النظام قيمة مهمة في حياة الإنسان، يدركها من يريد الحفاظ على حياته، لكن من بين الشباب من لا يقدر هذه القيمة ويتجاهل أهميتها، ومنهم من يقف مفهوم النظام عنده عند حد ترتيب غرفته في وقت يتخذه البعض أسلوب حياة، يضمن له التفوق والنجاح ما يضاعف مسؤولية الأسرة لغرس تلك القيمة المهمة التي لا غنى عنها في حياة الباحثين عن الأفضل.
قيس المرزوقي، خريج كلية نظم المعلومات - جامعة الإمارات، يرى أن النظام كلمة كبيرة المضمون وتتحكم في مصائر الكثير من الشباب، مشيراً إلى أهمية دور الأسرة في غرس تلك القيمة، فقد شب في اسرة تعرف وتقدر معنى النظام، فأبواه كانا يحثاه منذ طفولته على ترتيب عرفته وخزانته، بالإضافة إلى تعويده على احترام الوقت ودفعه للحفاظ علىه، حتى أصبح الآن لا يستطيع العيش في مكان غير مرتب، ولا يقوى على عمل شيء دون التخطيط الجيد له، وهو ما يراه ضرورياً لإنجاز المهام.
محمد المرزوقي (خريج إدارة الأعمال) قال: القاعدة الموجودة اليوم بين الشباب هي التظاهر بعدم النظام ما يشكل اختباراً حقيقياً للشباب الذين يعرفون قيمة الوقت والتنظيم مشيراً إلى أن غير المنظمين لهم تأثيرهم الكبير في المحافظين عليه، وهو ما عانيت منه شخصياً من قبل بعض الأصدقاء، الأمر الذي كان يدفعه للحرص على موروثه المنظم الذي ترسخ بفعل الأسرة منذ الطفولة.
عبدالله خوري، موظف، أوضح أن النظام مجموعة من المهارات المكتسبة والمتراكمة، التي يصعب تعلمها في وقت محدد، مشيراً إلى أنه وسيلة مهمة لتوفير الوقت والجهد، عبر التنظيم الجيد لشؤون الحياة ككل، لافتاً إلى أن النظام الذي اتبعه في حياته الجامعية، كان السبب الأساسي في حصوله على الدرجات النهائية، ومهد له الالتحاق بوظيفة جيدة، وأرجع الفضل إلى ما اكتسبه من سلوكيات منظمة من الأسرة والجامعة ساعدته على المضي نحو تحقيق ذاته في حياته الوظيفية.
أما مريم مبارك طالبة بتقنية المعلومات - جامعة زايد فترى أن النظام قيمة يمكن تطبيقها على كل مناحي الحياة، لافتة إلى وضوح الرؤية لدى الإنسان المنظم، الذي يرى ما حوله نظيفاً ومنظماً، على عكس غير المنظمين، الذين يصطدمون بالواقع دون وعي ولا إدراك، وهو ما يفسر نجاح تجارب الشباب الذين دأبوا على النظام، وتطبيقه في الدراسة عبر رسم استراتيجية تكفل لهم التفوق.
محمد وافي، طالب بجامعة الإمارات، يرى أن الجبال الكبيرة تتكون من أصغر الحصى، في إشارة إلى أهمية الوقت وتنظيمه والعمل المتواصل لتحقيق الأهداف، مشيراً إلى أن تعلمه النظام من أسرته، ساعده على استيعاب فكرة عدم تراكم الواجبات اليومية، وهو ما جعله يسير على النهج نفسه في حياته لذا يهتم بصغائر الأمور قبل تراكمها وتحولها إلى جبل يلتهم وقته وجهده، ومن ثم يفشل في إنجازها، لافتاً إلى الدور الكبير الذي يلعبه الأهل والأصدقاء، في ترسيخ مبدأ العمل بالقطعة، وهو ما يعني إنجاز العمل ساعة ظهوره، والتعامل معه على قاعدة أنه عمل مهم ينبغي انجازه.
أما علي المنصور موظف فيتعجب من الشباب الذين اتخذوا من الفوضى أسلوب حياة، مبررين ذلك بوصولهم إلى نفس النتائج التي يصل إليها أقرانهم من المنظمين، مشيراً إلى أنهم يتكبدون من الجهد والوقت ما يصعب على الشباب المنظم تحمله، مؤكداً أن النظام كأسلوب حياة يجعل الحياة أسهل وأكثر راحة.
ليس معنى أن يكون الشباب موهوبين أنهم عرضة للفشل في تنظيم حياتهم، فمحمد القصاص، طالب بجامعة الشارقة، يرى أن ممارسته للسباحة بشكل يومي، تدفعه إلى مزيد من النجاح في الدراسة، ولكن الأمر يحتاج على حد تعبيره إلى نقطة نظام، تعوّد عليها منذ أن كان طفلاً ويدفعه أبوه لممارسة الرياضة، وهو ما جعله يتعود على إنجاز الكثير من المهام في أيام الدراسة، حتى يتفرغ لهوايته أيام العطلات، لافتاً إلى أن الهوايات والرياضة من الأمور الدافعة للتفوق، لتنميتها الإدراك وتوسيع حلقة الخبرة التي من المفترض أن يمر بها كل إنسان في فترة الشباب.
وليس من الغريب أن تسمع من أحد المنظمين، أنه مدمن النظام، ولا يستطيع تناول طعامه ولا الاستمتاع بمذاكرته أو وقت الراحة في المنزل، إلا إذا رأى كل من حوله مرتبا، وهو ما عبرت عنه أمل محمود (23 عاما) والتي ترى أن النظام عصب حياتها، ولا تستطيع العيش من دونه، فالملبس لا بد أن يكون أنيقاً، وغرفتها ومكتبها ينبغي أن يكونا مرتبين حتى طعامها لا بد أن يكون متناسقاً، مشيرة إلى أن تلك السلوكيات كانت تدفع إليها من قبل الأسرة منذ الصغر، إلى أن أصبح النظام قيمة جميلة تستمتع بها.
ويروي عبدالرحمن السعيد، طالب، قصة تعلمه النظام من أحد الأصدقاء المتفوقين، والذي انجذب لطريقة تفكيره وترتيبه لأشيائه، بالإضافة إلى أنه كان لفترة طويلة يتخذ من الفوضى أسلوباً للعيش، مشيراً إلى أن اسرته طالما حثته على النظام وتنظيم حياته، لكنه اختار التعلم الذاتي والعملي، من خلال أحد زملاء الصف، لافتاً إلى أن ما دفعه للحاق به وصحوته، هو حصوله على أعلى الدرجات واحترام الاساتذة والأصدقاء، ما جعله يقلده في البداية وسرعان ما تعود على السلوكيات المنظمة، مؤكداً صعوبة انتقاله من الفوضى للنظام. من بين الأصدقاء من ينزعج من تصرفات غير المنظمين حوله، مثل خالد البلوشي، موظف، الذي يعاني تصرفات صديقه التي وصفها بغير المسؤولة، لأنه دائم الاستدانة وطلب المال من الأصدقاء، على الرغم من أن راتبه ضعف راتبهم، وهو ما أرجعه البلوشي لعدم التنظيم، والاستهتار وعدم تحمل المسؤولية تجاه نفسه وأسرته، وافتقاده التخطيط للمستقبل.
وعن كيفية النظام وطرق تعزيزه وترسيخه منذ الصغر، يقول الدكتور ياسر عبدالحافظ استاذ التربية جامعة العين، إن النظام منهج وثقافة تغذيها التربية، ويرويها التعليم، وتتقدم بها الأمم، مشيراً إلى أن البلاد المتقدمة فهمت معنى النظام وغرسته في أبنائها، كمفهوم أساسي لا يمكن النجاح من دونه مؤكداً أن الطفولة هي المرحلة المثلى لاكتساب النظام، وتنمية مفهومه في النشء، لافتاً إلى الدور الكبير الذي تلعبه الأسرة في ذلك الشأن، حيث يرى أن فكرة التربية بنيت على مبدأين هما التنظيم والنظام، أما التنظيم فهو ترتيب الأشياء وإعادة صياغتها بطريقة، تحقق الوصول السهل للأهداف المخطط لها، من بداية ترتيب الغرفة وجدولة الوقت، إلى التخطيط لدخول الجامعة والزواج وغيرها من الأمور التي تحتاج لتنظيم الجهد والمال، أما النظام فهو منهج وأجندة واستراتيجية لفهم كل ما يدور حول الإنسان، من أشخاص ومعتقدات وعادات وأفكار، يتربى عليها الفرد ويتعود عليها حتى تصبح جزءاً من شخصيته، مشيراً إلى أن مثل هذه السلوكيات من المستحيل تغييرها، حتى لو عاش الإنسان في بيئة أو وسط مجموعة غير منظمة.