روى البخاري من حديث عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء)، فالمُلْك لله في المبتدأ عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد سواه، والملك لله في المنتهى عند زوال الأرض لأنه لن يبقى من الملوك سواه: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهارِ (غافر: 16).

والمالك في اللغة صاحب المِلْك أو من له ملكية الشيء، ولا يلزم أن يكون المُلك له، فقد يؤثر الملك في المالك وملكيته فيحجر على ملكيته أو ينازعه فيها أو يسلبها منه، والمُلك أعم من المالك لأنه غالب قاهر فوق كل مالك، فالملك مهيمن على الملك، وإن لم تكن له الملكية إلا بضرب من القهر ومنع الغير من التصرف فيما يملكون، والمليك صيغة مبالغة في إثبات كمال الملكية والملك معا مع دوامها أزلا وأبدا، فالمليك أكثر مبالغة من الملك، والملك أكثر مبالغة من المالك.

الملك

قال تعالى: هُوَ اللهُ الذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدوسُ السلام الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبارُ الْمُتَكَبرُ سُبْحَانَ اللهِ عَما يُشْرِكُونَ (الحشر: 23)، ويقول ربنا عز وجل: فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَق لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون: 116).

والملك الحقيقي لا يكون إلا لله وحده، وهو سبحانه الملك قبل خلق الممالك، وملكه عام وممتد في الدنيا والآخرة، وجنده لا يحصون، وملكه لا يبيد، وهو سبحانه محيط بملكه إحاطة من لا يغيب عنه دقيق ولا جليل، وهو سبحانه المستغنى بذاته وصفاته وأفعاله عن غيره، المحتاج إليه كل من عداه، يملك الحياة والموت والبعث والنشور، وهو الملك الحق حين يسأل أين ملوك الأرض؟ فعند البخاري عن أبي سلمة، أن أبا هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟.

وفي مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر)، فهو الملك من بيده الملك المطلق التام الذي لا يشاركه أحد فيه، له ملك السماوات والأرض قال تعالى: وَلِلّهِ مُلْكُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: 189)، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما، وقال تعالى: وَلِلّهِ مُلْكُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (المائدة: 18)، وله ملك السماوات والأرض وما فيهن، قال تعالى: لِلّهِ مُلْكُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِن وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة: 120)، وهو الملك الحق الذي أنشأ الملك وأقامه بغير معونة من الخلق، وصرف أموره بالحكمة والعدل والحق، وله الغلبة وعلو القهر على من نازعه في شيء من الملك.

واسم الله الملك يدل ككل أسماء الله الحسنى على الصفات الأعلى، فلا يتصور ملك دائم له الملك التام المطلق بغير هذه الصفات وبغير كل صفات الكمال، وقد ورد الدعاء باسم الملك فيما رواه مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك).

وعند البخاري من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلم: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من تسبيح الله باسمه الملك القدوس ويرفع صوته بذلك، روى أبو داود وصححه الألباني من حديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم في الوتر قال: (سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدوسِ).

المالك

ورد اسم الله المالك في القرآن الكريم في قوله تعالى: قُلِ اللهُم مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمن تَشَاء وَتُعِز مَن تَشَاء وَتُذِل مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنكَ عَلَىَ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: 26).

والمُلك يطلق في مقابل الملكوت، فالمُلك يراد به عالم الشهادة غالبا أو الحياة الدنيا، والملكوت يراد به في الغالب عالم الغيب أو الآخرة، واسم الله مالك المُلك يفيد أنه سبحانه المنفرد بملكية الملك والملكوت فهو المالك على سبيل الإطلاق أزلا وأبدا: (مَالِكِ يَوْمِ الدينِ) (الفاتحة: 4).

واسم الله مالك الملك يدعى به لقضاء الدين فهو المالك عن حق وهو المتصرف بالأمر والنهي في مملكته وهو القائم بسياسة خلقه، وفي الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: (ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دَيناً لأداه الله عنك، قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك).

المليك

اسم الله المليك ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مقْتَدِرٍ (القمر: 5)، وهو صيغة مبالغة يدل على كمال ملك الله سبحانه لخلقه حيث يشمل الملك بمعنى الحكم، والملك بمعنى التملك، والحيازة، فهو سبحانه حاكم الخلق ومالكهم، والمليك في اللغة من صيغ المبالغة، والمليك هو المالك العظيم الملك، ويكون بمعنى المَلك، وهو اسم يدل على العلو المطلق للمَلك في مُلكه ومِلكيته، فله علو الشأن والقهر في وصف الملكية، وله علو الشأن والفوقية في وصف الملك والاستواء على العرش.

اسم الله المليك يدل على الكمال المطلق في وصف الملك والملكية معا، فهو عز وجل مالك الضر والنفع: (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم منَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، وهو مالك الملك، ولا أحد يملك على الحقيقة شيئا في ملكه فهو عز وجل: (يُولِجُ الليْلَ فِي النهَارِ وَيُولِجُ النهَارَ فِي الليْلِ وَسَخرَ الشمْسَ وَالْقَمَرَ كُل يَجْرِي لِأَجَلٍ مسَمى ذَلِكُمُ اللهُ رَبكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) (فاطر: 13).

وقد علم رسولنا صلى الله عليه وسلم أبا بكر الدعاء باسم الله المليك فيما رواه الترمذي وصححه الألباني عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: (قل اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، قال: (قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك).

وربنا هو الرب الحق، وهو الملك الحق، الإله الحق، وهو مالك الملك، ومالك يوم الدين، وهو الملك، الذي يملك الأشياء، ويملك من ملكها، وهو المليك، فهو سبحانه وتعالى صاحب التصرف فيما يملك بجميع الوجوه ما علمناه منها وما لم نعلم، وهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكم، العدل، الخافض، الرافع، المعز، المذل، العظيم، الجليل، الكبير، الحسيب، المجيد، الولي، المتعالي، مالك الملك، المقسط، الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى.