الشارقة - مصعب شريف:
نحو 100 مسكوكة، تنوعت بين الدراهم والدنانير، كانت حاضرة في معرض المسكوكات الإسلامية الذي أقامه المنتدى الإسلامي بالشارقة، حيث تروي المسكوكات المعروضة سيرة 32 خلافة وولاية تمتد من الأندلس وحتى حدود بلاد الصين، ولكل قطعة منها لها مدلولاتها التاريخية والثقافية الهامة، الأمر الذي يرقيها لمرتبة الوثائق التاريخية، التي تقدم لنا شرحاً وافياً حول الحقب المختلفة التي سُكت فيها، لتتعدى قيمتها النقدية إلى ما تمثله من رأسمال رمزي للحضارة الإسلامية بثرائها الكبير .
"دينار ذهب ذي جبلة 498 هجري للصليحيين، أروى بنت أحمد، ودرهم فضة زبيد 635 هجري لبني رسول، المنصور عمر بن علي، ودرهم فضة العلية 218 هجري للادارسة في بلاد المغرب، محمد بن إدريس، ودينار ذهب أصفهان 464 هجري للسلاجقة العظام، معز الدين ملك شاه أحمد" . هكذا قدمت المسكوكات الإسلامية كل مسكوك مقروناً بتاريخه وعهد الحكم الإسلامي الذي يمثله، حيث عرضت بعناية فائقة جذبت إليها الكثير من الهواة، الذين توافدوا على المعرض منذ افتتاحه للوقوف على هذا الإرث الكبير، الذي تقدمه ال 100 مسكوكة المملوكة للمستشار عبدالله بن جاسم المطيري الخبير والمتمرس في مجال العملات النقدية، والذي أعقب افتتاح المعرض بمحاضرة قدم خلالها تعريفاً وافياً له ومحتوياته وما تمثله، وقدم المطيري شرحاً تفصيلياً، مبيناً أن المعروضات إسلامية صرفة، وأنها تبين، أن الخلفاء في العصرين الأموي والعباسي الأول كانوا يهتمون بكتابة المدن واسم الحاكم من بعد ذلك، كما جرت العادة أن الخليفة يقف عند دار السك ويحدد العيار، والوزن، والشعارات، والآيات اعتباراً للأمور السيادية حتى فترة خلافة الرشيد الذي تنازل لجعفر البرمكي بالإشراف على السك، وأضاف: "قصة الحضارة الإسلامية بدأت مع أحداث البعثة الشريفة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في فترة سادت فيها عملتان فقط هما الدنيار البيزنطي ويسك في الشام، والدرهم الفارسي ويسك في فارس، واستمر تداولهما حتى فترة خلافة عمر بن الخطاب التي فتحت فيها فارس فأمر بتعديل جزئي" .
ويرى المطيري أن المسكوكات الإسلامية تمثل وثيقة تصحيح تاريخي في كثير من الأحيان، لكونها تقدم لنا تصوراً حقيقياً لعدة نواح بما فيها الجوانب السياسية، والعسكرية، والثقافية، والفنية، والدينية، ومدى المتانة الاقتصادية وغيرها من الدلالات التي تقرأ وتتضح من نوع الشعارات والآيات، وجمالية الخط، نوع المعدن الذي سكت منه العملات، كل هذا بحسب المطيري يجعل منها بأنها وثيقة حية شاهدة على حياة الشعوب ومرآة عاكسة للأمم إضافة إلى أنها من المسلمات للباحثين في التاريخ الإسلامي والتي لا تقبل الطعن على بداية تولي الحكم والخلافة ونهاية الولاية، مشيراً إلى أنه من تجربته في هذا المجال وجد أن المسكوكات أكثر صدقاً وصحة من بعض الوثائق والمراجع التاريخية، خاصة فيما يتصل بموضوع فترات بداية ونهاية تولي الحكم وأسماء الولاة في الدويلات .
وحظي المعرض الذي تنوعت مقتنياته بين الدنانير، والدراهم الأموية، الثائرين في آخر العصر الأموي، دنانير الذهب للخلافة العباسية، دراهم الفضة للخلافة العباسية ودراهم بنو وجيه، دينار النجاحيون، دنانير السلاجقة العظام، دنانير سلاجقة الروم، دراهم الإسماعيليين، إضافة إلى دينار محمد بن تعلق شاه، وخمساً دنانير ذهباً للخلافة العثمانية على البلاد الإسلامية، حظي بإقبال كبير من قبل الهواة، ليثير نقاشاً كبيراً بينهم حول قيمة مثل هذه الملتقيات التراثية التي تزيد من ارتباطهم بتاريخهم وتجعلهم أكثر اطلاعاً عليه .
يقول ماجد بوشليبي الأمين العام للمنتدى الإسلامي، إن المعرض يمثل مدخلاً لعلم المسكوكات الإسلامية، فما حواه من النقود والعملات والقطع النادرة الضاربة في صميم التاريخ يؤرخ لقرون طوال ويقدم لنا مختلف الحقب الإسلامية بما يشمل نماذج مختلفة تؤرخ لجميع الخلافات الإسلامية والدول والدويلات تمثل كافة أصقاع العالم الإسلامي .
ويضيف: "يعد المعرض من النماذج الحية للتكامل والتعاون في إبراز التراث الإسلامي والحفاظ عليه، إذ إن المنتدى الإسلامي المؤسسة الرائدة في الثقافة الإسلامية في الشارقة يبذل جهوداً مضنية في التعريف بالتراث الإسلامي بما يقدمه من تأصيل علمي لعلوم التراث، وما ينادي به من الأخذ من الينابيع الصافية والمصادر الأصلية وإظهارها وخدمتها، وفي هذا السياق ننظم دورات وندوات للتعريف بالمخطوط وخدمته والكشف عنه، فالجهد المؤسسي في خدمة التراث ضروري، تضاف إلى ذلك جهود الأفراد التي لا غنى عنها وهي السمة البارزة في هذا المعرض فجميع المسكوكات والقطع المعروضة تعود ملكيتها إلى المستشار عبدالله المطيري، حيث أفنى عمره وبذل ماله في تملكها والحفاظ عليها ودراستها وتعريف الجمهور بها، ليكون عمله نموذجاً فذاً في خدمة التراث، الذي يتحقق بالتعاون بين المؤسسات والأفراد الجادين" .
مشيراً إلى أن مثل هذه الأنشطة التراثية تمثل دعوة للباحثين في التراث الإسلامي والمهتمين والطلبة أن يجتهدوا في استكشاف هذا التراث وقراءة حكاياته وحل رموزه وخدمتها ورواية قصته لمجتمعاتنا والأجيال التي لا تقدره ولا تعرف قيمته فما أحوجنا لكل معلومة مهمة تخدم تراثنا وتضاف إلى تاريخنا .

قطع نادرة

يقول ماجد بوشليبي إن أقدم قطعة معروضة في هذا المعرض يرجع تاريخها للقرن الهجري الأول سنة 66 وسائر المعروضات الأخرى التي تقرب من 100 قطعة موزعة على مختلف القرون إلى القرن العاشر الهجري، ويؤكد أن قيمة المعرض تعود للقطع النادرة المعروضة، إضافة إلى أنواعها من الدراهم الساسانية المعربة القديمة والنادرة إلى أنواع أخرى من الدنانير والدراهم الأموية والدنانير والدراهم العباسية لمختلف الأقطار ودنانير الطولونيين والأخشيديين والفاطميين والمماليك وغيرها من الدول التي اختيرت نماذج من مسكوكاتها للعرض، وتشمل ثلاثين دولة .