقد ارتفع الكثير من الأصوات في مشهدنا النقدي منتقدة العروض المسرحية المعاصرة التي يكون فيها النص مجرد ذريعة لما يمكن اعتباره بنية تركيبية لكتابة ركحية محددة بشكل مسبق، والحقيقة هي أن الممارسة المسرحية في الوطن العربي متفاعلة بشكل أو بآخر مع تحولات صناعة الفرجة المسرحية على المستوى الكوني، وذلك نتيجة لما تسميه المفكرة الألمانية إيريكا فيشر ب تناسج ثقافات الفرجة . فلم يعد المسرح ذلك الفن الهامشي في عالمنا العربي اليوم، بل أصبح تلك الاستعارة الثقافية الممتدة في الحياة اليومية، متأثراً هو الآخر بالوسائط الأخرى التي أضحت شديدة البروز في حياتنا اليومية (3) .

لقد بات طبيعياً أن تنعكس هذه الثقافة الجديدة على المشهد المسرحي برمته، وبالتالي، على موقع الكاتب الدرامي فيه . فالواضح أن صورة الكاتب المسرحي المقيم في برجه العاجي الذي يرسل خطابه دونما اكتراث بمآله في المشهد المسرحي قد انتهت، ذلك أن الكاتب (اليوم) هو ابن وضحية، في آن واحد، للثورة التي منحت السلطة للمخرج المسرحي . إنه هنا في وضعية تبعية . وأعماله المسرحية التي هي هشة على العموم، بخضوعها لغربلة الإخراج المسرحي، غالباً ما تتم ملاءمتها، وخلطها، وطمس ملامحها . لم يعد المؤلف هو تلك القيمة الأساسية في المسرح، بل هو بالأحرى عامل، العامل المتخصص في النص ouvrier specialise du texte (4) .

إن التحول الذي طال وضع المخرج في السيرورة الإبداعية المسرحية خلال القرن الماضي، الذي جعله ينتقل من وضعية المنفذ لتعليمات المؤلف إلى مبدع له حقوقه في التخييل والتعبير بلغته الخاصة، وبالتالي في التصرف في نصوص الآخرين حسب ما تمليه عليه حساسيته الفنية ومنظوره الجمالي وتصوره للعمل المسرحي، قد أثر بشكل واضح في وضعية النص المسرحي وطرائق كتابته . من ثم، أصبح النص في خدمة العرض وليس العكس . لذلك، فلا عجب أن نلاحظ، اليوم، كيف توارت أسماء المؤلفين الذين كرسوا مسارهم الإبداعي للكتابة الدرامية وبدأت نصوصهم تتحول شيئاً فشيئاً لتصبح جزءاً من الذاكرة المسرحية، أي تحفاً أدبية للقراءة وتخليد تجارب السابقين . فلم يعد لأعمال توفيق الحكيم أو يوسف إدريس أو نجيب سرور أو أحمد الطيب العلج أو عز الدين المدني أو عبدالكريم برشيد أو سعد الله ونوس أو غيرهم كثير، ذلك الحضور القوي في مشهدنا المسرحي . وبالمقابل أصبحنا نقرأ نصوصاً لمخرجين كجواد الأسدي وفاضل الجعايبي وغيرهما .

لقد تقوضت سلطة الكاتب بهذه الصيغة التقليدية لتحل محلها سلطة الدراماتورغ الذي يبيح لنفسه التصرف بحرية، وبمغالاة أحياناً، في نصوص الآخرين بدعوى أن الكاتب يحسب حساب الحقل، لكن الدراماتورغ يحسب، بالأحرى، حساب البيدر، وشتان ما بين الحسابين، ما دام الأول خاضعاً لمستلزمات الأدب الدرامي، في حين أن الثاني مسكون بهواجس الفرجة وإكراهات التمسرح . وطبيعي أن تتمخض عن هذا التباعد بين الموقعين، علاقة جفاء من لدن الدراماتورغيين، وبالتالي، المخرجين إزاء النص الدرامي نفسه، بحيث لم يعد ينظر إليه على أنه المنطلق الوحيد لخلق تجربة مسرحية، ذلك أنه أصبح بالإمكان مسرحة كل شيء (5) حسب مقولة أنطون فيتز Vitez الشهيرة . وعليه فعملية الإعداد الدراماتورغي بإمكانها أن تنصب على نصوص ومرجعيات ومواد ليست مسرحية بالضرورة . فالرواية والشعر والحكي بمختلف مظاهره؛ كل هذه النصوص أصبحت قابلة للمسرحة بعد خضوعها للعملية الدراماتورغية .

إلا أن المثير للانتباه في التجربة العربية للتعاطي مع هذه الإمكانية المتاحة لمسرحة كل شيء، هو سقوطها في بعض الحالات، في مطب إمكانية مسرحة اللاشيء Faire theatre de rien . لذلك، فلا نستغرب الخيبة الكبيرة التي أصابت المشهد المسرحي إزاء أعمال مسرحية لم يستطع مبدعوها ملاءمة نزوعاتهم الفنية، بل ونرجسياتهم، مع طبيعة المتلقي العربي .

وإذا كان هذا الواقع المسرحي الجديد قد أفرز عينة جديدة من المبدعين الذين يكتبون أو يعدون دراماتورغيا لحسابهم الخاص، وهي العينة التي يمكن أن نسميها بالمخرجين - الكتّاب أو المخرجين - الدرماتورغيين، فإنه، من زاوية أخرى، قد غير مفهوم الكتابة نفسه، بحيث لم يعد ممكناً، اليوم، الحديث - عندما يتعلق الأمر بالمسرح - عن كتابة درامية، وإنما بالأحرى عن كتابة من أجل الخشبة Ecriture scenique .

فإذا تأملنا هذه الكتابة الجديدة، يمكننا أن نلاحظ أنها أفرزت نصوصاً غير قابلة للنشر، وبالتالي للقراءة . إنها ضرب من الكتابة العابرة التي تنتهي صلاحيتها بنهاية العرض وتوقف ترويجه . ولعل هذا ما يفسر ربما لماذا ضاقت مساحة نشر النصوص المسرحية في وسطنا الثقافي، وأصبح النص هو أعز ما يطلب في دائرة الإبداع المقروء . وهي ظاهرة مثيرة، بل ومفارقة . وموطن المفارقة يكمن في كون تعدد الأعمال المسرحية في كل موسم وتعدد المهرجانات، لم يفرز أدباً درامياً غنياً قابلاً لأن يترسخ في ذاكرة المسرح العربي، بقدر ما أفرز نصوصاً مقتبسة أو معدة دراماتورغياً أو مكتوبة من أجل العرض وليس القراءة، وبالتالي فهي ذات صلاحية محدودة في الزمان والمكان .

إن الكتابة الجديدة في المسرح، بهذه الصيغة، أصبحت كتابة ضد الذاكرة، وضد الخلود . لذا فلا عجب أن نفتقد، اليوم، نماذج منها يمكن أن تندرج ضمن خانة الأعمال الخالدة، وبالتالي، نخشى أن تتحول هذه المرحلة في تاريخ المسرح العربي إلى حلقة مفقودة بالنسبة للأجيال اللاحقة لأنها لم تترك آثاراً مكتوبة تدل عليها .

صحيح أن الإضافات الجديدة التي رسخها المخرجون - الكتّاب والدراماتورغيون على صعيد جماليات الكتابة تشي بإبداعية لافتة، لاسيما على مستوى اللغة التي أصبح هاجس التواصل مع وجدان المتلقي أحد رهاناتها الكبرى، مما يفسر، ربما، العودة القوية إلى اللغة المحكية المحلية في العروض المقدمة، وكذا على مستوى الموضوعات حيث المزاوجة بين مسرح الذات ومسرح العالم، واتساع دائرة الحكي والبوح والمونولوج، وتنويع السجلات المسرحية ما بين الكوميدي والجاد، والتفاعل مع تجارب طليعية في الكتابة المسرحية تنتمي إلى الريبورتوار الغربي . ولعل هذا ما يزكي استعارة الشهب الاصطناعية التي انطلقنا منها في الحديث عن الكتابة المسرحية الجديدة، ذلك أنها تنطبق على هذه الفسيفساء من النصوص التي قدمت عروضها على خشبة المسرح العربي خلال العقد الأخير .

في هذا السياق يمكن أن نستحضر التجارب المغربية المتمثلة في أعمال كل من فوزي بن السعيدي، عبدالمجيد الهواس، بوسلهام الضعيف، حسن هموش، إدريس الروخ، محمود بلحسن، كريم الفحل الشرقاوي، عبداللطيف فردوس، بوسرحان الزيتوني، بوحسين مسعود، لطيفة أحرار، وخالد جنبي وغيرهم كثير . فالكتابات المسرحية التي أبدعها هؤلاء صيغت أساساً من أجل الاستعمال الخاص وعلى مقاس التجربة الخاصة لكل واحد منهم وتصوره الجمالي المميز للفرجة المسرحية، لذلك رأينا من وجد ضالته في كتابة تستند إلى مرجعيات غير مسرحية بالضرورة كشهادات الأمهات العازبات أو نصوص مدونة الأسرة أو الرواية أو الشعر أو فن الملحون، وذلك بإعدادها دراماتورغياً والعمل على مسرحتها، كما وجدنا من جرب موهبته في كتابة مسرحية جديدة تتسع فيها دائرة البوح والحكي والإشراقات الشعرية إما في إطار أعمال مونودرامية أو جماعية . كما وجدنا من ارتمى في أحضان الكتابة المسرحية الجديدة في الغرب، وفي فرنسا على وجه الخصوص، حيث النصوص التي تعالج تابوهات مثيرة في سياق كتابة شفافة حميمية وكاشفة وصادمة أحياناً، وفي قوالب درامية غير تقليدية فيها مزيج من الاستبطان الداخلي والمونتاج والكولاج والمقطعية كما يسندها أحياناً نوع من التقعير أو التفكير الذاتي في الكتابة نفسها في إطار ما يعرف ب الميتامسرح (6) .

إن هؤلاء الكتّاب الجدد لم يعودوا ساردي الحكايات، وإنما هم كتّاب يستحضرون كثافة الكتابة . ففي نصوصهم تسقط مبادئ السرد والتشخيص ونظام السرد . يتوصل من خلال ذلك إلى استقلالية للغة . فاللغة لا تبدو على أنها حوار بين الشخصيات وإنما تصبح تمسرحاً مستقلاً .

كان طبيعياً أن تفرز هذه التجارب الكتابية الجديدة أجناساً جديدة من المسرح، غير تلك التي كانت سائدة في سياق المنظورات الكلاسيكية المستندة إلى المنظور الأرسطي . في هذا الإطار برزت مسارح لا تؤمن بالحدود بين الأنواع الدرامية كالتراجيديا والكوميديا وغيرها، وأصبحنا إزاء ما سمي ب المسرح الحميمي ومسرح الغرفة والمسرح اليومي ومسرح الأطروحة والمسرح الشذري أو المقطعي . وتداخلت في هذه الأنواع من المسرح سجلات الواقعي والذاتي والسياسي والشعري والكروتسكي وغيرها .

هذه التجارب وغيرها، مما لم نشر إليه، تؤكد أن النظرة إلى النص المسرحي قد تغيرت بفعل تأثير هواجس صناعة الفرجة وبروز الاهتمام بمكوناتها المختلفة لدى المسرحيين العرب، كما أن اكتشاف سحر الدراماتورغيا، والحرية في التعاطي مع مصادر الفرجة التي ليست نصوصاً مسرحية بالضرورة، قد أسهم في الكشف عن نقلات فنية وحساسيات جمالية جديدة .

لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: خلف هذا البريق العابر لفرجات لا تسندها نصوص قابلة للخلود، ما الذي يتبقى من هذه الكتابة لتأسيس ذاكرة للمسرح العربي؟

الهوامش

(1) جواد الأسدي - انسوا هاملت، حصان الليلك: نصوص درامية - دار الفارابي - الطبعة الأولى 2000 - ص 10

(2) المرجع نفسه ص 11-12

(3) خالد أمين - المسرح ودراسات الفرجة - منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة - سلسلة دراسات الفرجة 14 - الطبعة الأولى 2011 - ص 57

(4) Jean - Pierre Thibaudet - Theatre Francais contemporain - Ministere des

affaires etrangeres - adapt - Dec . 2000 - p16

(5) Jean - Pierre Ryngaert - Lire Ie Theatre Contemporain

- DUNO Paris 1993 - p50

(6) انظر مقاربتنا لظاهرة الميتامسرح في: حسن يوسفي - المسرح في المرايا: شعرية الميتامسرح واشتغالها في النص المسرحي الغربي والعربي - منشورات اتحاد كتّاب المغرب - الطبعة الأولى الرباط - يونيو 2003 .