إعداد: محمد فتحي
يزخر علم الغذاء بالكثير من الغرائب التي تدهش العقل البشري لما تقدمه من تفسيرات مذهلة لحقيقة المكونات الغذائية داخل أطباقنا الشهية، ومع تنوع الأصناف والمكونات يبتكر الطهاة طرقاً جديدة لإعداد الوجبات لكافة المناسبات، ويعتمدون على مزج المكونات غير المتجانسة لإظهار إبداعهم في مذاقات جديدة ونكهات مغايرة لما تعودنا عليه، وعلى الجانب الآخر وبالوقوف على حقيقة التفاعلات الجزيئية التي تحدث إثناء طهي الطعام، يؤكد الطهاة المحترفون وعلماء الغذاء أن التفاعلات الكيميائية ليست بمنأى عن تطوير أساليب الطهي وإعداد الطعام بالكامل بشكل مشوق لا يمكن قراءته إلا من خلال قصص الخيال العلمي، ولكن في الواقع أصبح بالإمكان صنع الأطعمة بمكونات كيميائية من خلال تفاعلها وتحفيزها بعدد من العناصر لنرى بأعيننا أشكالاً متألقة ومبهجة من أطباق شهية تتطابق في مذاقها مع الأكلات التي نعشقها وتملأ نكهتها الأجواء لتثير شهيتنا لتناولها .
حينما يأتي إليك الشيف العالمي الفرنسي بيير جاجنير الحاصل على ثلاث نجمات ميشلين بحقيبته الأنيقة، حينها يمكنك أن تتوقع بسهولة احتواءها على معدات الطهي التقليدية بجانب المواد الغذائية الخام لبدء تحضير طبق شهي جديد من روائعه، ولكن على العكس يأتي إلينا خبير الطهي تلك المرة بمفاجأة أخرى على غير المعتاد، ففي مسابقة الطهي note by note cooking ظهر جانجير بالعاصمة الفرنسية باريس وتبين أن ما يحمله داخل حقيبته الجلدية هو زجاجات تحتوي على مواد كيميائية تشبه الأدوية مدون عليها أسماء حامض الستريك "مالتودكسترين" ومركب الكبريت العضوي "آليل أيسوثيوسياناتي"، وبدأ عمله في صمت كأنه يجري تجربة كيميائية خطرة، حيث أضاف بحذر عدة ملاعق من مساحيق مختلفة مع بعض السوائل والمواد المحفزة، ثم أضاف إليها الماء لتتحول ألوانهامرات عدة داخل الإناء، ثم تركها على النار فترة قصيرة جداً وبعد دقائق عدة من الإضافات أظهر جاجنير ما يشبه الكعك بلونه البيج ودعا الحضور لتذوقه لتظهر عليهم علامات الدهشة لتشابه مذاقه وتطابقه لخليط اللحم مع البطاطا المشوية .
على الرغم من أنها ليست المرة الأولى لظهور ما يسمى ب "فنون الطهي الجزيئي" التي تحول المكونات الكيميائية ببراعة إلى أصناف طعام تضاهي المأكولات الطبيعية، إلا أن جانجير برز بمستوى غير مسبوق ذلك العام بشكل أحدث تغييراً للمفاهيم القائمة لهذا النوع من الطهي، فمن المعروف أن الطهي الجزيئي يستخدم حيل علمية بارعة لتحضير الأطعمة بمكونات طبيعية مع أخرى صناعية لإضافة مذاقات مختلفة ومتباينة لأطباق جديدة كل عام، ولكن جانجير ولأول مرة استخدم التفاعلات الكيميائية المباشرة لإنتاج وجبة بمكونات كيميائية خالصة، ويقول، إن الطريقة الجديدة تسهل للطاهي التحكم في مكونات الوجبات وشكلها ولونها ورائحتها، ولكنها تتطلب دراية علمية وكيميائية وموهبة وتجارب متعددة لتنفيذها لإمكانية احتوائها على العناصر الغذائية التي نريدها منها أيضاً، وعلى الرغم من كون تلك التجارب في بدايتها إلا أنها تشكل الخطوة الأولى في طريق إنتاج غذائي متكامل من المواد الكيميائية ليسد احتياجات سكان الكرة الأرضية الذين من المتوقع زيادة أعدادهم بمعدل ملياري شخص بحلول عام 2050 وتزايد الحاجة لإنتاج غذاء مستدام ومتطور لا يعتمد على الأراضي الزراعية .
بدأت فنون طهي note by note cooking عام 2009 بإعداد الشيف جاجنير لشرائح من الكراميل المقرمشة وشراب الليمون ومزجها مع كرات الحلوى المصنوعة من الهلام، ليبدو في النهاية وجبة لها مذاق التفاح، وللبدء في مثل تلك الوجبة يجب أن يكون الطاهي على دراية كاملة بما يمكن للعناصر الكيميائية إضافته إلى مذاق المكونات المختلفة وتغير حالتها الطبيعية وشكلها و"مطيافية الكتلة" التحليلية لتحديد العناصر المكونة للأصناف، وهي التي يمكن أن تستخرج من أنسجة الحيوانات والنباتات أو يتم تصنيعها .
فعلى سبيل المثال يستخرج حامض "مالتودكسترين" العضوي الذي يستخدم لتحسين أداء الخلايا قليلة الدهون من نشا ال hydrolysis ، وكذلك مكونات ال "ميتيونال" العضوية تستخدم كمكسب طعم يشبه البطاطا تماماً، ومن هنا أمكن مزج بعض المكونات المشابهة مع إكسابها بعض الفيتامينات والمعادن كبديل للعناصر الغذائية، ومن ثم يمكن طهيها وتناولها بشكل مباشر .
شهدت المسابقة هذا العام العديد من الروائع مثل تقديم الشيف الايرلندي سياران دويلي وأعضاء فريقه من معهد دبلن للتكنولوجيا وجبة من بسكوت التويل المصنوع من الدجاج المشوي مع كرات مستخلصة من نبات الروزماري والليمون المطحون والبطاطا المهروسة، ويقول دويلي، إنهم أرادوا إنتاج وجبة مرتبطة أكثر بالمكونات الطبيعية، إلا أنها في الواقع أعدت على أساس مكونات متماسكة ومعقدة من ماء gellan gum وهو مركب عضوي عبارة عن ماء من "متعدد السكاريد" المستقى من نوع من "بكتيريا سلبية الغرام"، ليحتوي بذلك على مركبات المجموعة الثانية من الميثيل والفورانثيول التي تمتلك نكهة مطابقة للدجاج المشوي، وبخلاف تقديم الأطعمة التقليدية يرى الكثير من الطهاة إمكانية الابتعاد قليلاً عما تنتجه الأراضي الزراعية، ويقول دويلي، إنه أصبح بالإمكان إعداد وجبات شهية للغاية بمكونات كيميائية لها أضعاف العناصر الغذائية والنكهات المختلفة وبأشكال مبهرة داخل المعامل وليس والمطابخ .
خلال الآونة الأخيرة برز أيضاً المشروب السحري أو "سويلنت" الذي يحتوي على نحو 30 عنصراً غذائياً لتغطية كافة احتياجات الجسم من العناصر الغذائية والأملاح والمعادن ليغني عن تناول الطعام تماماً، وهو ما تم تطويره بواسطة علماء منطقة "وادي السيليكون" في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية من أجل المهندسين التقنيين العاملين بداخل المنطقة والذين يشكون مراراً بأنهم لا يملكون الوقت لتناول الطعام بانتظام من كثرة الأعمال اليومية، وبسبب حاجة المهندسين للبروتين يعكف حالياً علماء التغذية بالمنطقة على إنتاج بيض غني بالبروتينات من دون وجود دجاج، وذلك في المعامل الكيميائية، حيث يعملون على تحليل آلاف النباتات البروتينية للتعرف على بعض الأنواع التي سوف تحل محل نكهة البيض العادية ومكوناتها وخصائص الطهي العادية لها، وبعد عدة تجارب تم إنتاج ما يعرف بال Just Mayo ، وهو مايونيز خال من البيض، ومنتشر حالياً في الأسواق الأمريكية .
ويقول لي تشاي أحد أخصائيي التغذية القائمين على التجارب، إن على الرغم من عدم تمكنهم من التوصل لطريقة لصنع البيض إلى الآن، تؤكد الكثير من الشواهد حتمية التوصل لبروتين نباتي وطبيعي يتم تزويده بمكونات كيميائية ليحل محل البيض الذي يستلزم تربية الطيور وإطعامها بآلاف الدولارات .
يقول المنتقدون لمثل تلك الأبحاث، إن المكونات الكيميائية والفيتامينات لا يمكن أن تكون بديلاً عن الغذاء لطبيعي الذي تكيف عليها جسم الإنسان، وإن الشهية ليست فقط مرتبطة بالنكهات والألوان، وإنما بالشكل والملمس وغيرها من خصائص الغذاء الطبيعي .
يزخر علم الغذاء بالكثير من الغرائب التي تدهش العقل البشري لما تقدمه من تفسيرات مذهلة لحقيقة المكونات الغذائية داخل أطباقنا الشهية، ومع تنوع الأصناف والمكونات يبتكر الطهاة طرقاً جديدة لإعداد الوجبات لكافة المناسبات، ويعتمدون على مزج المكونات غير المتجانسة لإظهار إبداعهم في مذاقات جديدة ونكهات مغايرة لما تعودنا عليه، وعلى الجانب الآخر وبالوقوف على حقيقة التفاعلات الجزيئية التي تحدث إثناء طهي الطعام، يؤكد الطهاة المحترفون وعلماء الغذاء أن التفاعلات الكيميائية ليست بمنأى عن تطوير أساليب الطهي وإعداد الطعام بالكامل بشكل مشوق لا يمكن قراءته إلا من خلال قصص الخيال العلمي، ولكن في الواقع أصبح بالإمكان صنع الأطعمة بمكونات كيميائية من خلال تفاعلها وتحفيزها بعدد من العناصر لنرى بأعيننا أشكالاً متألقة ومبهجة من أطباق شهية تتطابق في مذاقها مع الأكلات التي نعشقها وتملأ نكهتها الأجواء لتثير شهيتنا لتناولها .
حينما يأتي إليك الشيف العالمي الفرنسي بيير جاجنير الحاصل على ثلاث نجمات ميشلين بحقيبته الأنيقة، حينها يمكنك أن تتوقع بسهولة احتواءها على معدات الطهي التقليدية بجانب المواد الغذائية الخام لبدء تحضير طبق شهي جديد من روائعه، ولكن على العكس يأتي إلينا خبير الطهي تلك المرة بمفاجأة أخرى على غير المعتاد، ففي مسابقة الطهي note by note cooking ظهر جانجير بالعاصمة الفرنسية باريس وتبين أن ما يحمله داخل حقيبته الجلدية هو زجاجات تحتوي على مواد كيميائية تشبه الأدوية مدون عليها أسماء حامض الستريك "مالتودكسترين" ومركب الكبريت العضوي "آليل أيسوثيوسياناتي"، وبدأ عمله في صمت كأنه يجري تجربة كيميائية خطرة، حيث أضاف بحذر عدة ملاعق من مساحيق مختلفة مع بعض السوائل والمواد المحفزة، ثم أضاف إليها الماء لتتحول ألوانهامرات عدة داخل الإناء، ثم تركها على النار فترة قصيرة جداً وبعد دقائق عدة من الإضافات أظهر جاجنير ما يشبه الكعك بلونه البيج ودعا الحضور لتذوقه لتظهر عليهم علامات الدهشة لتشابه مذاقه وتطابقه لخليط اللحم مع البطاطا المشوية .
على الرغم من أنها ليست المرة الأولى لظهور ما يسمى ب "فنون الطهي الجزيئي" التي تحول المكونات الكيميائية ببراعة إلى أصناف طعام تضاهي المأكولات الطبيعية، إلا أن جانجير برز بمستوى غير مسبوق ذلك العام بشكل أحدث تغييراً للمفاهيم القائمة لهذا النوع من الطهي، فمن المعروف أن الطهي الجزيئي يستخدم حيل علمية بارعة لتحضير الأطعمة بمكونات طبيعية مع أخرى صناعية لإضافة مذاقات مختلفة ومتباينة لأطباق جديدة كل عام، ولكن جانجير ولأول مرة استخدم التفاعلات الكيميائية المباشرة لإنتاج وجبة بمكونات كيميائية خالصة، ويقول، إن الطريقة الجديدة تسهل للطاهي التحكم في مكونات الوجبات وشكلها ولونها ورائحتها، ولكنها تتطلب دراية علمية وكيميائية وموهبة وتجارب متعددة لتنفيذها لإمكانية احتوائها على العناصر الغذائية التي نريدها منها أيضاً، وعلى الرغم من كون تلك التجارب في بدايتها إلا أنها تشكل الخطوة الأولى في طريق إنتاج غذائي متكامل من المواد الكيميائية ليسد احتياجات سكان الكرة الأرضية الذين من المتوقع زيادة أعدادهم بمعدل ملياري شخص بحلول عام 2050 وتزايد الحاجة لإنتاج غذاء مستدام ومتطور لا يعتمد على الأراضي الزراعية .
بدأت فنون طهي note by note cooking عام 2009 بإعداد الشيف جاجنير لشرائح من الكراميل المقرمشة وشراب الليمون ومزجها مع كرات الحلوى المصنوعة من الهلام، ليبدو في النهاية وجبة لها مذاق التفاح، وللبدء في مثل تلك الوجبة يجب أن يكون الطاهي على دراية كاملة بما يمكن للعناصر الكيميائية إضافته إلى مذاق المكونات المختلفة وتغير حالتها الطبيعية وشكلها و"مطيافية الكتلة" التحليلية لتحديد العناصر المكونة للأصناف، وهي التي يمكن أن تستخرج من أنسجة الحيوانات والنباتات أو يتم تصنيعها .
فعلى سبيل المثال يستخرج حامض "مالتودكسترين" العضوي الذي يستخدم لتحسين أداء الخلايا قليلة الدهون من نشا ال hydrolysis ، وكذلك مكونات ال "ميتيونال" العضوية تستخدم كمكسب طعم يشبه البطاطا تماماً، ومن هنا أمكن مزج بعض المكونات المشابهة مع إكسابها بعض الفيتامينات والمعادن كبديل للعناصر الغذائية، ومن ثم يمكن طهيها وتناولها بشكل مباشر .
شهدت المسابقة هذا العام العديد من الروائع مثل تقديم الشيف الايرلندي سياران دويلي وأعضاء فريقه من معهد دبلن للتكنولوجيا وجبة من بسكوت التويل المصنوع من الدجاج المشوي مع كرات مستخلصة من نبات الروزماري والليمون المطحون والبطاطا المهروسة، ويقول دويلي، إنهم أرادوا إنتاج وجبة مرتبطة أكثر بالمكونات الطبيعية، إلا أنها في الواقع أعدت على أساس مكونات متماسكة ومعقدة من ماء gellan gum وهو مركب عضوي عبارة عن ماء من "متعدد السكاريد" المستقى من نوع من "بكتيريا سلبية الغرام"، ليحتوي بذلك على مركبات المجموعة الثانية من الميثيل والفورانثيول التي تمتلك نكهة مطابقة للدجاج المشوي، وبخلاف تقديم الأطعمة التقليدية يرى الكثير من الطهاة إمكانية الابتعاد قليلاً عما تنتجه الأراضي الزراعية، ويقول دويلي، إنه أصبح بالإمكان إعداد وجبات شهية للغاية بمكونات كيميائية لها أضعاف العناصر الغذائية والنكهات المختلفة وبأشكال مبهرة داخل المعامل وليس والمطابخ .
خلال الآونة الأخيرة برز أيضاً المشروب السحري أو "سويلنت" الذي يحتوي على نحو 30 عنصراً غذائياً لتغطية كافة احتياجات الجسم من العناصر الغذائية والأملاح والمعادن ليغني عن تناول الطعام تماماً، وهو ما تم تطويره بواسطة علماء منطقة "وادي السيليكون" في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية من أجل المهندسين التقنيين العاملين بداخل المنطقة والذين يشكون مراراً بأنهم لا يملكون الوقت لتناول الطعام بانتظام من كثرة الأعمال اليومية، وبسبب حاجة المهندسين للبروتين يعكف حالياً علماء التغذية بالمنطقة على إنتاج بيض غني بالبروتينات من دون وجود دجاج، وذلك في المعامل الكيميائية، حيث يعملون على تحليل آلاف النباتات البروتينية للتعرف على بعض الأنواع التي سوف تحل محل نكهة البيض العادية ومكوناتها وخصائص الطهي العادية لها، وبعد عدة تجارب تم إنتاج ما يعرف بال Just Mayo ، وهو مايونيز خال من البيض، ومنتشر حالياً في الأسواق الأمريكية .
ويقول لي تشاي أحد أخصائيي التغذية القائمين على التجارب، إن على الرغم من عدم تمكنهم من التوصل لطريقة لصنع البيض إلى الآن، تؤكد الكثير من الشواهد حتمية التوصل لبروتين نباتي وطبيعي يتم تزويده بمكونات كيميائية ليحل محل البيض الذي يستلزم تربية الطيور وإطعامها بآلاف الدولارات .
يقول المنتقدون لمثل تلك الأبحاث، إن المكونات الكيميائية والفيتامينات لا يمكن أن تكون بديلاً عن الغذاء لطبيعي الذي تكيف عليها جسم الإنسان، وإن الشهية ليست فقط مرتبطة بالنكهات والألوان، وإنما بالشكل والملمس وغيرها من خصائص الغذاء الطبيعي .