يردد الناس أحاديث مثل: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة (رواه البخاري في صحيحه).
- وورد أن عمر رضي الله عنه قال: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً (رواه مسلم)
- وورد أيضاً: أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب (رواه أحمد)
- وورد عن عائشة رضي الله عنها: لا يترك في جزيرة العرب دينان (رواه البخاري)
- فهم بعض الناس هذه الأحاديث فهماً خاطئاً، فتعامل مع غير المسلمين بجفاء وغلظة وعدم إنصاف، ونسي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بالرفق في شؤوننا كلها، فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما انتزع من شيء إلا شانه .
- في البداية يجب أن نحدد جزيرة العرب الواردة في الحديث، فيا ترى هل هي جزيرة العرب المعروفة اليوم في العرف الجغرافي، أم يراد بها شيء آخر؟
- يقول الإمام الزهري: المراد بجزيرة العرب المدينة المنورة، وقال مالك: المراد بها مكة والمدينة واليمامة واليمن، ومنهم من قال: المراد بها الحجاز فقط، وهذا القول للإمام النووي، ويقصد بالحجاز غير اليمن، وقال ابن حجر: إن قول الشافعي هو رأي الجمهور:
- والأمر الآخر أن قوله أخرجوا المشركين نص عام، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً (رواه البخاري) .
ومفهوم هذا الحديث أن أهل الأمان غير داخلين في النص العام، بدليل أن هناك استثناءات في عهد الرسول نفسه، فقد روى أبو داوود في حديث صححه الألباني، أن الرسول أذن لأصحاب الحاجات بدخول جزيرة العرب، وقد قال الرسول لرسولي مسيلمة: لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقيكما .
وهذا عمر رضي الله عنه كان يعلم أن أبا لؤلؤة مجوسي، وكان عبداً من عبيد المغيرة بن شعبة فلم يخرجه من المدينة المنورة .
أعتقد أننا مأمورون بأن نأخذ بالنصوص وبعلم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله في حاشيته على سنن أبي داوود ج3 ص 288: وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم، ويغفلون عن عمل الرسول وعمل أصحابه الذي يبين مراده .
والأمر الآخر أنه على افتراض أن أخرجوا أمر عام ويحمل على ظاهره، فهل الاخراج يبيح الاعتداء عليهم بالقتل؟ مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أجلى من نقض العهد، لكنه لم يستبح دماءهم .
ثم إن الحديث: لا يترك في جزيرة العرب دينان، لا يحتم علينا إخراج المشركين، بل معناه أن الغلبة لا تكون إلا للإسلام، وإلا فلا مانع من زيارات غير المسلمين لدار الإسلام غير مكة والمدينة .
فالرسول أذن لبعض الكفار بالبقاء في جزيرة العرب، وعامل أهل خيبر على أموالهم، وقال لهم: نقركم ما أقركم الله (رواه البخاري 2528)
ولنعلم بعد ذلك يقينا بأن الأمر أخرجوا موجه إلى ولاة الأمر وليس إلى الأفراد الذين من واجبهم أن يسمعوا ويطيعوا ولي الأمر حتى في حال الاختلاف معه في الرأي.