صدر مؤخراً للبروفيسور السوداني شريف أحمد الدشوني كتاب بعنوان مقدمة في نظرية المعرفة والبحث العلمي في 176 صفحة من القطع المتوسط عن شركة مطابع السودان للعملة المحدودة، وينقسم كتابه إلى سبعة أقسام بعد المدخل: 1- من المعرفة الحسية إلى العلم . 2-الحاجة إلى العلم والتفكير . 3- ركائز البحث العلمي . 4-الفروض . 5-المنهج التاريخي . 6-المنهج الوصفي . 7-أدوات البحث العلمي . يهدي الدشوني كتابه إلى كل الذين يحترمون التفكير العلمي ويمجدونه . ونقف على المدخل الذي يستهل به الدشوني كتابه، حيث يشير إلى أن اهتمام الإنسان التاريخي بالمعرفة يقسم إلى ثلاث مراحل عامة من التجارب الكبرى، التي تندرج في تلاقح وتمازج مع التجربة الحسية/الشخصية، والتأمل/التفكير، والاستنباط/الاستدلال، إلى أن وصل إلى مرحلة البحث العلمي المتميز بقدر كبير من الاستقراء والتجريد .
يرى أن الإنسان منذ تكوينه في بحث دائم عن المعرفة، في محاولة منه للإجابة عن تساؤلاته عن العالم والطبيعة، ولا ينبع ذلك إلا من غريزة الحياة لديه، في سبيل تحسين الظروف المعقدة التي يحياها . ودائماً ما سعى، نتيجة التجارب والخبرات المتراكمة، إلى إثراء حياته معرفياً لمواجهة الصعاب التي تعترض كينونته، وما كان لقدماء المصريين أن يتوصلوا إلى ابتكار مبادئ الهندسة والتقويم سوى نتيجة تجاربهم مع نهر النيل وفيضاناته السنوية . ومنذ القديم، كلما وجد الإنسان حلولاً لمشاكله ومعضلات حياته ارتقى حضارياً على نحو تدريجي .
ويشير الدشوني أيضاً إلى أن البحوث العلمية أثبتت تأثيرها الحاسم في مواجهة المشاكل وحلها عن طريق قهر قوى الطبيعة وإخضاعها لخدمة البشر، خاصة، مع زيادة الوعي العلمي، وأعداد البشر، وتطور الصناعات، والإنتاج الزراعي، وإشاعة الحرية والديمقراطية، وحرية الفكر والإبداع في نهاية القرن التاسع عشر . ويرى أن هذه البحوث ليست وقفاً على أمة دون غيرها، فكما الكثير من الأمريكيين، يجدون أنهم وهبوا فطرة طبيعية تخولهم أن يقودوا العالم، وهو ما كان عليه الكيميائيون الألمان في الثلث الأول من القرن العشرين، الذين عزوا تطورهم العلمي إلى طبيعتهم العرقية ودمهم الأزرق المختار، وعن ذلك يقول: من العبط والوهم الزائف الاعتقاد من جانب أية جنسية أو أمة بأنها تحتكر الموهبة والاستعداد العلمي الذاتي أكثر من غيرها بشكل طبيعي فطري . فالمعرفة إرث إنساني لاتعود ملكيته لشخص أو أمة أو جماعة، بل هو إرث يخص البشر والمجتمعات جميعها . وعن أهمية البحث العلمي في العالم، يشير إلى أن دول العالم المتقدمة أولت عناية فائقة بالبحث العلمي، وأجزلت له العطاء والدعم، لأنها تجده الركيزة الأساسية للتقدم للبشري . وبالنسبة للمجتمعات المتخلفة في العالم الثالث، التي يعيش القسم الأكبر منها في محيط من التخلف القائم أساسه على الفقر والجهل والمرض، يكون الإنسان عاجزاً عن فهم ذاته والظروف المحيطة به، بالتالي يقع في براثن التفكير الخرافي الأسطوري، ويصبح العلم محاصراً فيها، ويتم تقييد الفكر وتحنيطه في كبسولات مصفحة تخاف العلم وتخشى من التقدم والتطور، لاترى الحياة إلا بعيون الموتى، مجتمعات لاتحس بالزمن ولاتعرف التدبير . يجد البروفيسور الدشوني أن أمام الدول المتخلفة طريقين لاثالث لهما: العلم والتطور أو الخرافة والإندثار .
ويرى الدشوني أنه مع مرور الزمن وتراكم الخبرات البشرية، انتقل الإنسان من المعرفة الحسية إلى العلم، فقد حدث تطور كيفي في المعرفة الحسية بمختلف رواسبها، حتى بلغت مرحلة البحث عن الأسباب والعلل ماوراء الطبيعة، كالتفكير في الحياة أو الموت، الخلود، الروح، أصل المخلوقات، مصدر الكون . ولكن في منتصف القرن السادس عشر ضعُف هذا التفكير، حيث بدأت مرحلة معرفية تتصف بالتجربة، وهي مرحلة تعبر عن تقدم واضح في نضوج الفكر الإنساني وتفسير الظواهر، واستطاعت أن تسبر كنه أسرار الظواهر الطبيعية والعلاقات الوظيفية بينها . وهي في الحقيقة لم تكن علماً، بل كانت تحمل بذور العلم، وكل إمكانات تطوره اللاحق، إلى أن صارت الدروب مفتوحة أمام مستقبل العلم وقدراته الهائلة . وبعدها وصل الإنسان بحكم التراكمات المعرفية إلى فن المنطق، هنا يقصد به المؤلف، التفكير في الأشياء وليس في العقل نفسه . وأُطلق على هذا المنهج في العصر الإغريقي التفكير الاستباطي، أي استخلاص البرهان الذي يبدأ من قضايا مسلّم بها ثم الاستدلال على قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة (المنطقية) دون اللجوء إلى تجارب معينة . والاستباط عبارة عن استدلال يشمل ثلاث قضايا: مقدمة كبرى ومقدمة صغرى والنتيجة، مثل: 1- كل البشر فانون (مقدمة كبرى) 2- الملك بشر (مقدمة صغرى) 3- إذن، الملك فانٍ (النتيجة) . جاء بعد ذلك الفكر الاستقرائي، الذي يقوم على دراسة عدد من الحالات الفردية من أجل تصميم فروض موضوعية يتم اختيارها علمياً لتقود- في حال صحتها- إلى تعميمات علمية، وهو عكس الاستنباط الذي يبدأ بالعام وصولاً إلى الخاص، وهو يعتبر تطور جدلي نوعي في المجال المعرفي، إذا لاوجود لاستقراء في عدمية من الاستنباط . ويرى الدشوني أنه في رحاب الفكر الاستقرائي يبدأ الباحث دراسته بهدف الوصول إلى تعميمات مصدرها ملاحظة الجزئيات التي تمثل وقائع محسوسة، أي البدء بعينة أو جزء من كل، ومن خلال دراستها، يتم إقرار نتيجة عامة تعكس حالة المجتمع الإحصائي المستهدف . أما الآن، فيؤكد الدشوني أن لا مسلمات لها قداسة أبدية أمام وسائل العلم وطرق البحث عن المعرفة . فكل شيء يخضع إلى المساءلة والتحقق والتحليل في استقلال تام عن الإرادات والنوازع والأهواء . ولاشك أنه مع انبثاق النهضة الأوربية الحديثة استمر النهج العلمي في مساره حتى وقتنا هذا، وأصبح ضرورة، بل سلوكاً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لتحقيق النجاح في مختلف مناشط الحياة وزيادة رفاه الإنسان .
وقد أثبتت التجارب البشرية استحالة وجود تقدم اقتصادي أو اجتماعي من دون علم وفكر، حيث يكشفان عن الأسباب المباشرة والعلل البينية وراء الظواهر . ويرى الدشوني أن مفاهيم الخرافة والأساطير والسحر والدجل لا تزال سائدة في عقول أكثرية شعوب العالم الثالث، وهذا يأتي من الواقع الاجتماعي المتخلف في أركانه الثلاثة المتداخلة: الاقتصاد، الثقافة، السياسة . أما بالنسبة للمثقفين في هذه البلدان، فيعانون من حالة من الإرباك والحيرة والإحباط أمام تعقد حياة القهر والتجهيل العام والتشويش وانعدام الحيلة واحتراق الأمل وانسداد الأفق . وهنا، يؤكد المؤلف على أن دول العالم الثالث لا تملك غير التوجه- فكراً وممارسة- إلى دراسة وإتقان العلوم الأساسية والطبيعية الحديثة، وهضم جذورها الأساسية وطرق البحث والمناهج وتوظيفها على نحو فاعل في البيئة المحلية، كي ينفتح الطريق أمام الإبداع والتخلي عن استيراد المعرفة . وبالتأكيد، لا يمكن لكل هذا أن يتحقق إلا بإزالة الفقر والجهل، وإشاعة الديمقراطية الحقيقية، والتحرر من القهر والخوف والضعف . كما يمكن أن تكون هناك عوائق كبيرة تقف أمام تقدم الفكر العلمي، فالكثير من الباحثين والعلماء دفعوا حياتهم ثمناً لإنجازاتهم العلمية وأفكارهم بدءاً من سقراط ومروراً بكاليلو وكوبيرنكس وغيرهم . وأهم هذه العوائق: 1- انتشار الفكر الأسطوري الخرافي . 2- الالتزام بالأفكار التقليدية . 3- إنكار قدرات العقل . ولكن لا بد من التنبه إلى أنه مع تقدم الفكر العلمي تسود روح التسامح والتكاتف بعيداً عن العصبية القبلية والعنف المجتمعي، فالعلم يرهف الحس والشعور والذوق، وينمي روح المرونة وسلوك النضج واتساع الأفق .
ويرى الدشوني أن الركيزة الأولى في البحث العلمي هي بلورة العملية البحثية، التي تتكون من عدة أنشطة: 1- الشعور بالمشكلة . 2- خطوات أولية مثل جمع المعلومات ووضع فروض مع مراجعتها وتتبع العلاقات بين الحقائق . 3- مصادر مشكلة البحث مثل أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير وغيرها . 4- اختيار المشكلة، حيث يراعى عدد من المعايير الذاتية والاجتماعية عند اختيار مشكلة البحث . 5- صياغة المشكلة البحثية، ولها طريقتان: صياغة تقريرية أو صياغة تساؤلية . 6- تحديد المشكلة، وهي خطوة مهمة في مصير عملية البحث بمجملها . أما الركيزة الثانية، فهي خطة البحث، وهذه عبارة عن خريطة طريق مختصرة ودقيقة بعد استكمال الدراسات الأولية في مجال مشكلة البحث، وفي هذه المرحلة لابد أن يضع الباحث نفسه في جو مشبع بالقراءة والاستنارة بآراء العلماء وأهل الاختصاص، وتشمل خطة البحث في العادة على البنود التالية: العنوان، المقدمة، البحوث السابقة في مجال مشكلة البحث، حدود المشكلة، وضع المسلمات، وضع الفروض، إجراءات الدراسة، تحديد المصطلحات، وقائمة المراجع . ويقف المؤلف على المنهجين التاريخي والوصفي في البحث، حيث يحتوي التاريخي على النقد الداخلي والخارجي بعد تدقيق البيانات . والقسم الأخير من الكتاب يناقش أدوات البحث العلمي، والذي يلجأ فيه المؤلف إلى حسابات وجداول للتوضيح وتمهيد الطريق أمام كل باحث في حقل العلوم والمعرفة .
المؤلف في سطور
البروفيسور الدشوني حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة وسكنسن في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الاقتصاد (التنمية)، عمل مع منظمات الأمم المتحدة والعديد من المنظمات المدنية الأخرى . عمل أستاذاً متعاقداً في العديد من الجامعات الأوروبية والعربية والإفريقية، كما شغل سابقاً منصب عميد كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية في جامعة الخرطوم، وحالياً أستاذ (التنمية) وعميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة أم درمان الأهلية، وله كتب ومساهمات علمية كثيرة منشورة على المستويين المحلي والعالمي .