قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة . قال تميم: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم .
هذا الحديث الوجيز البليغ أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام .
ومعنى الدين النصيحة أي الركن الأعظم في الدين هو النصيحة، كما يقال: الحج عرفة والندم توبة أي الركن الأعظم في الحج هو الوقوف بعرفة، والركن الأعظم في التوبة هو الندم، والركن الأعظم في الدين هو النصيحة .
فما معنى النصيحة؟
النصيحة والنصح كلمة تقارب معنى الإخلاص، ولهذا تفسر بمقابلها وتفهم على هذا النحو . . فيقابل النصيحة والنصح: الغش، فالإنسان إما ناصح وإما غاش، والمسلمون قوم نَصَحَةٌ بعضهم لبعض، والمنافقون قوم غَشَشَة بعضهم لبعض .
النصيحة كلمة جامعة يراد بها: إرادة الخير للمنصوح له، قولاً وعملاً، والقيام بوجوه الخير له إرادةً وفعلاً .
والنبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن تكون العلائق قائمة على النصح والإخلاص والصفاء، لا على الغش، ولا على الخداع، ولا على الزور .
ولهذا سأل الصحابة حينما سمعوا هذه الكلمة: الدين النصيحة، أحبوا أن يعرفوا من الذين تكون لهم النصيحة؟ ولمَن يكون النُصْح؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن النصيحة لكل مَن بينه وبين الإنسان علاقة مادية أو معنوية .
لكن . . كيف تكون النصيحة لله؟
أول ما تكون النصيحة لله تعالى فيه هو أن يكون ما بين الإنسان وبين الله عامرًا بالإخلاص، لا بالغش ولا بالرياء، أن تنصح لربك فتأتمر بأمره وتنتهي بنهيه وتقف عند حده، وتحب فيه وتبغض فيه، وتسالم له وتحارب له، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وفي الحديث: مَن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان .
ثم يلي المبدأ الأول وهو: النصيحة لله مبدأ ثانٍ وهو: النصيحة لرسوله .
فإن رسول الله هو مُمثل الإرادة الإلهية، ومبعوث العناية الربانية، إنه حين يأمر وينهى لا يُمثل نفسه وإنما يُمثل مَن أرسله، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَالنجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَل صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، فلا عجب أن تكون طاعة هذا الرسول طاعة لله، واتباعه محبة لله، وبيعته مبايعة لله .
وطاعة الرسول من طاعة الله . . اسمعوا قول الله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله وقوله سبحانه: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وقوله عز وجل على لسان رسوله الكريم قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .
النصيحة لرسول الله، تكون باتباع سنته، وإحيائها ونشرها في الناس، وخاصة ما مات من السنن، فمن أحيا سنة ميتة فله الجنة، وفي الحديث: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: ومَن الغرباء، يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي، ويحيون ما أمات الناس من سنتي .
والمبدأ الثالث في النصيحة: هو النصيحة لكتاب الله عز وجل، أي الإخلاص لهذا القرآن العظيم، الذي أنزله الله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، والذي أنزله الله ليُصحح ما اعوج من الحياة، ويصلح به ما فسد، وينور به ما أظلم .
النصيحة لكتاب الله، أن نعمل به . . وأن نتبع هداه، وأن نقتبس من سَنَاه، وأن نُصدق شرائعه، وأن نتأدب بآدابه، ونتخلق بأخلاقه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث سئلت السيدة عائشة عن خُلقه، فقالت: كان خلقه القرآن .
ثم النصيحة بعد ذلك لأئمة المسلمين . . لرُؤسائهم وحُكامهم وولاة أمرهم، تنصح لهم، تبغي لهم الخير، تُرشدهم إلى الهدى، تدلهم على الحق، لا تخشى في الله لومة لائم .
فمن فعل ذلك فقد قام بحق النصيحة .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم .
وليس معنى النصيحة الفضيحة، فقد قال السلف: إن النصيحة بينك وبين أخيك في السر نصيحة، أما التشهير على ملأ الناس فهي فضيحة .
وكان عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: رحم الله مَن أهدى إلي عيوبي، وقال له رجل مرة: اتق الله يا ابن الخطاب . فضاق بعض الحاضرين بهذا، فقال عمر: دعوه، والله لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها . ثم النصح لعامة المسلمين بعد ذلك كله . . أي لجماهير المسلمين، عليك أن تنصح كل مسلم، ولا تغشه، في أي علاقة بينك وبينه، معنوية كانت أو مادية، كن ناصحًا لأخيك المسلم، فهذا من صفات الأنبياء الذين كانوا لقومهم ناصحين، كما قال نوح لقومه: أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون وكذلك قال هود لعاد وأنا لكم ناصح أمين وكذلك قال صالح لثمود: أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين .