تنتمي السينما عموما إلى فئة الفنون الزمنية/المكانية، وما يميز جوهر علاقة الزمان والمكان في السينما هو أنهما حقيقيان نسبياً وأنهما يرتبطان بأواصر مترابطة متينة ومتبادلة ينتج عنها في نهاية المطاف مادة بصرية مسجلة على شريط الفيلم تصبح بحد ذاتها وثيقة مرئية، وهذا، من بين أمور أخرى، ما يميز إعادة إنتاج المكان والزمان في السينما عن باقي الفنون التي تنتمي إلى الفئة الزمنية/المكانية ذاتها، المسرح مثلاً، حيث المكان افتراضي وليس واقعيا، وجوده مرهون بزمن عرض المسرحية، في حين أن زمن الحدث المسرحي يظل زمنا واقعيا، وهذا بحد ذاته يعكس حالة من التناقض .
يختفي المكان في المسرح بعد انتهاء العروض و لا يتحول إلى مكان يصبح وثيقة يمكن الرجوع إليها، كما هو الحال في السينما التي من أهم خواصها أنها تعيد إنتاج المكان عن طريق عكسه مباشرة، ومن ثم تسجيله وتثبيته على شريط الفيلم ليكتسب بعد ذلك وجوداً مستقلاً وذا دلالة .
ثمة ناحية إضافية ذات أهمية خاصة ترتبط بإعادة إنتاج المكان في السينما، وهي أن طريقة أو أسلوبية إعادة الإنتاج لا تعكس فقط رؤية فنية جمالية إبداعية للمكان من قبل المخرج أو المصور، ولا تعكس فقط وظيفة ما، وظيفة سياحية أو تعبيرية مثلاً، بل تعكس أيضا في حالات كثيرة موقفاً فكريا من المحيط الجغرافي للمكان ومن الواقع نفسه، موقفاً يتجلى سواء عن طريق الخيارات التي تحدد وتقرر ما يجب تصويره من عناصر المكان وكيفية تصويره أو عن طريق ربط المادة المصورة بموضوع يجيّر المكان لصالحه وبمضمون يجعل المكان خادما لفكرة مسبقة .
تنطبق هاتان الملاحظتان بخاصة على النوعين الأساسيين من أنواع الأفلام السينمائية، أي الأفلام الوثائقية( التسجيلية) والأفلام الروائية، وتشكل الملاحظتان مدخلاً مناسباً لطريقة عرض المكان في السينما .
تحتاج الأفلام السينمائية، بأنواعها المختلفة، إلى خبرة تراكمية كي تتمكن من بناء إشارات وعلامات خاصة تعكس وتحدد تفاصيل المكان بدلالاته المتنوعة العميقة، مثل هذه الخبرة التراكمية هي التي تسمح لها بالتعبير عن المكان وهويته، ذلك لأن المكان في تشكله التراكمي، بلا شك، يتحول إلى ذاكرة حية ويصبح وثيقة مشبعة بالأحاسيس العاطفية والانفعال الجمالي، خاصة وإنه يقود المتفرج في جولة عبر أرجاء أمكنة مختلفة تستدعي حالة من الحنين عند من عرفها في صباه، أو حالة من الفضول عند من لم يعرفها .
إضافة إلى هذا الجانب، تؤدي الخبرة التراكمية تأسيسية لدور المكان في الأفلام، إذ تشير تجربة السينما العالمية خاصة من خلال نوع الأفلام الروائية إلى أن المكان يكتسب أحيانا استقلالية مميزة له تفرض نفسها على أجناس سينمائية محددة تجد نفسها تدور في فلك أمكنة هي الأكثر ملاءمة لأجوائها، هكذا، على سبيل المثال، تتكرس الجبال والوديان والبراري كأفضل أمكنة لتصوير أفلام رعاة البقر، وترتبط الأزقة الضيقة والمباني المهجورة في أطراف المدن بالأفلام البوليسية، وتحتل الحقول الواسعة والتلال الخضراء وشواطئ البحار مركز الصدارة في الأفلام العاطفية الرومانسية، والنفسية، وهذا ما اكتشفته السينما عبر خبرة تراكمية تحولت فيها العلاقة مع بعض الأمكنة إلى تقاليد راسخة لا يمل منها .
ثمة مجالات متعددة للتعامل مع المكان في السينما، على أنواعها: أفلام سياحية دعائية، أفلام وثائقية تعنى بأبعاده التاريخية والاجتماعية، أفلام علمية تشرح خصوصياته المعمارية، وأخيراً أفلام روائية طويلة وقصيرة، يكتفي المكان فيها باحتضان الأحداث، بل يتعدى هذا الدور ليكشف خصائص البيئة التي تجري فيها الأحداث وتعيش الشخصيات داخلها، بعكس الأفلام السياحية أو الوثائقية، ذات الوظيفة المحددة، تتميز الأفلام الروائية من هذه الناحية، بأنها تعطي للمكان شخصية ذات هوية خاصة ترتبط بالتاريخ والحاضر وتتكشف عن أبعاد وقيم روحية وجمالية وثقافية .
هذا مثلاً ما نلاحظه عند التأمل في السينما الفرنسية التي جعلت من شوارع باريس وساحاتها القديمة مادة للتعبير عن الثقافة والإرث الحضاري الفني الفرنسي، الملاحظة ذاتها تنطبق على السينما الإيطالية التي خلدت شوارع و ساحات روما ونوافيرها وكرستها كرمز من رموز الحضارة الإيطالية، ونلاحظ مثل هذا الإنجاز أيضاً في السينما المصرية التي نجحت في إبراز جماليات وثقافة الأحياء الشعبية القديمة ووثقت وثبتت صورتها في الأذهان، وهذا ما نلاحظه في أفلام حسن الإمام الشعبية وأفلام صلاح ابو سيف الواقعية، وتلفت النظر بهذا الخصوص أفلام المخرج المصري (الباكستاني الأصل) محمد خان بتميزها وبراعتها في تصوير أحياء وشوارع القاهرة وجعلها من العناصر التعبيرية الرئيسية في بنية أفلامه بحيث يتجاوز المكان كونه مجرد إطار أو ديكور ويصبح شخصية فاعلة . أبرز الأفلام المصرية الحديثة التي تقدم المكان بطلاً رئيسياً فيلم هيليوبوليس للمخرج أحمد عبدالله .