يقولون إن الوحدة قاتلة، ويبدو أن هذا القول المأثور صحيح فعلاً، إذ أثبتت دراستان حديثتان أن العيش وحيداً أو المعاناة من الوحدة، يقصّر عمر الإنسان، ويزيد من خطر الوفاة نتيجة أمراض القلب . وذكر موقع (هيلث داي نيوز) أن دراسة أظهرت أن مرضى القلب الذين يعيشون وحدهم أكثر عرضة للموت من نظرائهم المصابين بالمرض والذين لا يعيشون وحدهم، فيما أظهرت دراسة ثانية أن الأشخاص فوق عمر ال60 عرضة لتدهور صحي أو الموت في حال شعروا بالوحدة . وقد نُشرت الدراستان في دورية أرشيف الطب الداخلي .
قال الباحث الطبيب ديباك بهات، من مستشفى النساء في بوسطن، إن العيش وحيداً قد يكون عامل خطر يؤدي إلى نتيجة سيئة .
وشملت الدراسة أشخاصاً يعيشون وحدهم من دون السؤال ما إذا كان هؤلاء الأشخاص يعيشون وحدهم بإرادتهم أو إن فقدوا شريكاً أو إن كان لديهم حيوان أليف .
ولكن بهات قال إنه يمكن للشخص أن يكون وحيداً من دون أن يعيش وحده أو أن يعيش وحده من دون أن يكون وحيداً، ولكن إقامة الشخص وحده في المنزل يجب أن تكون مؤشراً للطبيب لتحقق أكثر من إصابة المريض . وأشار إلى أن عدة أسباب تؤدي إلى ازدياد الوفيات بأمراض القلب عند الاشخاص الذين يعيشون وحدهم، وأبرزها غياب اشخاص يسعفونهم عند التعرض لأزمة أو يحضرون الأدوية لهم .
كما أن الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب ولا يهتمون بصحتهم كثيراً، ما يجعلهم أكثر عرضة للموت لأسباب مختلفة .
ووجدت الباحثة كارلا بيريسينوتو، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، أن الوحدة تترافق مع ازدياد خطر الوفاة، ولكن أيضاً قد تسهم في تزايد نسبة التدهور في الأعضاء الوظيفية .
من جهة اخرى كشفت دراسة بريطانية أنّ عيش المرء بمفرده يزيد من احتمال تعرّضه للاكتئاب .
وخلص استطلاع أجراه المكتب الوطني للإحصاءات إلى أنّ ثلث البريطانيين يعيشون بمفردهم، وأنّ نسب الطلاق ترتفع ويقل عدد الأشخاص الذين يقدمون على الزواج، وأنه يقدر أن تكون 40% من المنازل مسكونة من أشخاص بمفردهم بحلول العام 2020 في بريطانيا، وأنّ هؤلاء معرضون 80% أكثر من غيرهم للاكتئاب .
وقال الطبيب النفسي الدكتور أيدريان وينبو، من مستشفى فيتزروي سكوير في لندن نعلم أنّ الوحدة هي عامل مهم في الكآبة .
وأضاف أعتقد أنّ بريطانياً من أصل 20 يستخدم الأدوية المضادة للاكتئاب . ومن المحتمل أن يكون معظم هؤلاء يعيشون بمفردهم .
وأجرى باحثون فنلنديون دراسة شملت 1695 رجلاً فنلندياً و1176 امرأة فنلندية تراوح أعمارهم بين 30 و65 عاماً تمت متابعتهم لمدة 7 سنوات، حين عاش 14% من هؤلاء بمفردهم .
وخلصت الدراسة إلى أنّه بين العامين 2002 و،2008 زاد احتمال استخدام الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم للأدوية المضادة للاكتئاب 8 .1 مرة بالمقارنة مع الأشخاص الذين لا يعيشون بمفردهم .
وقد أرجع العلماء هذه الظاهرة إلى عدة عوامل منها النقص في الدعم الاجتماعي بالنسبة إلى الرجال والفقر بالنسبة إلى النساء، ولم تكن هذه النتائج مفاجئة بالنسبة إلى الخبراء في بريطانيا .
وقال الدكتور وينبو، في ما يتعلق بضغط العمل إنّ هذا التوتر يمكن أن يخف كثيراً إذا كان لدى المرء أحد في المنزل يمكنه أن يضحك معه أو يشتكي إليه . الزواج يخفف من احتمال التعرض لكل الأمراض النفسية .
أما بالنسبة إلى العاطلين من العمل، ينصحهم وينبو قائلاً مارسوا الرياضة أو التحقوا بإحدى المجموعات في المساء لتعزيز حياتكم الاجتماعية . أنصحكم أيضاً باقتناء حيوان أليف، فقد أثبتت الدراسات أنّ الحيوانات الأليفة تساعد على معالجة المشكلات النفسية . كما يمكن للمرء أن يتشارك شقته مع أحد أو يؤجرها، فيوفر المال ويقيم علاقات اجتماعية جديدة في الوقت عينه . كما قال باحثون أمريكيون إن الأشخاص في الخمسين من العمر وما فوق الذين يشعرون بالوحدة وليس لديهم علاقات أو اتصالات مع الآخرين هم أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم أكثر من غيرهم .
وتوصلت الباحثة لويز هوكلي وزملاؤها من جامعة شيكاغو إلى أن الكآبة والضغط النفسي قد يزيدان ضغط الدم، ولكنهم لم يتمكنوا من الربط بين هذين العاملين وارتفاع ضغط الدم عند الذين يشعرون بالوحدة في الخمسين من العمر وما فوق .
وقالت هوكلي في الدراسة التي نشرت في دورية علم النفس والشيخوخة: يبدو أن الوحدة هي خطر صحي فريد من نوعه بحد ذاته .
وأضافت أن الذين لديهم أصدقاء وعلاقات اجتماعية كثيرة قد يشعرون بالوحدة إذا كانوا غير راضين عن علاقتهم بالآخرين، مشيرة إلى أن الذين يعيشون في عزلة قد لا يشعرون بالوحدة إذا كانت علاقاتهم بالآخرين لها معنىً ومفيدة لهم .
وشملت الدراسة 229 شخصاً تراوح أعمارهم ما بين 50 و68 سنة تم اختيارهم بشكل عشوائي من البيض والأمريكيين من أصل إفريقي ولاتيني عبأوا استمارات عن الوحدة وارتفاع ضغط الدم .
وخلصت هوكلي إلى أن الشعور بالوحدة يحفز إلى التواصل مع الآخرين ولكن هناك خوف من الرفض والسلبية وخيبة الأمل بالآخرين .
كما أظهرت دراسة حديثة أن الوحدة قد تكون معدية، إذ يمكن للشخص الذي يعاني الوحدة أن ينقلها إلى أصدقائه وجيرانه وغيرهم .
وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن دراسة جديدة نشرت اليوم الثلاثاء أظهرت أن الوحدة قد تنتقل من شخص إلى آخر .
وشملت الدراسة التي أجراها الطبيب النفسي جون كاسيوبو من جامعة شيكاغو والبروفيسور نيكولا شريستاكيس من جامعة هارفرد ونشرت في عدد كانون الأول/ديسمبر من مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي 4793 شخص تمت مقابلتهم كل سنتين بين عاميّ 1991 و،2001 وأظهرت أن العلاقة مع شخص يعاني الوحدة تزيد من احتمال معاناة الآخر من الشعور بالوحدة أيضاً . إذ إن صديق الشخص الذي يعاني الوحدة معرض بنسبة 52% من أن يعاني الوحدة بحلول موعد المقابلة التالية، كما أن صديق الصديق معرض بنسبة 25%، وصديق صديق الصديق معرّض بنسبة 15% .
وأظهرت الدراسة أن العدوى أقوى من الشخص الذي يعاني الوحدة إلى صديقه ثم إلى جاره غير أنها تنخفض بين الأزواج والأخوة، كما تنتقل بشكل أقوى من النساء إلى الرجال .
وقال كاسيوبو ان دراسات سابقة أظهرت أن الأشخاص الذين يعانون الوحدة يتصرفون بطرائق سلبية مع الأشخاص الذين يتفاعلون معهم، ما قد يسهم في نقل ذلك السلوك . كما كانت دراسات سابقة قد ربطت بين الشعور بالوحدة ومجموعة من المشكلات الطبية مثل الإحباط والاضطراب في النوم وغيرها . وفي هذا الصدد وجد باحثون أمريكيون في دراسة منفصلة ان الوحدة التي قد يعيشها الإنسان تؤثر سلباً في نوعية النوم والصحة، وتتسبب في نوم متقطع .
وفي هذه الدراسة عمدت مجموعة من الباحثين الأمريكيين إلى التدقيق بمعدلات الوحدة ونوعية النوم عند 95 راشداً في منطقة جنوب داكوتا الريفية، فتبين ان الذين كانوا يعانون أكثر الوحدة يستيقظون أكثر من غيرهم في الليل وكانوا يشكون مما يعرف بالنوم المتقطع .
وأشار الباحثون إلى ان دراستهم لم تظهر أي ارتباط بين الوحدة وكمية ونوعية النوم في النهار .
واعتبر الباحثون ان النوم المتقطع قد يكون أحد الطرائق الذي تؤذي فيه الوحدة الصحة .
وقالت المعدة الرئيسية للدراسة ليان كورينا من قسم الدراسات الصحية في جامعة شيكاغو ان الوحدة مرتبطة بتأثيرات سلبية في الصحة، وأردنا اختبار نظرية ان النوم، وهو أساسي للحفاظ على الصحة، قد يتأثر بالكامل بسبب الشعور بالوحدة وما وجدناه انها لا تغير كمية النوم عند الأفراد بل تتسبب في استيقاظهم مرات أكثر خلال الليل.