هو اسم محبب إلى القلوب، اسم يسعدك ويشعرك بالود والرحمة والقرب والمحبة، وقد ورد في القرآن الكريم مرتين، الأولى في قول الله تبارك وتعالى: واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (هود: 90)، والثانية في قوله تعالى: وهو الغفور الودود (البروج: 14).
والودود من الود، والود مصدر المودة، ويأتي الود بمعنى المحبة كما في قوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (المجادلة: 22).
ويأتي الود بمعنى الأمنية ومنه قوله تعالى: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر (البقرة: 96)، ويأتي الود أيضا بمعنى شدة التعلق بحدوث الشيء كقوله تعالى: يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه) (المعارج: 11)، ويأتي بمعنى الملازمة والتعلق معا، وجاء منه (الودد) بمعنى الوتد، لثبوته ولشدة ملازمته للخيمة وتعلقه بها، وكان أصلها الودد ثم أدغمت الدالان.
وقد يأتي الود على معنى المعية والمرافقة والمصاحبة كلازم من لوازم المحبة، وعلامة من علاماتها فالود في أول معانيه هو الحب، والحب مأخوذ من حبب الأسنان، وحبب الأسنان صفاؤها وبياضها ونقاؤها، والحب أيضا من أحب البعير، أي أناخ وخضع، فالمحب خاضع لمحبوبه، والمحب لمن يحب يطيع. فنأخذ من حبب الأسنان الصفاء والنقاء، ونأخذ من أحب البعير أي أناخ معنى الخضوع، وكل هذه المعاني، الصفاء والنقاء والخضوع والتذلل، والنماء والخير العميم مستفادة من الحب.
ولا شك أن هناك فرقا دقيقا بين الحب والود، فالحب ما استقر في القلب، والود ما ظهر على السلوك، فإن كنت تحب فلانا فمشاعر الميل نحوه هي الحب، وابتسامتك في وجهه هي الود، وإذا قدمت له هدية فهي ود، أو أعنته في مشكلة فهي ود، أو عدته إذا مرض فهي ود، أو قدمت له هدية في زواجه فهي ود، أو نصحته فذلك ود، وعلى ذلك فالمشاعر الداخلية هي الحب، والمسالك المادية هي الود ولهذا قيل: (كل ودود محب، وليس كل محب ودودا)، وقد ورد في الحديث الذي يرويه مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار له: أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه).
معاني الودود
والودود سبحانه هو الذي يحب رسله وأولياءه ويتودد إليهم بالمغفرة والرحمة فيرضى عنهم ويتقبل أعمالهم ويوددهم إلى خلقه فيحبب عباده فيهم كما قال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (مريم: 96)، وهو سبحانه يحب فيحسن ويرحم ويكرم، ويروي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض).
والودود سبحانه هو الذي يود عباده الصالحين ويحبهم، ويوده عباده ويحبونه، وحبه عز وجل للمؤمنين ثابت في القرآن الكريم: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (المائدة: 54).
ومحبته عز وجل للمؤمن تعني حفظه، وتأييده، ونصره وإكرامه، وإنزال الرحمة على قلبه، وإنزال السكينة، وإغناءه بكل ما يحتاج. وكل أفعال المؤمن من اعتقادات إلى عبادات إلى معاملات إلى آداب، هي في حقيقتها تودد إلى الله عز وجل، فالمؤمن حين يصلي ويصوم ويحج، وحين يغض من بصره، وحين يكون أمينا، وينصح المسلمين، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وحين يتصدق وينفق من ماله الذي استخلفه الله فيه، وحين يحسن إلى والديه، وحين يحسن معاملة الناس، وحين يكرم ضيفه، وحين يحب أولياء الله، وحين ينشئ أبناءه على الدين وحب الله ورسوله، هو في كل ذلك يتودد إلى ربه الودود.
والتودد إلى الناس خلق إسلامي ويروي مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه)، والودود سبحانه هو الذي يخلق المودة بين خلقه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (الروم: 21).
علامات المحبة
ولا يكون العبد موحدا صادقا في حبه لله عز وجل إلا بأن يحب الله عز وجل حبا مقرونا بالذلة والخضوع والافتقار والطاعة المطلقة، وألا يحب شيئا مثله معه، بل ولا يبقى مثقال ذرة من هذا الحب أي حب العبادة إلا صرفه لله وحده، وهو سبحانه القائل: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره (التوبة: 24)، وعلى قول الحسن البصري فهذه أشد آية في الوعيد لمن آثر شيئا في المحبة على الله ورسوله والجهاد في سبيله.
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بأن يرزقه حبه وحب من يحبه، ومما ورد في ذلك ما رواه الترمذي عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها حق فادرسوها ثم تعلموها).
والمؤمن لا يحب شيئا غير الله إلا من أجله، وهو الحب في الله تبارك وتعالى، والمتحابون في الله ينعمون بظله يوم لا ظل إلا ظله كما أبلغنا صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون لجلالي، اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي)، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله عز وجل)، ويبغض المؤمن الموحد لله باسمه الودود كل ما يباعده عن الله أشد من بغضه لأبغض الأشياء إليه وهي النار، وقد جمع ذلك كله الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
ومن أحب الله حقا ظهرت عليه علامات الحب، وأولى تلك العلامات اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وفي هذا يقول ربنا عز وجل: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم (آل عمران: 31)، ويروي البخاري عن أنس بن مالك، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله، قال: ما أعددت لها، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت).
ومن علامات حب الله حب القرآن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف)، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا أهدي إليه المصحف يفرح به ويقول: كلام ربي، كلام ربي، ويروى عنه قوله: (من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله).
وتوحيد العبد لله في اسمه الودود يتجلى في كثرة وده للمسلمين وحب الخير للآخرين فيحب التوبة للعاصي ويدعو للمطيع بالثبات وحسن المنزلة، ويعفو عمن أساء إليه ويلين مع البعيد، كما يلين مع أقرب الناس إليه، ويكون ودودا قريبا لطيفا مجيبا راعيا بحبه لأهله والمتعاملين معه.
ومن أعظم الود مودة الرجل لزوجته ورفقه بها، وكذلك مودة المرأة لزوجها، روى الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بنسائكم في الجنة، قلنا: بلي يا رسول الله، قال ودود ولود، إذا غضبت أو أسيء إليها أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى).
والدعاء باسم الله الودود يجلب الإجابة، ويروى أن صحابيا تعرض للهلاك على يد سارق فدعا الله باسمه الودود: (يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بعزتك التي لا ترام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص) فنجاه الله.