ثمة أسماءٌ لا تمرُّ على الذاكرة إلا وتترك خلفها عطر الأثر وبهاء الكلمة، ومن هؤلاء الذين سطروا بمداد الروح تاريخاً من الأدب والوفاء، يبرز الشاعر الإماراتي الراحل سلطان بن خليفة الحبتور (1942 - 2026)، الذي غادر فضاء الإبداع والشعر بعد مسيرة حافلة بالعطاء؛ كان خلالها مثالاً للمبدع المرتبط بقضايا وطنه والعالمين العربي والإسلامي، وذلك من خلال دفقٍ إبداعي لا ينضب من الشعر العمودي والتفعيلة، وكذلك في مجال الإبداع الشعري النبطي.
وُلد الحبتور في دبي، وتلقى المعارف والعلوم حتى نال بكالوريوس العلوم العسكرية من القاهرة عام 1967م. وله إسهامٌ وافر في مجال العمل العام؛ إذ شغل خلال حياته عدداً من المناصب في الحكومة الاتحادية، من بينها وكيل وزارة الأشغال خلال الفترة 1972–1974م، ثم وكيل وزارة العمل من 1974م إلى 1976م، قبل أن يتجه إلى قطاع التجارة. كما كان عضواً في المجلس الوطني الاتحادي لأربع دورات، وعضواً في غرفة تجارة دبي؛ فهو من الشخصيات المهمة والبارزة في الإمارات ومنطقة الخليج العربي ككل. وتجلى الشعور بالمسؤولية والانتماء في أشعاره وقصائده الفصحى والشعبية، إذ ارتبط شعره بالأرض والقادة، وتجلى ذلك في قصائد كثيرة من الروائع الشعرية التي نثرها ففاحت عطراً عمّ كل تراب البلاد.
فالحبتور لم يكن مجرد ناظمٍ للأبيات، بل كان مرآةً عكست قيمة الأرض الإماراتية، وعززت الهوية الوطنية، وصوتاً صدح بقيم الأصالة في زمن التحولات الكبرى؛ كما أنه مدّ جسور التلاقي مع الحداثة وروح العصر. وعندما نتأمل في إرث سلطان الحبتور، نجد أننا أمام تجربة شعرية فريدة، صهرت بين «فصاحة الضاد» و«عفوية النبط»؛ ففي دواوينه مثل: «وحي الزهور»، و«همس الجراح»، و«ظلال الشموع»، و«ذرات الحنين»، و«رذاذ الأماني»، تجد الكلمة تسيل رقةً وعذوبة، حاملةً في طياتها هموم الإنسان الإماراتي وأحلامه.
لقد كان الحبتور شاعراً وجدانياً بامتياز، آمن بأن الشعر هو الملاذ والهمس الذي يربط القلوب ببعضها، وهو ما جسده في موقعه الأدبي «هنا همسات». لقد تركت قصائده الوطنية أثراً غائراً في الوجدان الجمعي، حيث لم تكن كلمات في مدح الأرض فحسب، بل كانت «بيعة حب» متجددة، توثق علاقة الشاعر بتراب بلاده وقادتها، مما جعل شعره مدرسةً في الانتماء والوفاء، لتصبح كلماته كما أثر الفراشة لا يزول.
لقد كان الحبتور شاعراً وجدانياً بامتياز، آمن بأن الشعر هو الملاذ والهمس الذي يربط القلوب ببعضها، وهو ما جسده في موقعه الأدبي «هنا همسات». لقد تركت قصائده الوطنية أثراً غائراً في الوجدان الجمعي، حيث لم تكن كلمات في مدح الأرض فحسب، بل كانت «بيعة حب» متجددة، توثق علاقة الشاعر بتراب بلاده وقادتها، مما جعل شعره مدرسةً في الانتماء والوفاء، لتصبح كلماته كما أثر الفراشة لا يزول.
إن رحيل قامةٍ مثل سلطان بن خليفة الحبتور يمثل خسارةً فادحة للمشهد الثقافي؛ فبفقده انطوت صفحة من صفحات «الزمن الجميل» التي كانت تربط بين العسكرية المنضبطة، والسياسة الحكيمة، والأدب الرفيع. الفقد هنا ليس في غياب شخصٍ فحسب، بل في صمت صوتٍ كان يبث الأمل، وينشر قيم الخير والحكمة من خلال كلماته الخالدة. وما يترتب على هذا الرحيل هو فراغٌ في منبر «الحكمة الشعرية»، لكن الأثر الذي تركه يظل شعلةً لا تنطفئ؛ فدواوينه التي تزين المكتبة، وأعماله الخيرية التي طوقت أعناق الكثيرين، ستبقى «قصيدةً حية» تُتلى آناء الليل وأطراف النهار؛ لتؤكد أن المبدعين لا يرحلون إلا جسداً، أما أرواحهم فتبقى ترفرف فوق قوافي النور.
لقد علَّمنا سلطان الحبتور أن الأدب ليس ترفاً، بل هو «رسالة وموقف». وإن كان قد غادرنا إلى جوار ربه، فإن «همساته» ستبقى ترن في أذن الزمان، مذكرة الأجيال القادمة بأن الكلمة الصادقة هي أبقى ما يتركه الإنسان خلفه. سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الإمارات، ليس فقط كشاعر، بل كرمزٍ للتوازن بين «الأصالة والمعاصرة»، وبين «عطاء اليد وفصاحة اللسان».