موقف الإسلام من حقوق المرأة يؤكد عظمة هذا الدين وحرصه على تحقيق العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة، لتستقيم الحياة بينهما بما يحقق مصلحة المجتمع ويرسخ التعاون والتكامل بين كل أفراده من دون تمييز لجنس على جنس ودون انتقاص من حقوق فئة لحساب أخرى . والشريعة الإسلامية تعلى دائماً من قيمة المرأة وتؤكد مكانتها ودورها في كل مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالمرأة في منظور ديننا لم تخلق لتكون وسيلة استمتاع للرجل ولا أداة إنجاب وتفريخ للأطفال وتربيتهم فحسب، بل هي كيان كامل ينبض بالحياة . . يفكر ويبدع ويعمل وينتج ليفيد مجتمعه ويسهم في رقيه وتقدمه .

من بين الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للمرأة والتي تبرهن على عدالة الإسلام وعدم تمييزه لجنس الرجال على جنس النساء، وتقديره لعقل المرأة وضميرها وإرادتها . . حق المرأة المسلمة في المشاركة في الحياة العامة وتولى كل المناصب القيادية والترشح لعضوية المجالس النيابية، واختيار من يمثلها في هذه المجالس وذلك لتشارك المرأة بفاعلية في المجتمع الذي تعيش فيه وتؤدى دورها ورسالتها في نهضته وتقدمه .

في البداية توضح لنا د . سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر عدالة الشريعة في التعامل مع حقوق المرأة وتقرير أحقيتها في كل عمل أو نشاط تجيده وتؤهلها له إمكاناتها ومواهبها الشخصية ومستوى تعليمها وقدر خبراتها . . فتقول: لا يوجد في القرآن الكريم ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنع المرأة من أن تتولى أية وظيفة قيادية تكون مؤهلة لها وقادرة على أعبائها، والذين يحرمون المرأة من تولي أي منصب قيادي باسم الإسلام مزورون، فالإسلام أعطى المرأة حق تولي كل الأعمال المناسبة لطبيعتها والمؤهلة لأدائها والقيام بها كما ينبغي .

الثقافة الذكورية

وتؤكد د . سعاد صالح أن الثقافة الذكورية المتوارثة في بلادنا العربية هي التي تحرم المرأة من حقوقها السياسية وحقها في تولى المناصب القيادية وتقول: مظاهر الرفض الشعبي في كثير من البيئات العربية لمشاركة المرأة في العمل العام هي نتيجة طبيعية للثقافة الذكورية السائدة في المجتمع العربي عموماً وليس المصري فقط، فنحن في بلادنا العربية قد توارثنا احتقار المرأة وعدم الثقة في قدراتها وإمكاناتها، وهذه النظرة ينبغي أن تتغير حتى تستطيع المرأة المسلمة أن تقوم بدورها وتؤدي رسالتها على الوجه الأكمل في خدمة وطنها . . فالمرأة اقتحمت كل مجالات العلم وأصبحت مؤهلة مثل الرجل تماماً لقيادة وزارات وهيئات وشركات ومصالح حكومية كبرى وهناك آلاف من قصص النساء الناجحات في مختلف الميادين فلماذا هذه النظرة الدونية للمرأة والتقليل من شأنها؟

وتضيف: أنا أقول لهؤلاء الذين يحملون الإسلام مسؤولية المواقف الظالمة للمرأة ومهدرة لحقوقها: قدموا لنا الدليل على أن الإسلام حرم المرأة من تولي وظيفة معينة سوى الإمامة الكبرى وهي قيادة الدولة الإسلامية أو الخلافة كما كانت تسمى في الماضي، والتي تنطبق الآن على رئاسة الدولة حيث قال كثير من الفقهاء المعاصرين وأنا معهم بأحقية المرأة في أن تكون رئيس دولة .

لقد بحثت في نصوص القرآن الكريم فلم أجد ما يمنع المرأة من تولي وظيفة ما مؤهلة لها، بل إن في آياته على عكس ما يفهم ويعتقد البعض ما يشير إلى تضامن المرأة مع الرجل وتكافلها للمصلحة العامة مثل قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم . ومعنى ولاية بعضهم لبعض أنهم يتناصرون ويتعاضدون لتحقيق المصلحة العامة .

فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لم يحرم المرأة المسلمة من تولي منصب قيادي مؤهلة له، وبما أن المرأة الآن قد اقتحمت كل مجالات العلم ونالت خبرة كبيرة في مختلف العلوم وفي إدارة الأعمال فمن حقها أن تمارس كل الأعمال المؤهلة لها من دون حرج أو تحفظ .

المرأة والقضاء

وحول الموقف الشرعي من عمل المرأة قاضية تقول د . سعاد صالح: عمل المرأة قاضية محل اجتهاد وخلاف بين الفقهاء فبعض الفقهاء يشترطون الذكورة للقضاء لأنهم يشبهون القضاء بالإمامة الكبرى، ويرون أن القضاء يحتاج إلى اتزان وخبرة بشؤون الحياة والمرأة قليلة الخبرة بهذه الشؤون وأن القاضي يحتاج إلى الاختلاط بالرجال من الخصوم والشهود والمرأة ممنوعة من ذلك خوف وقوعها في الفتنة والخلوة، إلى غير ذلك من المبررات التي ساقها الرافضون لعمل المرأة في مجال القضاء . . لكن هناك رؤية أخرى لبعض العلماء . . فمثلاً ابن جرير الطبري العالم الفذ صاحب التفسير الشهير للقرآن الكريم يرى أنه يجوز للمرأة أن تكون حاكماً أو قاضياً على الإطلاق في كل شيء، وكذلك ابن حزم والإمام أبو حنيفة يرى جواز أن تتولى المرأة القضاء في الأحوال المدنية بخلاف الحدود والجنايات والعقوبات . وأنا مع تولي المرأة القضاء في مجالات القضاء التي تجيد فيها وهي القضاء الأسري والاجتماعي بعيداً عن القضاء في مجال العقوبات الجنائية .

ولو عدنا إلى القرآن الكريم لتأكدنا أنه لا يوجد نص صريح في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يحظر على المرأة أن تتولى مسؤولية القضاء . فالأمر لا يعدو أن يكون اجتهادات وتفسيرات وتوضيحات متبادلة بين الفقهاء، وقد دخل رجال القضاء على خط الخلاف فوافق بعضهم ورحب وتحفظ البعض الآخر، ووقف البعض الثالث في منتصف الطريق فأباحوا لها أن تتولى بعض فروع ومجالات القضاء التي تتفق مع طبيعتها وأنا أؤيد هذا الاتجاه .

المشاركة في الحياة العامة

المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا يتفق مع د . سعاد صالح ويؤكد من جانبه أن الإسلام كفل للمرأة حق المشاركة في الحياة العامة بما فيها من نشاط سياسي وغير سياسي . . ويقول: من اظهر صور المساواة التي جاءت بها شريعة الإسلام بين الرجال والنساء أن يتساووا في التمتع بالحقوق العامة وفي أداء الواجبات العامة، وهي المساواة التي حاصلها أن يكون للمرأة الدور الذي تؤهلها له مكانتها العقلية والشخصية في حياة مجتمعها شأنها في ذلك شأن الرجل سواء بسواء .

ويضيف الدكتور العوا: والحق أن المرأة، من حيث تمتعها بحقوقها وحرياتها العامة ومشاركتها في العمل السياسي العام، كالرجل سواء بسواء وانه لا تعارض بين قيامها بواجبها السياسي وبين قيامها بواجباتها الأخرى كذلك، وهو تعارض يزال عندما يقع بصورة فردية في كل حالة على حدة، وليس من بين وسائل إزالته أو رفعه وضع قواعد مانعة للمرأة من العمل العام، أو قبول هذه القواعد حين يضعها الآخرون وإذا كان كثير من الآراء الاجتهادية الجديدة لم يوضع موضع التطبيق العملي الذي يشهد لأصحابها ومؤيديها أنهم يقولون ما يفعلون، فإن قيام المرأة بدورها السياسي، ودورها في الحياة العامة، قد وجد طريقه إلى التطبيق من قبل الذين طبقوا المنهج أو النموذج الإسلامي في عالمنا المعاصر .

ويناقش د . العوا نماذج من التفكير المتحفظ على حقوق المرأة السياسية في بلادنا العربية ويقول: المعترضون على ولاية المرأة للمناصب السياسية يحتجون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة .

وهذا الحديث لا حجة فيه لأن الأمر الذي يشير اليه هو أمر الولاية العامة التي ليس فوقها ولاية، وهي الخلافة أو الرئاسة العامة للدولة الإسلامية الواحدة التي تضم العالم الإسلامي كله وينتهي إلى القول: لذلك فإنني لا أرى مانعاً شرعياً من ولاية المرأة أي منصب تؤهله لها كفاءتها وقدرتها وثقة الناس فيها اذا كان من مناصب الانتخاب، أو ثقة المسؤولين عند التعيين إذا كان مما يعين له القائم به .

حقوقها مكفولة

الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق يؤكد أن الإسلام وهو دين العدل والمساواة بين الناس جميعاً لم يحرم المرأة حقاً من حقوقها، فهو الذي كفل لها كل حقوقها وأعلى قدرها ورفع شأنها وجعل لها ذمة مالية مستقلة، واعتبر تصرفاتها نافذة في حقوقها المشروعة، وسوى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات، وثمرة لهذا وجدت نساء فضليات شاركن بنصيب وافر في كل مجالات الحياة، وكان يرجع إليهن في كثير من الأمور . . ومقتضى التسوية بين الذكر والأنثى أن المرأة لها حق المشاركة في الحياة العملية بما يتناسب وطبيعتها التي خلقها الله عليها .

وعن حق المرأة في المشاركة في العملية السياسية في مجتمعاتها يقول د . واصل: لا يوجد في شريعتنا ما يحرم المرأة من المشاركة في هذه العملية السياسية مثلها مثل الرجل تماماً، والقرآن الكريم قرر هذه الحقيقة في قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء .

ومن هنا يتضح أن المرأة يجوز لها أن تشهد على غيرها فيما أبيح لها الشهادة فيه متى طلب منها ذلك، لقوله تعالى: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه .

وعملية الانتخاب في مخبرها وجوهرها كما يقول الدكتور واصل نوع من أنواع الشهادة والتزكية لمن يرشح نفسه عن طريق الإشهاد .

وتأسيساً على ذلك فان مشاركة المرأة في الانتخاب والترشح لعضوية مجلس من المجالس النيابية جائزة شرعاً ما دام هذا العمل يتفق وطبيعتها التي خلقها الله عليها ورضي الناس أن تكون نائبة عنهم تمثلهم في تلك المجالس وقاموا بانتخابها بإرادتهم الحرة المستقلة، أو قامت هي بانتخاب غيرها لهذه المجالس، لأن ذلك من باب الشهادة المباح لها القيام بها شرعاً وخاصة أن مشاركة غيرها معها في هذه الشهادة يتحقق بيقين من الرجال بما يصل إلى حد التواتر أو الشهرة .

ويناقش الدكتور واصل ما يردده المتحفظون على مشاركة المرأة في المجالس النيابية في بلادنا العربية ويقول: يردد هؤلاء أن عملية الانتخاب تناسب ما عليه الرجال وهم أقدر عليها ولا تتحملها النساء، ونحن نقول لهم: ليس من المعقول أن يحرم نصف المجتمع من إبداء رأيه في اختيار من يتولى أمره، والإسلام منذ فجره حمل المرأة عبء المساهمة في مجريات الأمور، فالسيدة خديجة رضي الله عنها تحملت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسؤولية حينما أخذته وذهبت به إلى ورقة بن نوفل ليسمع منه حديثه .

وأم المؤمنين أم سلمة كان لها رأي في صلح الحديبية وأشارت على رسول الله صلى عليه وسلم بأن يخرج إلى المسلمين فيحلق أو يقصر وينحر الهدى .

وتاريخنا الإسلامي كما يقول د . واصل حافل بالوقائع والمواقف التي تؤكد حرص الإسلام على احترام عقل المرأة وضميرها وإرادتها . . فقد أعلنت امرأة رأيها صراحة ومعارضتها لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى قال الخليفة العادل أصابت امرأة وأخطأ عمر، ولم ينكر عليها أحد هذا الحق ولم يقل إنها امرأة .

أما عن عدم مشاركة المرأة في الانتخابات طيلة العصور الإسلامية ولاسيما القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية فلا يعني أن الإسلام قد حرمها من حقوقها واسقط عنها عبء تحمل الشهادة .