1
إذا ما كانت الدراسات الجَسَدانيّة، في حقل الأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية والاجتماعية عموماً، وفي خطابات الجنوسة وما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة، تركز في ما تركز عليه في قراءة تمظهرات الجسد البشري في حضوره وغيابه: الفيزيائي واللّغوي والمادي والتشريحي والثقافي؛ وتحلل تموضعاته المختلفة ورموزه في الزمان التاريخي وعلاقته بالمكان الجغرافي، وفي الفضاء والذات والهُويّة والآخريّة والمتخيل والجنسانية، وما إلى ذلك. فإنه من المناسب أيضاً، في تصوري، وتوسيعاً لمجال الجسدانيّة نفسه، أن نتساءل أولاً: عن إمكانية التفكير في جسدٍ أرضي، كوكبي، يتجاوز الجسد البشري، ويكون له دعامة وأصلاً وحضناً وملجأ كذلك؟ أي بمعنى آخر، كيف يمكننا النظر للوجود ولحياتنا على هذا الكوكب، بوصفنا أجساداً متحدةً من جهةٍ ومنفصلة من جهةٍ ثانيةٍ؛ بينما نعيش وننوجد داخل جسدٍ واحدٍ كلّي الحضور: هو الأرض ذاتها؟ فما هي إذاً ملامح هذا الجسد، وما هي ترسيمته الجغرافية والكوسمولوجية أي علم الكونيات؛ كما تَمَثلَهُ العالَم الشرقي منذ أقدم العصور؟ بل فوق هذا وذاك، كيف آل هذا الجسد الكوكبي الواحد الفائق التوازن والكليّ المعرفة في العالم القديم، إلى مِزقٍ جسدانية منثورةٍ في حلبةِ صراعٍ دموي مرعبٍ في العصور الحديثة، اليوم؟
انطلاقا من هذا السؤال المركزي إذاً، سيتعيّن علينا السير باتجاه الجواب. بيد أن الجواب، بحسب موريس بلانشو، ليس سوى شقاء السؤال، بل هو أيضاً نضج السؤال. لذا ولكي نأخذ وجهة الجواب، في وضعنا هذا فإنه لابد لنا أولاً، وكخطوة ضرورية للتقدم خطوة باتجاه خلق علاقة واعية وجدلية وإيجابية مع الجسد الإنساني والأرضي لعالمنا؛ أن نتقهقر إلى الوراء قليلاً، وأن نعود إلى زمن سحيق يقدر بآلاف القرون. أي علينا أن نعود إلى ما قبل اكتشاف الجسد البشري، لنصل بعدها إلى لحظة الجسد بمعناه الحداثي اليوم. إذ وانطلاقاً من تلك النقطة البعيدة جداً في الزمان والمكان، حيث تتجلى مرتكزات التاريخ الإنساني، يمكننا أن نتتبع صورة تشكل ذلك الجسد الكوكبي، كما تبدى في فضاء الحضارات الأولى، وكيف بالتالي تم قلب هذه المعادلة الجسدانية بدءاً من عصر النهضة الغربية وما تلاها بعد ذلك. فمن دون هذه العودة الاستعاديّة والاستكشافيّة معاً، يكون الكلام عن الجسد الكوكبي ناقصاً. كما أننا سنبدو كمن يدق مسماراً في الماء، من دون أن نستطيع تثبيت المسمار نفسه أبداً في أي مكان.
2
ولعل من أقدم المقاربات الأسطورية، لموضوعة الجسد الكوكبي، والتي ترمز إلى وحدة الوجود، فإنها تعود في أصلها إلى المُدونة الهِرْمِسيّة الموغلة في القِدَم؛ التي تعود إلى ما قبل عام 3000 قبل الميلاد على أقل تقدير. فأرض البشر في التصور الهِرْمِسي والفرعوني عموماً، ظلت مقرونة بجسد الإنسان؛ أما أقسامها الجغرافية المترامية الأطراف فهي ترمز إلى أعضائه. أي أن أرض البشر، ليست سوى جسد ضخم يغطي العالم برمّته. إنه جسد واحد، عملاق، شاسع، متعدد، كلّي، مادي في حضوره وروحي في معناه الكوني. فنحن لو تتبعنا كتاب المجموع الهرمسي الفرعوني، المنسوب إلى الحكيم تحوت أو هِرْمِس المثلث العظمة وهي صيغة للتفخيم تعني المعظم ثلاث مرات، سنجد في نص عذراء العالم، الإلهة المصرية إيزيس تخاطب ابنها حورس بالصيغة الآتية:
الأرض هي وسط الكون، كرجل نائمٍ على الظهر وينظر للسّماء؛ وتستجيب مختلف أجزائها للأعضاء البشرية. إنها أي الأرض تدير نظرتها نحو السّماء كما نحو أبيها، كي تتبع في تغيراتها تغيرات السّماء. ولها رأسها الموضوع إلى جانب الظهر، والكتف الأيمن نحو ريح الشرق والكتف الأيسر نحو الرّيح الليبية. والأرجل تحت الدب الأكبر، والسّاق اليمنى تحت الذنب، والسّاق اليسرى تحت رأس الدب، والجنبان تحت مناطق السّماء المجاورة للدب، ووسط الجسم تحت وسط السّماء لويس مينار، ت: عبد الهادي عباس، دار الحصاد 1998.
لم يسبق للعالم القديم، أن تصور جسداً بهذه الضخامة والامتداد يغطي الكرة الأرضية برمتّها، مثلما تمثلته الالهة المصرية إيزيس. وهذا عائد بالطبع، إلى أن الفراعنة في الأساس قد عبدوا إلهاً أقل نجوميةً وظهوراً من غيره، ألا وهو: الإله جب، إله الأرض الفرعوني وزوج السماء. وبما أن والد جب، إله الهواء شو العجوز والقاسي، قد فرق بينه وبين زوجته بأن توسط بينهما ومنع اتصالهما. فإن جب هذا، ظل محكوماً عليه بالاستلقاء على ظهره في حالة حزن سرمدي ومناجاة أبدية، لزوجته السماء المفصولة عنه والتي لا يستطيع الوصول إليها مطلقاً. فهو يراها وهي تراه، ولكن من دون اتصال حقيقي أو التحام جسدي بينهما. إنها إذاً وضعية عاشقين منفصلين عن بعضهما بعضاً بشكل قسري وأبدي. ولعل أهم ما في الموضوع، هو أن الأرض في الفكر الفرعوني/ الهرمسي هي ذكر وليست أنثى؛ بينما السّماء هي الأنثى المفصولة عن زوجها وحبيبها الأرض.
الكرة الأرضية بالمعنى الهرمسي إذاً، ليست سوى جسد هذا الرجل الخرافي الحزين والنائم على ظهره والممدّد على وسع العالم كلّه. وما القارات والدول والبلدان، وما خصائص المجتمعات البشرية التي تقع في جغرافية هذه الأماكن؛ إلاّ هي أعضاء هذا الرجل نفسه الذي تتجمع فيه خصائص شعوب الأرض برمتها. فالكون وما عليه والعالم برمته، من هذا المنظور، هو عالم متوحد منظّم ومترابط مع البيئات الطبيعية وموصول في ما بينه ومتشابك مع أصله البشري المتحدر بخصائصه من جسد هذا العملاق الجغرافي النائم الذي يغطي الأرض بجسده. ولكن أيضاً، المرتبط بالسّماء كارتباطه بزوجه. فالكون إذاً يخضع في الأصل لقانون الواحدية بين أجزائه وأعضائه المتباينة، وإن بدت منفصلة ومتباعدة في ما بينها. هذه الواحدية الكونية المكثرة في ذاتها، وإذا ما عدنا للجذور الفلسفية، قد نجدها في المذهب الأفلاطوني القائل: بأن الكون هو كائن حي له روحه وبدنه وأننا أشباه لهذا الكائن الكوني، وأن ما يحدث لأي عضو في البدن مهما تباعد وضعه عن بقية الأعضاء، فإن ذلك يخلف أثراً في الكل. كذلك نجدها في الصوفية الوجودية الإسلامية، كما نادى بها الشيخ الأكبر ابن عربي في مذهب وحدة الوجود، أو كما طرحها بعمق الفيلسوف الفرنسي تيارد دي شاردان في قولته بترابط العالم الطبيعي والإنساني، أو من ناحية الفكر الهرمسي الأسبق منهما جميعاً، والذي يؤكد على الترابط الموسيقي بين الأشياء جميعاً واتصالها بالإنسان وروح العالم.
3
إلاّ أن هذه الواحدية الهرمسية نفسها، وإن كانت تشي بمركزية الوسط؛ إلا أنها لا تنفي التعددية الثقافية ولا الاختلاف في ما بينها؛ لأنها تعترف على المستوى الفكري والروحي والاتنوغرافي باختلاف خصائص الشعوب واتصالها بروح العالم، والذي يمثل جسد الرجل العملاق المضطجع على ظهره وينظر للسّماء بوصفه الوسيط الجسدانيّ للعالم برمته. ولكن علينا أن نشير هنا أيضاً، بأن هذه الواحدية الكونية المتعددة الطوباوية أو العالمية القديمة، ليس لها علاقة في تصوري- بمفهوم العالمية كما تطرح اليوم. فالعالمية المعاصرة كما تطرح اليوم، قد نشأت أصلاً مع ديانات التبشير والخطاب الاستشراقي وإمبراطوريات التوسع الغربي في عصر التنوير؛ لأنها في المستوى الآخر، لم تكن سوى مجرد غطاءٍ أيديولوجي للغزو الاستعماري والهيمنة الثقافية والنهب التجاري لخيرات الشعوب. لذا فإن هذا الفكر الهرمسي الذي أخذ به أفلاطون، والذي تم تطويره بشكل كبير وأصيل على يد الفيلسوف أفلوطين بعد ذلك، قد تمت معاداته ومحاربته على يد محاكم التفتيش في القرون الوسطى؛ حيث تم إعدام أقطابه في الساحات العامة، كتنفيذ حكم الإعدام حرقاً بالفيلسوف الإيطالي الهرمسي جيوردانوا برونو 1548- 1600 مثلاً، والذي دعا إلى رفع الخلافات بين الأديان. من تلك المرحلة إذاً، وبدءاً من عصر النهضة الأوروبية فصاعداً، قد تم القضاء على فكرة الجسد الكوكبي الواحد كما نادت به الهرمسية، والعمل بالتالي بقوة السلاح ومن منظور عرقي وعنصري وعدائي، على تكريس المركزية الأوروبية/ الغربية، كما تجلت في القرن الثامن عشر تحديداً، وإلغاء ما عداها من حضارات وثقافات أخرى مغايرة.
4
ولكن وفي خضم هذه المرحلة بالذات، تم اكتشاف الإنسان لجسده العصري، وذلك بالمعنى الأنثروبولوجي الواسع للكلمة كما نفهمها اليوم. فهذا الاكتشاف الجديد للجسد، هو وليد اللّحظة الحداثويّة بامتياز، وما أحدثته من تفكيك عميق في البنى والأنساق الوظيفية، في المجالات الآتية بالأخص: الطبية- التشريحيّة، العلمية، الاجتماعية، النفسانية، الثقافية، والاقتصادية، والأدبية والفنية والاستشراقية معاً. إذ إن الإنسان، كما يفصل أنطون مقدسي، قد أخذ يكتشف جسده، يكتشف أنه جائع وإن ملايين البشر يموتون جوعاً بسبب نقص الغذاء. واكتشف المرأة، واكتشف الأرض حيث موارد الغذاء. فكلمة جسد مأخوذة من معناها الأوسع، أي انغراس الإنسان في الأرض ومحاولة تجسيد معنى وجوده، من بقعة ما أو مكان ما من هذا الكون الكبير دفاتر فلسفية:الحداثة، 1996 ص74.
لذا فبدلاً من الحديث البائد عن الجسد الكفن، أو الجسد القناع، أو الجسد الحجاب، أو الجسد الرّماد، أو الجسد التابوت، أو الجسد الصنم، أو الجسد المستعبد. أي بدلاً من الحديث عن هذه الأجساد المزدراة على الدوام، وارجاعها إلى صورة بَدَن منزوع الشخصية والهُويّة. تماماً كما كانت تدعو إليه في القرون الوسطى وتحارب من أجله، الرؤية الثيوقراطية والطقسية الصوفية والفكر الشرقي الغنوصي. وذلك من أجل تخليد الجسم الروحاني وحده. أي بمعنى آخر، إن الكلام الكلاسيكي عن الجسد البشري الواحد وإن كان مُتَكثراً من حيث تجليه، كما يرى ابن عربي مثلاً، المتشابه، الفاني، المهمل حد الاختفاء؛ أصبح بالإمكان الحديث الآن عن تعدديةٍ جسديّةٍ، أو عن وحدةٍ جسدانيّةٍ مُتكَثرةٍ أيضاً؛ تصبو إلى الاختلاف والتنوع وتنشد التميز الفردي والخلاص.
أضف إلى هذا، أصبح هناك من يتحدّث، عن الجسد الغروتيسكي الكرنفالي أو الغرائبي أو المسرحي، أو الجسد المكاني/ الأرضي، أو الجسد الخرائطي/ الجغرافي، أو الجسد الجمالي، أو الجسد الرياضي، أو الجسد التاريخي، أو الجسد الكتابي أي الكتابة بوصفها جسداً، وهكذا. لهذا فإن الجسد البشري في تداولاته المكانية في المجتمعات المختلفة مثلاً، لا يمكن له أن يكون واحداً على الاطلاق. فالجسد الفيزيولوجي على سبيل المثال، الذي يهتم به علماء البيولوجيا الحيوية والأطباء، ليس هو الجسد الأنثروبولوجي الذي يهتم به علماء السلالات البشرية والآثار. كما أن جسد الرجل- بطبيعة الحال- ليس هو جسد المرأة أو الطفل، ولا جسد مصارع السومو الياباني كذلك، هو نفسه جسد الماتدور اللاتيني مصارع الثيران. إلاّ أنه من المهم التوكيد، على أن هذه الأجساد على كثرة معانيها وتنوعها، تنتمي إلى أصل واحد وجوهر مركزيّ واحد، ألا وهو: الوجود المادي والحسّي والعقلي والروحي للكائن البشري.
5
لقد مرّت إذاً قرون طويلة جداً وصراعات هائلة، قبل أن يكتشف الإنسان جسده ويقوم بتمزيق أكفانه ويخرج من قبوره، معلناً بهذا صرخته الكبيرة وثورته على سجانيه وعودته للحياة من جديد. ولعل من أكثر تمظهرات الاهتمام بالجسد اليوم، هو ما نلاحظه من انتعاش أسواق جديدة جعلت من الجسد موضوعها وسلعتها الرائجة؛ من مثل ازدهار عمليات التجميل وما يلزمها من دهانات ومساحيق تجميلية وعلاجية، وانتعاش الصالات الرياضية ونوادي التنحيف والاستجمام، وعروض الأزياء والموضة والرقص، والحفاظ على مغريات الشكل، والبحث عن الرفاهية، وغيرها. ولكن، هناك أيضاً سوق أخرى، تتفشى فيها القتامة والإجرام، مثل السوق السوداء لبنات الهوى والمتاجرة بالأعضاء البشرية دولياً.
وصحيح بأن اكتشاف الجسد في عصر النهضة الأوروبي، قد فتح الباب واسعاً إلى اكتشاف الإنسان لذاته، ولجسده، ولوجوده في العالم وللآخر من حوله. إلاّ أن هذا الاكتشاف على أهميته القصوى، قد انتقل إلى ممارسة العنف الإمبريالي والثقافي على جسد الآخر الشرقي والإفريقي واللاتيني معاً، والذي ما زال ساري المفعول حتّى اللحظة الراهنة. هذا الآخر الذي ليس أوروبياً بالضرورة، والذي كان يلزم إخضاعه واختزاله وتطويعه لخدمة الأهداف الاستعمارية مهما كلف الأمر. ولعل ما لعبه الخطاب الاستشراقي في هذا الجانب وفي تلك الحقبة، من تحريف وقح للواقع وتشويه لصورة الآخر وتنميط لها، على يد البعض من المستشرقين وليس جميعهم؛ يصلح لأن يكون مثالاً صارخاً لما ظلّ يروجه الغرب العنصري عن الإنسان الشرقي بالخصوص ومكانه.
فالمكان الشرقي بفعل هذا الخطاب الغربي، تحول إلى فضاء للإباحيّة والخلاعيّة والإروتيكية الشبقيّة؛ حيث صار الشرق كلّه حريماً مغلقاً، تمارس من خلاله جميع أنواع المحرمات والفجور والفسق والانحلال الخُلُقي، من قِبَل الرجل الشرقي عموماً. وذلك، ليس من منظورٍ جنساني يفرّق بين الجنسينذكر/ أنثى، سلوكياً ونفسانياً واجتماعياً وثقافياً فحسب؛ بل من خلال النظر جنسياً وهذا أدهى ما في الأمر- إلى تصوير البلدان والأمكنة الشرقية ذاتها، بوصفها تحمل رموزاً ودلالات وأدواراً جنسية صرفة. أي تحويل الشرق كلّه، إلى جغرافيا مجنسنة يتم بموجبها النظر إلى هذه البلدان بوصفها ملاذاً جنسياً، أو بوصفها امرأة يجب إخضاعها وفض بكارتها. وهكذا، ومن خلال هذه النظرة المكانية المحتقرة والعنصرية ذاتها، يتم النظر إلى الرجل الشرقي بوصفه شبقياً، أو مُغتصباً، أو مضطهداً استبدادياً للنساء. بينما ينظر للمرأة الشرقية والإفريقية كذلك، على أنها داعرة وضحية اغتصاب؛ وعلى أنها تمثل تهديداً عِرْقياً في حال ما تزوجت أو أنجبت مولاداً من رجلٍ أبيض، حيث يظل هذا المولود محتقراً وينظر إليه على أنه من أصل وضيع جداً. وهذا على الأقل، ما ظل سائداً في الفن التشكيلي الاستشراقي وفي النصوص الأدبية الغربية في تلك المرحلة.
لهذا، لم يكن الخطاب الاستشراقي الجنساني المتشرب بالنزعة الكولونيالية، كما يقول التركي إرفن جميل شِكْ في كتابه الرائع حقيقة الاستشراق جنسياً، مجرد ذراع فكرية للإمبريالية فحسب، بل إنه، بالقدر نفسه، كما أكد فرانتز فانون وإدوارد سعيد وآخرون، قد أدّى دوراً مركزياً في سيرورة تعريف الذات، أي الذات الأوربية نفسها يقصد. فأوروبا ولكي تميز هويتها عن الآخر وتكرس مكانتها في العالم، عمدت إلى بناء فضاءات للآخرية ورسخت الصورة القدحيّة لغير الأوروبي. ولقد كانت هذه الاستراتيجية الاستعمارية، مفيدة في مساعدة أوروبا على التعبير عن ذاتها، أي، تعريف هويتها الخاصة ومكانتها في العالم. كما شكلت أيضاً المتخيل المكاني الذي أصبحت ضمنه الكولونيالية ممكنة الفهم. وأصبح الرعايا الميتروبوليتانيون مجندين في خدمتها الاستشراق جنسياً، ت:عدنان حسن، قدمس للنشر، 2003 ص 331.
6
إذن وبعد هذا كله، أسأل سؤالاً واحداً وأترك السؤال مفتوحاً على مصراعيه: كيف يعي العربي جسده اليوم؟ كيف ينظر إليه، ويستوعبه كحمولة ثقافية وهُوياتيّة وأنطولوجية معاً؟ وما الذي يلزمه كي يحرره من إكراهاته وتابوهاته الداخلية، ويخلصه من عبوديته الخارجية الممارسة عليه؟
الجسد عقل عظيم، حيث العقل ليس سوى وسيلة له، يقول نيتشه
azizaa62@yahoo. com