قالت لي وهي تسعى في جمع مبلغ من المال لتزوج ابن أخيها الذي تربى في كنفها، ويبلغ الآن من العمر 27 سنة ولم يتزوج بعد: إنه يتيم يستحق منا أن نعطف عليه لأنه لا أب له ولا أم، ويعمل الآن في عمل حكومي، لكن بما أنه لم يكمل تعليمه، يتقاضى راتباً ضعيفاً.
- قلت لها: أصلحك الله، ما قلت عنه من أنه لا أب له ولا أم صحيح، وصحيح أيضاً ما قلت من أنه لم يتزوج بعد والسبب أنه غير قادر مالياً، رغم أنه بلغ 27 من العمر.
- لكن غير صحيح ما قلت من أنه يتيم، لأن اليتيم عرفه علماء اللغة بأنه الفرد من كل شيء، وقال الليث: اليتيم هو الذي مات أبوه، فهو يتيم حتى يبلغ الحلم، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم.
- والفقهاء أخذوا تعريف اليتيم من المعنى اللغوي أيضاً، فالشريعة قررت أن حد البلوغ الشرعي هو نهاية اليتم، والبلوغ الشرعي يعرف بإحدى ثلاث علامات:
- إكمال الطفل خمسة عشر عاماً من عمره إذا كان ذكراً، وتسع سنوات إذا كان الطفل أنثى.
- إنبات الشعر على عانته.
- الاحتلام وهو خروج المني للذكر ونزول دم الحيض للأنثى.
- إذاً فإن اليتيم الحقيقي من فقد أباه وكان عمره دون الخامسة عشرة، وإذا أطلق لفظ اليتيم على من كان فوق الخامسة عشرة، فإن الإطلاق مجازي أي باعتبار ما كان، ويعرف هذا في علم البلاغة بالمجاز المرسل.
- وفي كتب السيرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعى بيتيم أبي طالب، لأنه تكفل به بعد موت أبيه، وورد أيضاً في الحديث تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها (رواه أبوداود والنسائي والحاكم).
- واليتيم في الإسلام موضع رعاية كريمة من المجتمع، فلقد اهتم به القرآن الكريم وورد ذكره أكثر من عشرين مرة منها قوله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين (النساء: 36).
وقال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى (رواه البخاري).
- ولكن هل هناك فرق بين اليتيم وبين اللقيط، إذ إن كليهما فقد أباه؟ أم أن كليهما يطلق عليه اليتيم؟ يقول الآلوسي في تفسير قوله تعالى: فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين. (الأحزاب: 5).
لقد أبدل القرآن مجهولي النسب عوضاً عن هذا الحرمان، نسباً عقيدياً جديداً، ورحماً دينية هي وحدها القادرة على جبر هذا الكسر المضاعف في نفوسهم، ولهذا اعتبر مكذباً بالدين من يدعّ اليتيم.
- إذاً اليتيم هو الوحيد المنقطع المهمل في المجتمع، سواء فقد أباه بالموت أو لم يعرف مكانه، فالمهم أن يرعى مثل هذا كامل الرعاية في المجتمع، لأن يتمه ليس بعيب ولا بجريمة، والقرآن قال عن اليتيم الحقيقي: وإن تخالطوهم فإخوانكم وقال عن مجهولي النسب: فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم.
- ولو تأملت لوجدت أن قوله تعالى: فإن لم تعلموا آباءهم أبلغ من حيث المعنى من قولنا نحن: فإن فقدوا آباءهم، لأن الفقد عدم ويكون حينئذ الذين مات آباؤهم المعنيين لكن عدم العلم بالشيء يعني أن الأب قد يكون موجوداً ومع ذلك أهمل ولده، فيكون ذلك أشد إيلاماً في النفس، لأن الفقد والحرمان متعمد.
- على كل حال فإن تربية اليتيم ورعايته حتى الزواج فيهما أجر كبير لقوله عليه الصلاة والسلام أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة، وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، امرأة ذات منصب وجمال حسبت نفسها على أيتامها حتى بانوا (رواه أحمد) لكن يجب أن نفهم بأن مصطلح اليتيم يطلق على من ذكرنا فقط.