ولدت ونشأت في مدينة دبي في كنف أسرة عمي الشيخ مبارك بن علي بن بشيت الشامسي، ومدينة دبي من مدن الساحل القديمة مثلثها مثل الشارقة وعجمان وأم القيوين وبقية مدن الإمارات الساحلية . بهذا بدأ حديثه الوالد بخيت الشيخ مبارك الشامسي الذي قابلته في مجلس كبار السن قرب الخور في بر دبي .
يقول إن الشيخ مبارك بن بشيت هو الشيخ مبارك بن علي بن سالم الشامسي وكان رحمه الله عمي الذي رباني وأحسن إلي وإلى والدتي وقد عرفت ونسبت إليه وهذا مصدر فخر واعتزاز لي أن أعرف وأنسب إلى هذا الشيخ الجليل التقي الورع الذي لم يزل أهل دبي والإمارات عامة يذكرونه ولن ننساه ما دمنا أحياء وسيحفظ التاريخ له ذكره وتاريخه وجهاده ضد الأعداء المستعمرين .
كان اسم دبي قديماً الوصل وجاء في كثير من قصائد وأشعار القدماء من أهل المنطقة وذكر في أبيات الشيخ راشد بن مكتوم التي يقول فيها:
الوصل داري ومرباي
يا إلهي تعودني فيها
كما ذكر لنا بعض كبار السن ممن رحلوا عنا من سنين بعيدة أنه كانت توجد قبل دبي مدينة كانت النييفَهْ وكانت تقع في منطقة الغبيبة إلى ند كواس الذي حل محله بيت عبدالقادر عباس بستكي، وإن الذين بنوها هم سكان مدينة الوصل التي يقال بأنها كانت في محل ميناء راشد والبعض قال بأنها كانت في جميرا وإن النييفة تمتد من الغبيبة إلى موقع ميناء راشد .
كان يوجد مرتفع رملي كبير يسمى ند كواس كان يقع أمام موقع البنك البريطاني الحالي الذي بنى في موقعه عبدالقادر عباس منزله منذ مائة عام تقريبا، وكان ند كواس مقيضاً لبني ياس يخيمون فيه أيام الصيف، وكان يقع خلف الند فريج البلوش المتكون من الخيام والعرشان، وكان في تلك المنطقة الكثير من أشجار النخيل العائدة لأهل دبي ويخدم فيها البلوش ويسكنون قربها، وفي موسم الأمطار تنبت الأعشاب التي يغوص فيها الناس ولا يرون من كثافتها وتلاصقها ببعض، ومقابل هذا الند كانت توجد بوابة الغرب أو كما تسمى بوابة السوق وهي باب السوق القديم وأحد أبواب سور مدينة دبي القديمة .
سوق السمك القديم
كان في مكان مبنى البنك البريطاني القديم المطل على البحر والذي يقال إنه كان نهاية مدينة دبي إنه بعد هذا الموضع يأتي ند كواس وهو خارج الأسوار، وكان يوجد في هذا المكان سوق السمك القديم، وهذه الأرض ملك الشيخ خليفة بن سعيد آل مكتوم ومن ثم نقل سوق السمك إلى منطقة الغبيبة وكان ذلك في بداية الأربعينات، وتم بناء مبنى البنك من حجارة البحر التي أحضرت من جزيرة بوموسى وتم إحضار البناءين من فارس .
مكان بيت عبدالقادر عباس البستكي توجد آثار قلعة قديمة وبقايا سور يقال بأنه جزء من سور دبي القديم وبنى عليه عبدالقادر عباس البستكي بيته وعلى بقايا السور بنى أحمد خوري بيته وكان فيه برج وتهدم لوحده وسقط فأزاله الخوري نهائيا واستخدم حجارته لبناء جزء من بيته وعلى بقايا السور بنى محمد صالح القرق بيته أيضا، وفي منتصف السبعينات أخذ الشيخ راشد بيت عبدالقادر وعوض أهله بقطعة أرض أخرى ومبلغ من المال وبنى في مكان البيت البناية التي كان فيها البنك البريطاني وحاليا فيها بنك برودا وأهدى الشيخ راشد هذه الأرض لحفيده ابن بنته الشيخة مريم وهو الشيخ منصور بن أحمد بن علي آل ثاني .
أسوار دبي
كان في دبي سوران أحدهما يحيط ببردبي والثاني يحيط بديرة، وقد عاصرت على بعض الأبراج وبقايا أبراج أخرى ولم أعاصر السور ولكن أخبرنا بعض كبار السن بأن سور دبي بني منذ أكثر من مائتي سنة وكان عليه الكثير من الأبراج ويقال إن عددها سبعة أبراج أو تسعة، وما أدركته هو برج كان في فريج البحارنة قرب بيت الحواي وبيت البقالي، وفي ديرة أدركت برج الخقاق الذي سمي بهذه التسمية نسبة إلى رجل كان يحرسه اسمه محمد الخقاق، وأدركت على مربعة مريم بنت حشر التي هدمت في بداية الستينات، وكذلك برج حشر الذي كان مطلا على الخور وكان أحد أبراج سور ديرة مع مربعة مريم بنت حشر والخقاق .
وأدركت برج نهار الذي لا يزال باقيا في مكانه إلى الآن، ومربعة الشيخ أحمد بن سوقات، التي بنيت منذ القدم أيضا وكانت ضمن حوش بيت الشيخ أحمد بن سوقات فلهذا اشتهرت باسمه، وبرج فريج بوهناد الذي كانت قرب بيت عبيد بوهناد خال الشيخ مبارك، وبرج فريج عيال ناصر الذي هدم وبنيت مكانه مدرسة في فريج المرر، ومربعة الوعيل التي كانت في مكان دوار الساعة حاليا، ومربعة أم ريول (أم الأرجل) التي كانت قائمة على أربعة أرجل وتسمى أيضا بمربعة أم أربع ريول، التي أصبحت في منتصف الخمسينات مركزاً للجمارك والحرس وكان من حراسها عبدالله بن غالب الفلاسي والد محمد بن غالب وهم أنساب عبدالله وخليفة الجلاف، وأحمد الجلاف المعروف بلقب العو، والذي عمل في الجمارك عندما كان أخوه خالد مديراً للجمارك .
أما مربعة حشر فقد كانت موجودة في ذلك الزمن فوق باب بيت الشيخ حشر بن مكتوم شقيق الشيخ سعيد بن مكتوم رحمهما الله، وكان من حرس الشيخ حشر بن مكتوم في هذه المربعة محمد بن صقر بوست أبو عبيد بوست، وأم عبيد بوست أخت الشيخ مبارك وهي مريم بنت علي، وأخته شماء بنت علي أم علي بن غانم بن غانم المري، وأخته حاضرة أخذها عبدالله بن مانع الحميري وهي الدة الشيخ عيسى المانع مدير أوقاف دبي، وأحمد الشيخ مبارك تزوج سورية ومنها خالد الذي هو سكرتير الشيخ عيسى المانع .
وكانت أقرب طوايا إلى دبي توجد في منطقة منخول وطوي الصائغ وكان ماء طوايا منخول يستخدم للطهي والطبخ وكان ماء طوي الصايغ غير صالح إلا للزرع والنخيل والباحة في وقت المقيض وكان مقيضا لبني ياس، وكان ماء البدع الكائن حالياً قرب مستشفى الإيراني خاصاً للشرب ومن أعذب المياه .
بركة الحاي مطر
وعلى طريق جميرا تصادفك الآبار بعد كل مسافة تقطعها وكان أكثرها خرايج ومياهها مالحة، وكانت توجد بركتان متلاصقتان احداهما بركة الحاي بن مطر وتسمى مطوية وهي مبنية من الجص والصاروج، والحاي بن مطر من كبار تجار خشب الغوص وهو من آل بوفلاسا سكان ديرة، وكان يحيط بهاتين البركتين أشجار النخيل وكانت هذه جنوبي موقع ميناء راشد الحالي وكانت فيه بقايا آثار لبيوت وجدران قديمة .
كان أهل ديرة يروون من الممزر التي كانت قريبة جدا من البحر، ومع هذا كانت مياه آبارها حلوة وعذبة جدا، وسميت هذه المنطقة المَمْزَرْ لأن المحامل كانت تمزر منها أي تملأ خزانات المياه في سفنها من هذه المنطقة .
وكان أكثر أهل دبي أهل بحر فلهذا كان وجودهم قرب السواحل كغيرهم من أهل الإمارات، وكان منهم تجار اللؤلؤ الكبار في منطقة الخليج ومنهم الطواويش ومنهم النواخذة وسرادلة الغوص والغاصة والسيوب، وكانت سفن الغوص لديهم بالمئات، وكانت حاصلة الغوص عندهم بمئات الآلاف من الروبيات سنويا .
التجار والطواويش
ومن أعيان وكبار طواويش وتجار اللؤلؤ في دبي محمد بن أحمد بن دلموك المصيبحي الفلاسي الذي كان طواشا وتاجراً غنياً، وأيضاً سالم بن مصبح بن حمودة السويدي وكان صاحب خشب أي (سفن) ويمول ويمد سفن الغوص وله سمبوق يسمى البند وكان نوخذاه سعيد بن بخيت بن محمد طراقات، وله محمل يسمى الفيل وكان نوخذاه معيصم بن عبدالله الفلاسي، وكذلك محمد بن مدية الفلاسي وكانت له أربع خشبات أي أربع سفن وكان تاجر غوص ونوخذا بر أي ممول رحلات الغوص ومزودهم بما يحتاجونه من زاد وميرة، وكذلك أحمد بن ماجد بن غرير السويدي، وأيضا حمد بن ماجد بن راشد بن فطيم الفلاسي، وعيال ناصر بن سالمين السويدي مثل محمد بن ناصر السويدي وشقيقه الأصغر خليفة وهم من شيوخ قبيلة السودان في دبي، وخميس بن وقية الفلاسي (لعل الأصح أنه من آل بومهير) وخميس الخلافي الفلاسي، وعبدالله بن دسمال المهيري، وكذلك المرر ومنهم الشيخ سلطان بن مجرن المرر .
وفي الشندقة كان حميد بن خلفان البسطي وكان عنده بتيل يسمى الناصري، وعيال حارب بن حارب الفلاحي منهم حارب بن محمد بن حارب الفلاحي وعنده محمل يسمى الطوفان، ومحمد بن سعيد بن حميد الكندي الفلاسي وكان عنده سنبوقه ونوخذاه سعيد بن محمد بوشنين، وسعيد بن عبدالله قريبان المهيري أخو ماجد بن عبدالله بن قريبان والد جمعة الماجد، ومحمد بن عبدالرحمن الجلاف القبيسي وكان عنده سنبوق ونوخذاه جمعة بوداوود الشعفار .
ومنطقة الوحيدة سميت كذلك بسبب وجود شجرة نخيل واحدة في هذه المنطقة التي لا يوجد فيها أو بقربها أي شجرة نخيل أخرى إلا بعد مسافة بعيدة .
وكانت منطقة الرفاعة تضرب فيها مياه البحر، وجاءتها حمى الملاريا فرحل عنها أهلها ومنهم من سكن جميرا أما الشيخ مبارك بن بشيت فقد بنى له بيتا في الشندقة وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية وتحول وسكن فيها، ومنزله في الشندقة معروف يظهر بوضوح في صور المنطقة القديمة، وقد تحمل منه أي انتقل منه بعد ذلك بسنين وسكن الرفاعة جنوب موضع ميناء راشد وذلك بعد عودته من السعودية، وبنى له في الرفاعة بيتاً كبيراً، وكان وقتها يملك تسعة آلاف روبية ولم يكن الكثير من الناس في ذلك الوقت يملكون مثل هذا المبلغ .
الحرب العالمية الثانية
أثرت الحرب العالمية الثانية في المنطقة كثيراً، ولعل دبي أقل المدن الخليجية تأثرا ولعلها استفادت من ظروف الحرب وذلك حين اتخذ الإنجليز منها محطة لتوزيع المؤن على مدن وبلدان الخليج نظراً لوجود قنصليتهم فيها، وكنا نتابع أخبار الحرب ونحن جلوس على المقاهي الشعبية أو في مجلس الشيخ سعيد بن مكتوم أو أحد الأعيان ممن لديهم مذياع وهم قليل مثل بيت بدري والسركال، وكنا نستمع إلى مذيع إذاعة لندن المصري يونس بحري وكنا نجلس قرب المذياع في القهوة ونستمع إلى أخبار الحرب العالمية الثانية وأخبار العالم بعدها .
وفي إحدى المرات طرق باب البيت في حوالي الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل فإذا برجل يطلب الشيخ مبارك كي ينقذ أمه التي غصت بقطعة لحم فقال لي الشيخ مبارك خذ الرجل إلى السيد يحيى الهاشمي فعنده علاجها فذهبنا إليه وأخذناه إلى حيث المرأة في بيتها وكان في عريش في فريج البلوش خلف فريج البحارنه، فإذا هي بين الحياة والموت وقد تغير لونها واسود وجهها فنظر السيد إليها من بعيد وقام بتلاوة بعض آيات القرآن الكريم فإذا بها تسعل وتلفظ قطعة اللحم وبعد لحظات عادت إلى حالتها الطبيعية .
وكذلك حدث أن جاءه ابنه الصغير علي وهو يبكي ويقول إن حمامتي طارت ولم تعد، فقام بكتابة بعض الكلمات على ورقة ولا أعلم هل هي آيات قرآنية أم شيء آخر وقال لولده ضع الورقة في بيت الحمامة أي في الصفيحة المعدنية المخصصة للحمامة فوق سطح البيت، وبعد مدة رأينا الحمامة تعود وتدخل في مكانها الذي خرجت منه .
وكان هناك سيد هاشمي يدعى سيد هاشم لوغاني الشافعي أو الأفغاني وينادى أبوجمال الدين وهو قادم من أفغانستان وكان يسكن عند شجرة سدر كبيرة، وعلى بعد منها كانت توجد شجرة سدر أخرى وكانت في وسط البراحة الكائنة قرب منطقة العسبق قرب مغسلة البحارنة القديمة وتسمى هذه السدرة سدرة السيد نسبة إلى هذا الرجل ولا تزال هذه السدرة باقية إلى يومنا هذا ويخشى الناس قطعها لبلاء أصاب من حاول قطعها في السابق، وكان هذا الرجل فاضلاً وتقياً وورعاً وكان الناس بمختلف طبقاتهم ومشاربهم ومذاهبهم يقصدون ذلك الرجل لعلاج أمراضهم .