الله سبحانه وتعالى وهو الغفور الرحيم الرؤوف بعباده يلتمس للإنسان العاصي كلمة أو فعلة بسيطة لكي ينتقل به من العذاب الأليم في النار إلى النعيم الوافر في الجنة .

النصوص القرآنية والنبوية ترشدنا إلى أن الخالق عز وجل قد يدخل الإنسان النار ليعاقب على معاص وذنوب ارتكبها، ثم بعد أن يناله العقاب على ما ارتكب من ذنوب ومعاص وآثام يخرجه إلى الجنة ليحظى بنعيم الله على ما فعل من طيبات لتكون جنة الله هي مستقره الأخير .

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: لقد وعد الله المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة فقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً .

وتوعد الله سبحانه وتعالى الكافرين بالخلود الأبدي في الجحيم فقال: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً . خالدين فيها أبداً لا تجدون ولياً ولا نصيراً .

عقوبة مؤقتة

لكن بعض المؤمنين قد يدخلون النار عقوبة مؤقتة لهم على ما اقترفوا من معاص وذنوب لم تخرجهم عن الدين الصحيح، فهي عقوبة موقوتة حتى يطهروا ثم يدخلوا الجنة بعد ذلك حيث لا خلود لمؤمن في الجحيم .

وحيث إن المعاصي تتفاوت فإن مقدار ما يقضيه العاصي في العذاب يتفاوت بقدر معصيته . . وجمهور علماء المسلمين على أن من مات ولم يتب من ذنبه الذي هو دون الكفر فأمره مفوض إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه لفترة محدودة . . يقول الحق سبحانه وتعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً . . وقال جل شأنه: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم .

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح بقصة رجل يدخل النار ويخرج منها إلى الجنة فيقول: إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله له: فاذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو لك عشرة أمثال الدنيا فيقول: أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك؟ .

قال عبدالله بن مسعود راوي الحديث: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول: ذلك أدنى أهل الجنة .

المسارعة إلى عمل الخير

قصة هذا الحديث يشرحها لنا الدكتور حذيفة محمد المسير، الأستاذ في كلية أصول الدين بالأزهر، فيقول: في هذا الحديث يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غيب المستقبل، يتعلق بالمؤمن العاصي الذي ارتكب من المآثم ما جعله آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً فيها . . ويصف الرسول صلوات الله وسلامه عليه خروج هذا المؤمن العاصي بأنه حبواً وفي رواية زحفًا وفي هذا التعبير دلالة على أن هذا الخارج من الجحيم قد مضت عليه أحقاب طوال أنهكت قواه وأثقلت حركاته ونالت من قدرته حتى أصبح يحبو أو يزحف .

وفي تلك اللحظة يظن الخارج من الجحيم أن الجنة قد امتلأت ولم يعد فيها موضع قدم، فينادى من قبل الله تعالى أن يدخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى .

وبعد مراجعات يقول الله تبارك وتعالى له مبيناً له فضله وسعة ملكه وعظم سلطانه وكثرة جوده وعفوه: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها . . وهنا يقع هذا الخارج من الجحيم في ذهول من هول المفاجأة، فيقول: أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك؟ وبهذا القول لم ينضبط لسانه دهشة وفرحاً وخانه التعبير، كما جاء في الحديث عن الرجل الذي فقد ناقته حتى أشرف على الهلاك ثم وجدها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح .

وعندما حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر الخارج من الجحيم لأصحابه ضحك حتى بدت نواجذه سروراً بفضل الله، وفرحاً بعطائه، وتعجباً من سعة ملكه . . وصدق الله حيث يقول: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

ففي هذه الآية الكريمة يأمرنا الحق سبحانه وتعالى بالمسارعة إلى عمل الخير الذي يذهب بنا إلى الجنة والتعبير بسابقوا لإلهاب الحماس وحض النفوس على الاستجابة لما أمروا به حتى لكأنهم في حالة مسابقة يحرص كل إنسان فيها على أن يسبق الآخر .

ومعنى الآية الكريمة: سابقوا غيركم أيها المؤمنون إلى مغفرة عظيمة من ربكم، وإلى جنة كريمة، وهذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها كسعة السماء والأرض . . وهذه الجنة قد أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله إيماناً حقاً، جعلهم لا يقصرون في أداء واجب من الواجبات التي كلفهم الله سبحانه وتعالى بها .

احذروا لهو الدنيا

ويعود الدكتور أحمد عمر هاشم لينبهنا إلى حقيقة مهمة وهي أن الحياة الدنيا كما أخبرنا الحق سبحانه وتعالى وكما نرى في واقع الحياة لعب ولهو وزينة وعبث سلوكي وأخلاقي وانبهار بالأموال وغرور بالأولاد، وهذه المظاهر الحياتية وصفها الحق سبحانه بالنبات الهش الأصفر الناتج عن الغيث، وسرعان ما يتحول هذا النبات الأصفر إلى حطام لا يفيد صاحبه . . فكذلك حال الدنيا التي يعيشها كثير من الناس كما يحلو لهم، وكما تزينها لهم شياطين الجن والإنس، فلا يجنون منها إلا الخسران والعمل السيئ الذي يذهب بهم إلى النار إلا أن يتغمدهم الله برحمته .

هنا يكون الإنسان العاقل الذي تبقى في قلبه بقايا إيمان مطالباً بأن يعقب هذه السيئات بحسنات وهذه الأعمال السيئة بأعمال خير حتى ينقذه الله عز وجل من النار ويذهب به إلى الجنة فالسيئات تمحوها الحسنات .

ويضيف: الإنسان العاصي الذي أغراه الشيطان ودفعه إلى فعل السيئات وارتكاب الذنوب لا ينبغي أن ييأس من رحمة الله ومن عفوه ومن دخول جنته، بل عليه أن يهجر المعاصي ويكف عن الذنوب ويتوجه إلى خالقه بتوبة صادقة بعدها يحرص على كل ما يرضي الله عز وجل وبذلك ينقذ نفسه من النار ويفوز بالجنة .