كن منافقا تدم وظيفتك وتصل إلى أعلى المناصب، هذه العبارة تجسد ثقافة راسخة في عقول كبار الموظفين وصغارهم في كل مؤسسات العمل العامة والخاصة داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وذلك رغم التحذيرات الدينية من نقيصة النفاق وما ينتج عنها من تداعيات خطيرة على المجتمع كله، ورغم ما تحمله النصوص الدينية من قرآن وسنة من تهديدات مرعبة لقوافل المنافقين في الأرض وأوصاف قبيحة لا يقبلها أي إنسان يريد أن يعيش كريما عزيزا بين الناس.
يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية: النفاق سلوك قبيح منبوذ من الله ورسوله والمنافق منبوذ مرفوض من الناس، ومع ذلك نرى النفاق يمارس في حياتنا السياسية والإعلامية والاجتماعية بشكل خطير، وتترتب عليه إضاعة حقوق كثير من الناس خاصة هؤلاء الذين يرفضون الانضمام إلى قوافل المنافقين فلا يحصلون على ما يستحقون من ترقيات أو مكافآت أو حوافز، ولا يتم تصعيدهم إلى مناصب أعلى لأنهم لا يعرفون النفاق، ولم يتدربوا في مدارس المنافقين الذين أشاعوا الظلم في حياتنا.
وقبول هذا النفاق وفتح الطريق لتصعيد المنافقين لتولي المناصب والحصول على الامتيازات الوظيفية يعني من وجهة نظر الشيخ محمود عاشور إشاعة الظلم في حياة الناس وتشجيع المستقيمين والمحترمين منهم على ممارسة هذا السلوك القبيح الذي أفسد حياتنا وحرم الأكفاء من أخذ حقوقهم وحرم المجتمع من جهودهم وإخلاصهم.
ويرى الشيخ عاشور أن شيوع النفاق في حياتنا بهذا الشكل المزعج يعني أن هناك خللا في المنظومة الوظيفية والاجتماعية في بلادنا العربية، فلا ينبغي أبدا أن تكون المناصب القيادية من نصيب هؤلاء الذين لا يحسنون عملا إلا التقرب إلى القيادات بكل الوسائل، بل ينبغي أن تكون هذه الوظائف وتلك المسؤوليات من نصيب الأكفاء الذين تأهلوا لها وقادرون على العطاء فيها وتحقيق الصالح العام.
إن توارث المنافقين للمناصب العليا كارثة ستعود على مجتمعاتنا بالمزيد من التخلف والتراجع فنحن نعيش عصر العمل والعلم، ولا ينبغي أن يتولى إنسان منصبا وكل مؤهلاته إجادة الحديث مع رؤسائه وترديد اسطوانات النفاق على أسماعهم، بل ينبغي أن يكون المنصب لمن هو أهل له من أصحاب الكفاءة والعلم والخبرة بعيدا عن المؤهلات الأخرى التي يحملها المنافقون.
هذه رسالة من الشيخ عاشور لأولياء أمورنا، أما المنافقون الذين استمرؤوا هذه النقيصة وأدمنوا هذا السلوك القبيح فيذكرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
ممارسته أنواع
ويقسم الداعية والفقيه الراحل د.محمد سيد أحمد المسير النفاق إلى قسمين: الأول: نفاق العقيدة، وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام وهؤلاء المنافقون موجودون في كل العصور وهم كثيرون في مجتمعاتنا الآن، فهناك مسلمون لا علاقة لهم بالإسلام من قريب أو بعيد، وهؤلاء يمثلون خطورة كبيرة على علاقتنا بديننا لأنهم يحاولون بكل الوسائل صرفنا عنه دون أن يظهروا حقدهم عليه ونفورهم منه.
الثاني: نفاق العمل وهو انحراف في السلوك يجعل صاحبه شبيها بأصحاب نفاق العقيدة من جهة إظهار ما يبطن خلافه وهذا النفاق العملي من كبائر الإثم والمعاصي.
ويوضح د.إسماعيل الدفتار الأستاذ في جامعة الأزهر وعضو مجلس الشورى المصري خطورة النفاق على حياة المسلمين الدينية والاجتماعية والأخلاقية فيقول: النفاق آفة أو نقيصة اجتماعية خطيرة لا يقتصر خطرها على ما يرتكبه المنافق من سلوك منبوذ ومعاقب عليه شرعا بل يتجاوز ذلك إلى مفاسد كثيرة تلحق أبلغ الضرر بالمجتمع كله، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا بخصال المنافق في عدد من الأحاديث النبوية فيقول في حديث صحيح رواه البخاري آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان.
وهذا التوجيه النبوي الكريم يؤكد لنا أن المنافق ليس إنسانا سويا، بل هو ضعيف الشخصية لا يثق بقدرته وإمكاناته، ولذلك يلجأ دائما إلى ما يعوض به النقص الذي يشعر به، ومن شأن هذا الإنسان الذي تفوق رغباته وشهواته إمكاناته أن يلجأ إلى الكذب، والكذب في حد ذاته نقيصة من أقبح النقائص التي تفسد حياة الناس.
ومن هنا فالمنافق لا يعرف للصدق طريقا، فهو يكذب ويحلف بأيمان مغلظة وهو يعلم أن هذا الكذب وتلك الأيمان ستقوده إلى جهنم وبئس المصير، والمنافق أيضا لا يعرف الأمانة، ولذلك هو يبالغ عندما يتحدث عن نفسه، ويكذب ويضلل عندما يتحدث عن الآخرين.
والمنافق أيضا غدار وفاجر في خصومته هو لا يحفظ العهد ولا يصون الود ولا يفي بما عاهد عليه، وليس حريصا على علاقاته بالآخرين فشعاره أنا ومن بعدي الطوفان.
مواجهة الآفة
ويرى د.الدفتار أن هذه النقيصة والآفة الخطيرة التي سيطرت على حياتنا ينبغي أن نواجهها بالعديد من الإجراءات الضرورية في مقدمتها:
نبذ المنافقين واحتقارهم وهذا هو الموقف الإسلامي الصحيح منهم، فالدين من خلال نصوصه من قرآن وسنة قد وصفهم بأوصاف قبيحة تتناسب مع سلوكهم الشاذ وتدني نفوسهم وإهدار كرامتهم ونبذ المنافقين اجتماعيا كفيل بردعهم ودفعهم إلى محاسبة أنفسهم.
وقف كل مظاهر النفاق السياسي التي نراها في وسائل الإعلام المختلفة كل يوم، فكل مسؤول يتحدث عمن هو فوقه في المسؤولية باعتباره القدوة والمثل ويتحدث عن صفاته ومناقبه الشخصية دون داع، وعندما يرى بعض الناس ذلك وخاصة البسطاء يعتقدون أن هذا النفاق هو طريق الوصول إلى أعلى المناصب والاستحواذ أو السطو على أفضل الامتيازات.
وضع معايير موضوعية دقيقة لتقييم العاملين في كل أجهزة الدولة وكل مؤسسات القطاع الخاص ففي ظل غياب هذه المعايير الموضوعية يسطو المنافقون على سطح الحياة ويحصلون على حقوق الآخرين بنفاقهم وتقربهم إلى المسؤولين بكل الوسائل.
التنفير الإعلامي من نقيصة النفاق، فلا ينبغي أن نبرز هؤلاء المتسلقين في الأفلام والمسلسلات والأعمال الفنية الأخرى في صورة مقبولة، بل ينبغي أن تحقر كل وسائل الإعلام من شأنهم.
إلى جانب كل ما سبق يرى د.الدفتار ضرورة أن يتخلى أصحاب القرار عن احتضان المنافقين ومنحهم الوظائف والامتيازات، ولابد أن تكون الكفاءة والخبرة والعلم مقاييس اختيار كبار المسؤولين في الدولة، لأن احتضان المنافقين يخلق أجيالا جديدة أكثر إبداعا في النفاق.