جاء الاكتشاف الأخير لما سمي مغارة سؤادا في محافظة السويداء إلى الجنوب من العاصمة السورية دمشق ليضيف إلى رصيد هذه المحافظة معلماً إضافياً من المعالم السياحية التي تختزنها ولعل أهمها المغارات المنتشرة فيها والتي يعود تاريخها إلى آلاف السنين .
إن الهوة وعريقة والقنوات وغيرها الكثير أسماء مغارات ذاع صيتها وباتت مثالاً يضرب لمعالم أثرية تروي قصة الطبيعة البكر، وهي مغارات ذات منشأ بركاني يعود تاريخها إلى الفترة التي كان فيها بركان جبل العرب القريب من السويداء نشيطاً، أي في العصر الحجري القديم، وهو عصر بدأ منذ حوالي 40 ألف عام ق .م واستمر حتى أواخر الألف الثالث ق . م علماً أن أقدم الصخور البركانية في المحافظة يعود إلى الزمن الثالث القديم عصر الميوسين الأوسط والبليوسين أي حوالي 65 مليون سنة .
البداية كانت من الاكتشاف الأخير لمغارة بركانية هي الأكبر حتى الآن في سوريا أطلق عليها اسم مغارة سؤادا التي يعود تاريخها حسب المكتشفين إلى 50 ألف سنة وتعد حسب قول المهندس وسيم الشعراني رئيس دائرة آثار السويداء من بين المغارات الطبيعية التي تشكلت نتيجة السيل البركاني في تعرجات الوديان وتبرد سطحها، حيث شكلت تجويفاً طويلاً يتسع كلما كان التوغل في العمق غير المكتشف بشكل كامل، موضحاً أن المغارة كانت مخبأة تحت سطح الأرض وفيها تجاويف في بدايتها تزيد مساحتها على خمسة أمتار وتتسع وتكبر وتصبح أكثر عمقاً كلما كان الاتجاه نحو الداخل، كما لوحظ أن المغارة تحتوي على تيارات هوائية تشير إلى وجود فتحة أخرى، وأن عمق المغارة يزيد على 3 كيلومترات الأمر الذي يجعلها أكبر مغارة في سوريا حتى الآن وداخلها مجموعة كبيرة من الصواعد والنوازل .
مغارة عريقة أو أهاريت اليونانية وتعني ينبوع الماء المتدفق أو العين القوية، اكتسبت شهرة عالمية من خلال مغارتها التي صنعتها يد الطبيعة والتي تم اكتشافها عام ،1968 وقد اكتشفت هذه المغارة التي يعود تاريخها إلى قبل 450 ألف سنة، بسبب انخفاض منسوب المياه في النبع الذي يسقي الناس في القرية، وقرر الأهالي النزول إلى الأسفل لمعرفة السبب، فاكتشفوا ممراً وفتحة صغيرة بجانب النبع فدخلوا من الفتحة فوجدوا المغارة، وهي عبارة عن ثلاثة كهوف تمتد حتى الغرب بطول حوالي 1460م وكانت المغارة مردومة من الخارج وعندما دخلها سكان القرية اكتشفوا باب الحلس وهو باب ثقيل جدا من البازلت الأزرق . داخل المغارة يأخذ شكل قوس عرضه عند القاعدة 15م وارتفاعه وسطياً10م أما درجة حرارتها فثابتة صيفاً وشتاءً عند درجة 5 .،17 وقد وصفها خبير وباحث آثاري ألماني بقوله لقد التقطت الطبيعة لسكانها صورة منذ نصف مليون عام .
أما باب المغارة الداخلي فهو عبارة عن كتلة غازية داخل المغما البركانية المنصهرة أدت إلى هذا التجويف الذي يبلغ طوله الإجمالي 1460 م وينقسم إلى ثلاثة كهوف طول الواحد منها 450 م يفصل بينها سردابان وتتراوح سماكة الصخور المحيطة به (7-45)م ويقع إلى جواره نبع يروي القرية وبساتينها .
أما الباب الخارجي للمغارة فهو من البازلت الأصم ويعود تاريخه إلى العصر الكنعاني وقد استخدمه أهالي المنطقة في بداية القرن الماضي كملجأ لهم وقاعدة لشن الغارات على القوات الغازية إبان العهد العثماني والاحتلال الفرنسي .
وفي وصف مغارة عريقة يقول الشاعر ممدوح أبو حسون وهو من أهالي السويداء:
الصدى مازال حياً في المغارة
يندب الغادين داراً ثم دارا
هذه يا صاح من إحدى الأحاجي
لم يشأ رب الورى أن تتوارى
ها هنا قال العلي:كوني فكانت
واستحالت للملايين مزارا
وتقع مغارة الهوة جنوب محافظة السويداء وتعد ظاهرة بركانية فريدة من نوعها من حيث تشكلها الطبيعي رسمتها يد الطبيعة من دون تدخل الإنسان فيها ما أكسبها رونقاً وجمالاً وجعلها نقطة جذب سياحي ولاسيما أنها منطقة حدودية حيث تبعد 5 كم عن الحدود الأردنية .
ويقول المهندس الشعراني إن المغارة تتميز عن غيرها من المغاور البركانية في العالم بأنها مغارة مركبة، أي أنها تتألف من مغارتين معاً تشكلت المغارة الأولى من اندفاعات فوهة بركانية تقع غرب التل الذي أقيمت عليه قلعة صلخد بعد أن اندفعت هذه الاندفاعات في واد عميق بين قرية الرافقة وبلدة ذيبين واستمر اندفاع المهل اللزجة في ذلك الوادي لفترة زمنية طويلة ما سمح لعوامل الجو أن تبرد سطح هذا الوادي الملتهب فيقسو ويتجمد مشكلاً سطح المغارة الأولى، وفقاً لتعليل الجيولوجيين الذي شاهدوا هذه المغارة .
وأشار مدير آثار السويداء إلى أن استمرار سيلان الاندفاعات البركانية لفترة زمنية طويلة أدى إلى إذابة سطح المغارة الأولى ويبدو أن الاندفاعات البركانية الغزيرة والتي لم تتوقف أدت إلى ظهور مغارة أخرى فوق مستوى سطح المغارة الأولى بأكثر من عشرة أمتار ومع مرور الزمن بدأت تتكرر الظاهرة السابقة لتبرد سطح الثانية، فتشكل سطح المغارة العليا الذي وصل الطول المكتشف حتى الآن إلى 3 كم ويتراوح عرضها بين 12 و17متراً، مضيفاً أنه نتيجة لذوبان الكلس المترافق مع البازلت عبر ملايين السنين، تسرب الكلس إلى المغارة ليشكل صواعد ونوازل فريدة من نوعها . والمدهش أن تلك الانسياحات قد تلونت باللون الأحمر الصارخ أحياناً تبعاً لنسبة انحلال أوكسيد الحديد فيه، ويشكل الكلس في أرض المغارة طبقات تشبه شرائح اللحم، إضافة إلى الصواعد التي تكلست وأعطتنا عشرات النماذج المختلفة تماماً عن الصواعد في المغاور الكاريسيتية كمغارة جعيتا في لبنان، فالنوازل والصواعد في مغارة الهوة تشبه أضراس التنين .
وتقع مغارة القنوات إلى الشمال من محافظة السويداء ضمن المنطقة الحراجية، لها مدخلان أحدهما يطل على واد بعمق يتراوح بين 15 و25م يفصل بينها وبين موقع سيع الأثري الذي تعود آثاره إلى العهد النبطي ومدخل ثان هو انهدام في جسم المغارة بشكل فتحة شاقولية تقريباً، ويقع بعيداً عن الطريق المعبد وسط بساتين الكرمة وتتميز المغارة بوقوعها إلى جانب العديد من المواقع الأثرية في المنطقة .
وتتصف مغارة القنوات بوجود ركامات صخرية على امتدادها بحيث تشكل مصدر تهوية طبيعياً لها ومجرى مائي ترك آثاره على طول المغارة بشكل مصاطب، إضافة إلى الكثير من النتوءات والأخاديد التي تمتد من أسفل المغارة إلى سقفها، وهناك أيضاً العديد من النوازل المتميزة بإمكانية رؤية تشكلها حيث يمكن رؤية قطرات الماء المتجمعة في أسفلها، وهي تعطي انعكاسات ضوئية عند توجيه الضوء إليها، إضافة إلى وجود اختناقات بعرض 5،1 م على طول 200 م تقريباً من المغارة حيث ينخفض ارتفاعها ليبلغ 5،1م ليعود ويرتفع ليصل إلى أكثر من 4 م ويتوقع أن يزيد طول المغارة على 2 كم وهي تمتد بشكل متعرج من دون أن يتأثر اتساعها أو ارتفاعها ويتراوح عرضها بين 3 و6 أمتار وارتفاعها بين 5،2 و5 أمتار .