لا يمكن فصل الأدب، على اختلاف أجناسه شعراً ونثراً، عن تأثيرات التراث الشعبي، سواء أكان ذلك فولكلوراً أم حكاية أم أسطورة أم حكمة أم مثلاً، أم غير ذلك، ما دام هذا التراث يشكل مساحة ما في لا وعي الأديب .
وبالرغم من أن الدراسات الجديدة تتحدث عن أرومة مثل هذا التراث ومدى سطوته على الإبداع لدى الكاتب، أياً كان، إلا أنها تشير في الوقت نفسه إلى أنه لا يمكن الحديث عن درجة تأثير واحدة لدى سائر الأدباء، وبالتالي فإن هذا التأثير لا يظهر في كتابات هؤلاء بوتيرة واحدة، بل إنه ليتباين بين مبدع وآخر . كما أنه يمكن الإشارة إلى أن هناك بعض المبدعين ممن يتوجهون نتيجة رؤية فنية أو فكرية محددة إلى التراث، يستلهمون منه إبداعاتهم، أو يأخذون جوانب منه، بغرض إسقاطها على الواقع الحاضر، ضمن إطار فني مشوّق، ليكون من شأن ذلك السعي للتفاعل مع هذا التراث، وديمومته، وتخليده، في إهاب جمالي جديد، إضافة إلى أخذ ما هو إيجابي في هذا التراث ضمن اللحظة الفنية الجديدة . في هذا التحقيق توجهت الخليج إلى عدد من الكتّاب والمبدعين، استطلعت آراءهم حول العلاقة بين الأدب الإماراتي والتراث الشعبي .
يقول الروائي علي أبو الريش إن في دولة الإمارات أدباً ذا حضور حقيقي، لا يمكن فصله عن الأدب في محيطه العربي أو الإنساني، إن أي أدب هو محصلة ثقافة عامة، منها ما هو محلي، ومنها ما هو إنساني، وضمن هذا المنظور تماماً يمكن النظر إلى الأدب الإماراتي الذي استفاد بدوره من التراث الشفهي والشعبي .
والأدب في بداياته كان برمته شفهياً إلى أن دخل مرحلة التدوين، وهو ما ينطبق ليس على الأدب الإماراتي أو العربي، فحسب، بل وعلى الأدب العالمي ككل، لأنه ما من تراث إلا وكان له أصله الشفهي، ومن هنا، فإن هذا النوع من التراث انعكس على القصة والرواية، كما انعكس في الوقت نفسه على الشعر .
ولقد كان عليّ كصاحب تجربة أدبية أن أنهل مما حولي، كما كان علي أن أنهل مما هو عربي وعالمي، وأنا أكتب منطلقاً من اللاشعور الجمعي، وإنه ضمن هذه الذاكرة يلتقي التراث الشفاهي والشعبي، ما يجعلني أعبر عنه، وذلك خلال أعمالي كاملة، وليس خلال عمل واحد منها فقط، كما أن مثل هذا التوجه ينطبق على سواي من الأدباء الذين يكتبون، وأكاد لا أجد كاتباً أو مبدعاً يكتب بعيداً عن التأثيرات المشار إليها، لأن التراث والقراءات وغيرها من المؤثرات تجد لها حضورها في أي إبداع إنساني، مهما كان جنسه الأدبي .
الشاعر عبدالله محمد السبب يقول: لا يختلف اثنان وإن اختلفا على أن تراث كل شعب وأمة هو مرتكز إبداعها وهويتها التي تعرف بها في الأوساط الأدبية العالمية، تماماً، كما هو حال المجتمع العربي الذي يستمد حضوره اليوم من حضاراته وتاريخه المنصرم بكل تفاصيله وبكل مفرداته، المرئية منها والمرصودة علانية في الكتب والمجلات والصحف وكذلك المصرح بها في المناهج الدراسية، أو تلك الخفية المسكوت عنها أو الساكنة في عقول الناس وفي صدورهم وفي ممارساتهم اليومية والاجتماعية بكل أشكالها البيئية وهي التراث الشفهي، أو الثقافة الشفهية المعنية بالتحقيق الثقافي هذا .
المكان مثلاً، ثيمة قوية ومؤثرة جداً يجب عدم إغفالها أو السكوت عنها ويجب أن تكون حاضرة في المنتج الإبداعي الأدبي منه والبحثي، تماماً، كما لا يمكننا إغفال الزمن بوصفه التوأم الروحي للمكان، فكلاهما يكتب أطراف الحديث في مدونة التاريخ .
وهنا ندرك تماماً مدى أهمية استحضار الشخصيات التراثية في الإبداع المعاصر، سواء أكانت من التراث العربي، أم الخليجي والإماراتي تحديداً، أم حتى من التراث الإنساني العالمي .
لذا نجد من الأهمية في شيء، أن نتحدث بإنصاف عن الأدب الإماراتي الذي لم يغفل كل ما تم ذكره من موروث في حقوله الإبداعية المختلفة، لاسيما حقل السرد الذي يستحوذ على مساحة كبيرة من التراث في تفاصيله ومفردات مسيرته، إلا أنه من باب صدق الحديث، نقول إن الموروث الشفاهي لم يأخذ نصيبه بعد من الترسيخ والتدوين وخاصة المتعلق بالمجتمع العربي الخليجي الإماراتي، فمازالت كنوز مدفونة في صدور الكبار الذين يتناسلون موتاً واحداً تلو الآخر، من دون أن نستخرج تلك الكنوز المدفونة في عقولهم والمدونة في صدورهم، وما نراه اليوم من منتج إبداعي في معظمه هو نتيجة جهود فردية، سواء أكان من قبل أبناء البلد أم من الأخوة العرب الذين يتشاركون ويتشابهون معنا في البيئات ذات العوامل الواحدة نفسها، وإن اختلفت في بعض ملامحها، فالمبدع له اهتماماته الخاصة وأعباؤه الحياتية المختلفة التي تحول بينه وتتبع أثر تلك الثروة التراثية الشفهية منها أو المحسوسة والمرئية، في ما تبقى الآمال المعقودة على الجهات الرسمية المعنية بتلك المهمة التي تتطلب مساعي حقيقية وواعية تجاه ما يشير إلى هويتنا الوطنية والتراثية العريقة .
ولعلنا هنا نؤكد ضرورة الاستعانة بالمبدعين الذين يمتلكون هذا الحس الأدبي والوطني، تجاه الموروث بكل تفاصيله ومفرداته، وهنا نفتح سجل التفريغ الثقافي الذي نتمنى النظر إليه بعين الخائف الحصيف، فالتفرغ الثقافي يجب أن يكون مرهوناً بزمن وخطة إنتاجية إبداعية، وأن يكون مؤمناً بالأدوات المساعدة لإنجاح تلك المهمة التي تتطلب فترة زمنية ليس بالهينة أو اليسيرة، ولعل من أهم تلك الأدوات هو الدعم المادي للباحث المبدع للاستعانة على متطلبات الرحلة البحثية هذه، وكذلك بصرف المكافآت التشجيعية التقديرية للمتحاور معهم من كبار السن الذين سيقدمون المزيد من التعاون في الكشف عن المخزون التراثي الذي لديهم . .
من جهة أخرى، ثمة موروث بيئي مختلف بين مبدع وآخر، نجده متناثراً في منتجهم الإبداعي، بحسب الضرورة الإبداعية والموضوعية التي يتناولونها، يجب استخراجه من باطن كتبهم، وضمها جميعاً في كتب عدة حسب العنصر أو الموضوع التراثي، وبذلك نحصل على مراجع تراثية يمكن الرجوع إليها والاستناد إليها، في كتابة أبحاث وتحقيقات في التراث العربي الخليجي الإماراتي .
أداة ربط
الشاعر خالد الظنحاني يقول إن جزءاً كبيراً من الموروث الشعبي كان شفاهياً ولم يكن مكتوباً في السابق، مشيراً بذلك إلى الشعر الذي كان فناً صوتياً، حفظه الناس وتناقلوه، بالرغم من اندثار بعضه لعدم تدوينه وتوثيقه من خلال الكتابة .
إن الأدب الإماراتي الحديث خدم المورث بتدوينه والاستقاء منه في العديد من الكتابات الأدبية الحديثة مثل الشعر والرواية والقصة، التي تحفظ اليوم الكثير من الحكايات والقصص الموروثة في المجتمع الإماراتي، ومن هنا يمكن القول إن الأدب هو مرآة المجتمع، وهو الحاضن لتراثه، وقد نجح الأدب الإماراتي في استنباط الموروث، من خلال التناص معه، حيث أخذ منه الجوهر، وأعاد تناوله وعرضه من جديد، ومن الأمثلة على ذلك بعض القصائد التي تتناول العديد من الأمثلة الشعبية التي تشكل جزءاً من هوية المجتمع الإماراتي، وكذلك الروايات في توظيفها للقصص التي تكتسب خصوصيتها من البيئة الإماراتية التراثية، ومحاكاة الحياة المجتمعية في السابق .
ولولا التدوين الحديث لما وصلت لنا الوقائع التي مرت بتاريخ المجتمع الإماراتي، وهذا ما يؤكد ضرورة البحث في بحور هذه الوقائع، والقصص والحكايات التراثية التي هي جزء من الثقافة الإماراتية الغنية بتراثها وخصوصيتها الأدبية .
وأشار الظنحاني إلى بعض الذين دفعوا بنتاجاتهمم بعيدا عن تلك الخصوصية، لتعيش في غربة عن محيطها وبيئتها الأم، مؤكداً أن الأدب أداة ربط بين التراث والحداثة، ولا يمكن الفصل بين ماضي الأدب وحاضره . وقال إن الموروث هو ملح الكتابة الأدبية بالنسبة لكثير من الكتاب الإماراتيين والعرب، ولا بد من حضور هذا النوع من الكتابات في النتاج العربي الحديث، لتكون هناك حلقة وصل بين الأجيال القادمة وموروثها، بما يتوافق مع متطلبات عصرها الحديث .
الشاعر سلطان العميمي، مدير أكاديمية الشعر في أبوظبي، يقول إن هناك نوعين من التوظيف التراثي، فهناك ما يُبنى على مادة تراثية تخلق منها العمل وتبنيه على أساسها، وهناك من يأتي بعمل جاهز ثم يقوم بإقحام التراث فيه، وهو غالبا ما يكون عملية تزيين للعمل، أكثر من كونه عملاً مبنياً على التراث في أساسه .
وطرح العميمي أمثلة على ذلك، منها محاولة بعض الكتاب إدخال الشعر النبطي في نصوصه الأدبية، لإضفاء لمسة تراثية على العمل، وهذا في حقيقة الأمر إقحام بعيد عن روح التراث، ومن يريد إدخال عناصر التراث المحلي يجب عليه أولاً أن يتعامل مع الموضوع من ناحية المضمون لا من ناحية الشكل، كما عليه أن يكون مطلعا على هذا التراث من خلال قراءته أو دراسته والبحث في تفاصيله بطريقة موضوعية تتيح للباحث أن يتعمق في بحثه عن عناصر التراث وخصوصيته .
وأكد العميمي أن أغلب التعاملات الماضية مع موضوع التراث كانت شكلية، بالرغم من امتلاك البيئة المحلية الإماراتية لكثير من الجوانب الغنية بالتراث، والتي يمكن للكاتب أن يبدع باستحضارها عبر أسلوب لافت ومميز .
وأشار العميمي إلى بعض المسلسلات التي ظهرت في زمان الحاضر منها مسلسل الغافة، وبالرغم الانتقادات التي وجهت إليه، إلا أنه استطاع التعامل مع روح التراث والبيئة المحلية وعناصرها التراثية بصورة أفضل بكثير من المحاولات الأخرى التي سبقته .
وأكد العميمي أن الشعراء المعنيين بموضوع التراث، هم شعراء الإمارات، ولا بد لهم أن يتصلوا بتراثهم، وهويتهم المحلية، على أن يكون هذا الاتصال مرتبطاً بمضمون التراث لا بشكله الخارجي فقط، وأضاف العميمي نحن في الشعر النبطي نحتاج إلى تعزيز المفردة الإماراتية ذات الأصول الفصيحة القادرة على استحضار مختلف الأفكار والصياغات والصور الشعرية الدالة على تراثنا وهويتنا .
نماذج
الدكتور صالح هويدي يقول: الأدب الشفوي أو الأدب المروي شفوياً خزين لا ينضب لآداب الأمم والشعوب . ومن هنا فإن الأدب الحديث أو الأدب المعاصر جزء لا يتجزأ من البنية الطفولية الأولى لآداب العالم، وإن أي تحليل أنثروبولوجي للمادة الثقافية كفيل بإثبات أن الأدب الشعبي والروايات الشفوية الأدبية خاصة، لا تزال حية في أذهان المبدعين الكبار في العالم، على اختلاف ثقافاتهم وآدابهم، واختلاف الأجناس الأدبية التي يكتبونها .
فعلى مستوى الشعر، وجدنا الشعراء يستحضرون الأغنية الشعبية لتضفيرها مع مستوى البنية الشعرية وأجوائها، فعل ذلك محمود درويش والسياب والماغوط والبياتي وصلاح عبد الصبور وحجازي وأمل دنقل وسواهم، مثلما استحضروا الحكاية الشعبية والخرافات والحكايات الرمزية الحيوانية أو لبعض عناصرها، ككليلة ودمنة وحكايات أيسوب مثلاً .
وقد نجد استحضاراً لبنية الحكاية الشعبية وثيماتها وموضوعاتها في ألوان أدبية سردية وتطويرها إلى ما عرف لاحقاً: بالقصة الفانتازية، أو أدب الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية .
ولعل ممن وظفوا ثيمات الرواية الشفوية في نتاجاتهم القصصية، من قصاصي دولة الإمارات كل من: عبد الحميد أحمد ومحمد المر وعبد الرضا السجواني وإبراهيم مبارك ومريم جمعة وسواهم . يتضح ذلك لدى عبد الحميد أحمد مثلاً من خلال انتهاج أسلوب يعتمد على ثيمة الراوي الشفوي (زعموا أن، يزعمون، قيل إنه، كان يا ما كان . . إلخ) . كما قد تتخذ البنية السردية المعاصرة من العقدة الحكائية أو الحبكة في الأدب الشفوي تقنية سردية لها .
والحق أن اعتماد عبدالحميد أحمد الرواية الشعبية قد تجاوز هذه المستويات إلى خلق شخصيات قصصية أريد لها أن تمارس دور الراوي وتكتسب ملامحه مرة، وأن تنحو في طريقة بنائها نحو تمثيل كيفية نشوء الرواية الشفوية ونموها واستوائها معتقداً شعبياً أو خرافياً في النهاية .
ولعلنا نعلم بأن السير الشعبية كانت ثيمة ملهمة لعدد من الشعراء العرب الذين وظفوها على النحو الذي يحقق لهم ما ينشدونه من بيئة ملائمة لإبداعهم . وهو ما حدث على نحو أوضح وأوسع انتشاراً مع ألف ليلة وليلة التي كانت معيناً حكائياً وملهماً للروائيين ولكتاب القصة العرب والعالميين، كبورخيس وغيره من كتاب ما عرف بالواقعية السحرية .
الروائية سارة الجروان تقول إن توظيف الأسطورة في النصوص الأدبية ليس بالمهمة السهلة المطواعة، إنه عملية شاقة تتطلب صهرا للمعلومة الحكائية ودمجها بالمخيال الفكري وبالتالي طرحها أدباً متسقاً يحاكي الواقع بأشكال قابلة للتعاطي مع مفهومها ونسقها الذي يؤثر إيجابا في المجتمع .
إننا في زمن انبعاث الأسطورة وتصدرها عدة صنوف أدبية وفنية كبرى، مثال صناعة الأفلام السينمائية العالمية، يتضح ذلك جلياً من خلال محاولة توظيفها كمادة جاذبة للمتلقي، وبينما تحصد عالمياً نجاحات عظمى نشهدها انتكاساً عشوائياً في حين يحاول العرب مجاراتهم في أعمال درامية لا ترقى للنجاح ذاته ولا بعض منه، متناسين أنما الأسطورة ما عرفت طريقها إلى الثقافات الأخرى سوى من منبع الحضارات العربية البائدة . وبحال لم تفلح كثير من الروايات التي حصدت نجاحات ومبيعات عالية في سبر كنهها بعد فمابالك بإمكانية توظيفها في الأدب الإمارتي . . قد تكون هناك محاولات، وهي محاولات محمودة، ولكنها بحسبي لم تزل قاصرة .
وعن محاولتي شخصياً لتوظيفه في كتابي طروس إلى مولاي لسلطان وبنت نارنج الترنج حيث أخذا مني عناية مكثفة واستنزفا سنيناً من الكتابة إلا أنني لم أكتب حتى الآن أسطورتي كما أريد وأتمنى، فمازالت هذه الفكرة تشغل حيزاً من مخططي للمستقبل الآتي بمشيئة الله تعالى .
وتقول الباحثة في التراث الحكائي الإماراتي نسيمة بوصلاح: بداية وقبل تفصيل القول أود الإشارة إلى أنني لم أقرأ كل ما كتب ويكتب في الإمارات من أدب، شعراً كان أم نثراً، لكن وفي ما قرأت لاحظت أن الأدب الإماراتي يخلق له عوالم أخرى أقرب للمخيال منها إلى المحلية الواقعية، بمعنى أنه في معظمه كتابات وجدانية لا نكاد نعثر فيها مثلاً على أثر للمكان، وقطعاً المكان بوصفه بيئة هو العنصر الأساسي الذي يفرض على الكاتب بشكل ما استدعاءات تراثية سواء للحياة القديمة، أو حتى لعناصر التراث غير المادي المتمثلة في المنجز الشعبي قولي سواء كان خروفة، أو سالفة، أما الأسطورة فلها صفاتها البنوية التي تجعلني أتحفظ على إطلاق تسميتها على أي أثر شعبي عربي .
وتجدر الإشارة إلى أنني وأثناء قراءاتي لاحظت هذا النزوع نحو استدعاء الحياة القديمة بكافة متعلقاتها الخرافية الحكائية، وبقوة واقتدار كبيرين في عمل روائي ناضج رصين ومشحون بعناصر التراث الشعبي كاملة، وهو رواية للكاتبة سارة الجروان بعنوان: طروس إلى مولاي السلطان، والتي تحكي تفاصيل عائلة من القبائل الخليجية تهاجر إلى عمان في حقبة الانتداب البريطاني، ثم تعود إلى الإمارات العربية، وبرصد الكاتبة لتعاقب الأجيال في أمكنة بعينها رصدت أيضاً العديد من العناصر الشعبية والمعتقدات والسحر والخرافات التي شاعت في تلك الحقبة .
الباحث أحمد محمد عبيد يقول: إن تناول الكتّاب الإماراتيين للحكاية الشعبية بدأ في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتجلى ذلك بشكل بارز في القصة ومن بعدها الرواية، حيث تم تطعيم الكثير من القصص بمفردات شعبية أثرت الأعمال الأدبية بجرعة من الخيال الذي يعد من فنيات القصة القصيرة، وهذا ظهر واضحاً في أعمال ناصر جبران والروايات الأولى لعلي أبو الريش وقصص إبراهيم مبارك وعبد الرضا السجواني وسلمى مطر سيف وعبدالحميد أحمد وغيرهم .
ورأى عبيد في لجوء الكتّاب الإماراتيين في تلك الآونة إلى الحكاية الشعبية، ما يفيد ارتباطهم بالحياة القديمة ومقدار ارتباط هذه الحياة بالبساطة وقربها من هاجس وإيقاع السلوك الاجتماعي بكل ما يحمل من أبعاد أخلاقية وقيمية، وهذا كان متاحاً في فضاء الحكايا والحواديت ذات الجذور الشعبية والأسطورية في منطقة الخليج العربي .
من جهة أخرى رصد أحمد عبيد خفوت هذه الظاهرة منذ منتصف التسعينيات إلى الآن، بسبب التقدم والتطور الذي لامس الحياة الواقعية للمواطن الإماراتي، وانفتاح آفاق الراهن على الكثير من القضايا الاجتماعية التي ترافقت مع مرحلة التطور والحداثة، قس على ذلك تطور أساليب التعليم، من جامعات ومعاهد وتطور البنية التحتية في الطرق والمواصلات والمستشفيات وغير ذلك الكثير، وهنا أصبح المواطن الخليجي عموماً والإماراتي على وجه الخصوص مسكوناً بهاجس التغيير والارتقاء في شقيه الوظيفي والمعيشي وفي سبل تعاطيه مع مفردات أخرى لم تكن متاحة في ما سبق، وإذا ما أمعنا في التفاصيل سوف نلحظ جيلاً من الأدباء الشباب ممن نشأوا في بيئة جديدة، تقل معرفتهم بحياة الأجداد بكل صخبها وهواجسها وظروف نشأتها، وهؤلاء خرجوا بنتاجات جديدة من واقع حياتهم المعاصرة، ووحده الروائي علي أبو الريش بقي محافظاً على نتاج أدبي رفيع منفتح على الحداثة والتراث، في رواياته تجد ذلك الخيط الرفيع الذي يستفيد من مقومات التراث والحكاية الشعبية ويوظفها بكل ثقة واقتدار .
من جهته يؤكد القاص إبراهيم مبارك أهمية اللجوء إلى التراث بما يوفره هذا الجانب المهم من فضاء شاسع من القصص والحكايا الشعبية ذات الطرافة السحرية والأسطورية والتي أشرق بها الأدب الإماراتي في بواكيره، وقد أبدع كتّاب قصة إماراتيون وروائيون في تقديم جانب من هذا التراث الكبير، الذي يرى مبارك أنه لم يغط بالكثافة المطلوبة، ولكنه أكسب النتاج الأدبي حيوية تدرس في سياق تطور المسيرة الإبداعية في الإمارات، وأن من الضروري التواصل ما بين القديم والجديد أو ما بين التراث والمعاصرة، لكي يكون الأدب مقبولاً وينطلق من واقعه، هذا الواقع الذي بدأ بالضمور في الآونة الأخيرة مع سعي نسبة كبيرة من الكتّاب الشباب للابتعاد عنه، حتى أصبحنا أمام أدب شبه مغترب فضفاض لا يعبّر سوى عن ذات مشروخة، وتهاويم نصية تكاد تخلو من حرارة الأدب بالمعنى المتعارف عليه .
ويرى إبراهيم مبارك أن جل ما هو مطروح من نتاج أدبي جديد لا ينتمي حتى للحداثة التي يتحدثون عنها، لا ينتمي للواقع أو للمكان وهو أقرب إلى الخاطرة منه إلى الإبداع الرصين .
الباحث عمار السنجري الذي يرى في التراث ملجأ كبيراً لتقديم أدب جيد زاخر بالأحداث والقصص المشوقة، يتناول الموضوع من زاوية إيجابية، فيرصد بعضاً من النتاج القصصي والروائي الشاب الذي لايزال يغترف من كنوز التراث، ويقدم ما هو أثير، وعدد أسماء منها سارة الجروان التي قدمت (طروس إلى مولاي السلطان)، و(بنت نارنج الترنج)، وأيضاً فاطمة سلطان المزروعي من خلال (زاوية حادة) وهذه الأعمال تقدم مادة حكائية لطيفة منسوجة بلغة أدبية رفيعة .