بزيهم المدرسي المميز يدلف طلاب إحدى المدارس، في نظام وهدوء، إلى إحدى دور رعاية المسنين بالدولة، وبأيديهم ورود وهدايا مغلفة بأوراق أنيقة، يحملون تقديرهم ويعربون عن اهتمامهم بهذه الشريحة الاجتماعية، توقيراً واحتراماً لها، هذا المشهد وغيره يتكرر بشكل مستمر طوال أيام العام الدراسي بالدولة، حيث تضطلع المدارس بدور اجتماعي كبير يسهم في غرس روح العمل التطوعي في الصغار ويعمل على تربيتهم بشكل يجعلهم جزءاً من مجتمعهم يتفاعلون معه بشكل مستمر، وتفتح مثل هذه المبادرات التي يغادر فيها الطلاب مباني المدرسة إلى الفضاء العام، أبواباً عديدة للتواصل مع المجتمع والتعرف إلى شرائحه المختلفة عن قرب، يتأثر بها وتؤثر به، وتسهم في تشكيل ملامح شخصيته المستقبلية .
تتعدد المبادرات الطلابية وتتنوع طرائق تقديمها، لتتعدى زيارات دور رعاية الأيتام والمسنين، ومرضى السرطان وذوي الاحتياجات الخاصة، إلى تقديم المساعدات المباشرة، التي يقتطع فيها الطلاب جزءاً من مصروفهم الزهيد لتقديم المساعدات إحساساً منهم بمجتمعهم، وهي بذرة تنمو مع الأيام لتشكل ملامح عمل تطوعي إنساني يكبر مع الصغار ويؤكد تواصلهم مع مجتمعهم، ويتعدى في بعض الأحيان التواصل مع المجتمع الصغير إلى الفضاء الإنساني العالمي .
بالنسبة لطلاب الصفوف الأولى تكون المبادرة من قبل المدرسين، الذين يحثون تلاميذهم الصغار على فعل الخير كجزء من العملية التربوية ،ومع مرور الزمن وتدرج التلاميذ في الصفوف المتقدمة، يمتلكون زمام المبادرة، فيشاركوا مدرسيهم المقترحات والمبادرات التي تبدأ عادة بمشاهدة عادية للطفل في الحي أو التلفزيون أو غيره مما يجري في محيطه الاجتماعي وفقاً لمحمد السيد أحمد، خبير تربوي، يبين أن المرحلة التي يقوم فيها الطلاب بتقديم مقترحات محددة وبلورتها في مبادرة ما تعتبر أمراً جديراً بالاهتمام من قبل إدارات المدارس المختلفة، التي ينبغي عليها الاستجابة الفورية لمقترحات الطلاب ومناقشتها معهم للتعرف إلى دوافعهم، الأمر الذي يساعد من يقومون برسم السياسات التربوية، بشكل كبير لأن مثل هذه الأنشطة تمكنهم من التعرف إلى اتجاهات الطلاب التي تعتبر مؤشراً كذلك لما يمكن أن يكونوا عليه في المستقبل، فالذي يتحلى بروح المبادرة يختلف عن زملائه، الذين لا يكترثون للأمر، حسب سيد أحمد الذي يمضي للتأكيد على أن هذه المبادرات الاجتماعية من الأهمية بمكان .
قامت مريم بدر المرزوقي، التي تدرس بالصف الثامن في مدرسة الرسالة العلمية، بتبني مشروع الحفاظ على البيئة، الذي نفذت خلاله مع زميلاتها العديد من الأنشطة لنشر التوعية البيئية بين الطلبة، إضافة لمشروع (بصمة خير) لتعزيز القيم الاجتماعية، وعلى الرغم من صغر سنها إلا أن أفكارها الكبيرة، أضحت مبادرات ومشاريع اجتماعية تعدت أسوار المدرسة إلى فضاء المجتمع الكبير، وتبدو سعيدة برؤية مبادراتها تنفذ تحت إشراف إدارة المدرسة، وتشير مبينة أن لبيئة المدرسة المشجعة دوراً كبيراً في انطلاقتها كمبادرة، وتأمل أن تقدم كل ما من شأنه الإسهام في رفعة وتقدم مجتمعها ،مبينة أن نشاطها في مجال البيئة والعمل التطوعي مع زملائها يعتبر مدخلاً للعمل الاجتماعي، الذي تعتزم مواصلته في المستقبل . مشيرة إلى أنها تهدف من خلال عملها على المبادرتين إلى غرس الشعور بالمسؤولية في المدرسة والمجتمع .
الوعي الشامل بالبيئة والعمل التطوعي يمكن أن يحققا نقلة نوعية في الطريقة التي ينظر بها الناس لمثل هذه القضايا بحسب المرزوقي، التي تضيف إنهم قاموا خلال المبادرة بتوزيع نشرات وملصقات على الطلبة ونشر الإرشادات والنصائح عن طريق الإذاعة المدرسية، والاهتمام بالمرافق الزراعية في المدرسة وخارجها .
مبينة أنهم يشاركون مع المؤسسات الخيرية المختلفة لرسم فرحة العيد على وجوه الأطفال والأسر الفقيرة . وتبدي مريم وأعضاء فريقها التطوعي حماسة كبيرة لمشروع فرحة العيد، حيث انخرطوا في عمل مستمر للتحضير للمشروع والعمل على إنجاحه .
أما زميلها عبدالله التميمي،فقد أتت مبادراته على نحو مختلف تماماً، فهو يعكف منذ فترة طويلة على مشروع يهتم بالتوعية المرورية، مشيراً إلى أهميتها لكونها تضمن سلامة المجتمع، الذي يفتخر التميمي بالانتماء إليه، مشيراً إلى أن إحساسه بهذا الانتماء يدفعه للمزيد من الإبداع والتميز في عمل الخير لمجتمعه، ويؤكد التميمي على أهمية المبادرات الطلابية، مبيناً أنها بجانب خدمتها للمجتمع تسهم في إكساب الطلاب مهارات ومعارف جديدة تفيدهم في مستقبلهم، ويقول التميمي إنه يشارك بفعالية في جميع المبادرات التي تتعلق بالسلامة المروية، سواء داخل المدرسة أو خارجها، ليضيف أنه شارك مع مجموعة من زملائه في مبادرات: (غايتنا سلامتك، صيف بلا حوادث، سلامتهم تهمنا)، معرباً عن شكره وتقديره لمدرسته التي غرست بداخله وزملائه هذه القيم الإنسانية النبيلة .
طلاب مدرسة الكمال الأمريكية يفضلون زيارة دار المسنين ودار التمكين الاجتماعي بشكل دوري لكونهم يرون أن الاهتمام بهذه الفئة يعتبر من الواجبات، ويسهم في تعميق بعض الصفات والأصول الإيمانية لديهم من رحمة وعطف ومساندة وبث روح العطاء والبذل للآخرين بحسب رأي مريم حميد التي أكدت أنها تحب كبار السن لذلك تقوم بزيارتهم بين الفينة والأخرى ،وهو ذات ما مضت إليه زميلتها مريم بهاء التي تقول إنها تحرص على المشاركة في مثل هذه الأنشطة لكونها من صميم الدين الحنيف، أما محمد عمر فيرى أنها من أكثر الأعمال التي يثاب عليها الناس، مشيراً إلى أنها تقوي من الأواصر الاجتماعية .
الدور الاجتماعي للطلاب، يجب أن يكون على رأس برامج المدرسة لكونه يسهم في تنمية مهارات الطلاب وصقل وتكوين شخصياتهم، فالمدرسة ليست جزيرة معزولة، بل مكون أساسي من مكونات المجتمع، وفقاً لعبدالناصر العبيش رئيس مجلس إدارة مدرسة الرسالة العلمية الدولية الخاصة، الذي يمضي للتأكيد بأن مدرسته بقسميها البنات والبنين اعتادت على انتهاج مثل هذه البرامج لتطوير قدرات الطلاب وتنمية مهارات التواصل لديهم، مشيراً إلى أن هنالك مبادرة من الطلاب يتم الترتيب لها هذة الأيام بالتعاون مع منطقة الشارقة التعليمية، لجمع كسوة العيد، وتجميع المساعدات والتبرع للمحتاجين، وأشار العبيش إلى مجموعة من المشاريع التي قام بها الطلاب بالتعاون مع الهلال الأحمر الإماراتي وجمعية أصدقاء المرضى، حيث قامت طالبات المدرسة برسم أكثر من تسعين لوحة تم عرضها في معرض (رؤى وألوان) والتبرع بريعها لمصلحة المرضى، ويقول العبيش، مثل هذه المبادرات مهمة للغاية لكونها تقوم بربط الطلاب بمحيطهم الاجتماعي، حيث توثق علاقتهم بمجتمعهم وتجعلهم قادرين على التعامل معه، مشيراً إلى أن هذة الفعاليات تؤكد على أن المدرسة جزء من المجتمع ولا تنفصل عنه، مؤكداً أنها تسهم في تربية الطلاب على السلوك الاجتماعي السليم .
المبادرات الاجتماعية للطلاب لا تقل أهمية عن امتحانات التقييم، فإن كانت الامتحانات ،تحدد المستوى الأكاديمي للطلاب، فالمبادرات تحدد مستوى تفاعلهم مع بيئتهم ومجتمعهم وقدرتهم على التعرف إليه عن قرب ،حسب ما مضى لذلك سمير يس مدير مدرسة ابن خلدون الخاصة بالشارقة، مشيراً إلى أن مثل هذه الأنشطة تعتبر المدخل الرئيسي لتربية الطلاب وتأهيلهم تمهيداً للدفع بهم إلى النشاط الاجتماعي انطلاقاً من مبدأ الشراكة مع المجتمع، ويمضي يس مبيناً أن الأمر يعتبر مكملاً للعملية التعليمية، ولا تستقيم من دونه، ويعتبر النشاط البيئي مدخلاً مناسباً لمشاركات الطلاب المجتمعية، حيث يمكن أن يسهم بشكل كبير في تنمية السلوك الإيجابي لدى الطلاب، ويقول: لو قام الطلاب مثلاً بالمشاركة في تنظيف أحد الشوارع فإنهم بالتأكيد لن ينسوا هذه العملية وسيكون الأمر دافعاً لهم للحرص على نظافة الشارع، وغيره من المرافق العام، ليتحول الأمر مع مرور الزمن إلى سلوك طبيعي للطلاب، لكونه كان أحد أنشطتهم المدرسية، مبيناً أن الأيام المقبلة من العام الدراسي التي ستصادف فصل الشتاء ستشهد الكثير من الأنشطة الاجتماعية التي تعتزم مدرسته تنفيذها والتي بدورها تسهم في المحافظة على الطلاب أنفسهم، مؤكداً على أن هذه المبادرات مع الأنشطة الرياضية يمكنها أن تنشئ جيلاً سليماً ومسلحاً بالمعرفة التي تنعكس على سلوكه في حياته اليومية .
كسر حاجز الخوف
المناشط المدرسية التي يخرج فيها الطلاب إلى فضاء العمل العام تعتبر مهمة لكونها تسهم في كسر حاجز الخوف وتنمية قدرتهم في التعامل مع الآخرين وفقاً لما مضت لذلك راضية شعبان نائبة مدير مدرسة المعارف بدبي، التي أبانت أنهم في المدرسة ينتهجون عدة طرق في تعليم النشء التفاعل مع مجتمعهم، مؤكدة حرص إدارة المدرسة على استمرار هذه البرامج طوال العام الدراسي، مشيرة إلى أن طلاب مدرستها ينخرطون في برامج بالتعاون مع قسم التوعية بشرطة دبي، إضافة لمشاركتهم في النشرات التوعوية لحماية الطفل المرأة، وتبين شعبان أن الطلاب أبدوا حماساً كبيراً للمشاركة في هذه الفعاليات المختلفة .
مثل هذه المبادرات مهمة لكونها تعبر عن وعي الطلاب ومقدرتهم على التفاعل مع غيرهم وهو الأمر الذي وصفته بالإيجابي .
فائدة مزدوجة
عبده فريح منسق الأنشطة والبرامج بمدرسة سلطان بن صقر القاسمي بالشارقة، يرى أن فائدة هذه الفعاليات كبيرة، وتعم فائدتها على التلاميذ والمجتمع في الوقت ذاته، مشيراً إلى أنهم يبتدرونها في شكل حزم وبرامج مختلفة، تبدأ بمبادرات للنظافة، يقوم فيها الطلاب في البداية بتنظيف المدرسة بأنفسهم، لأنهم عندها يكونون حريصين على المحافظة على نظافة بيئتهم، ويتابع مشيراً إلى أن طلاب مدرسته ينطلقون بمبادراتهم من داخل المدرسة لخارجها ليشاركوا الهلال الأحمر وجمعيات رعاية المسنين، ويقوموا بزيارات لدور رعاية الأيتام، مبيناً أن هذه المبادرات يشارك فيها الطلاب حسب أعمارهم، ويؤكد أهمية هذه البرامج والأنشطة المدرسية التي تعتبر حلقة تواصل لابد منها للطالب مع مجتمعه، بحيث يتفاعل معه ويتعرف إلى شرائحه الاجتماعية المختلفة، فالمدرسة نافذة هؤلاء الصغار نحو مجتمعهم الكبير، يتعرفون إليه عبرها ويتشربون قيمه الخيرة والنبيلة عبر ما توفره لهم من فرص .