وها هو-صلى الله عليه وسلم- يذهب إلى بيت أبي بن كعب- رضي الله عنه-؛ لكي يخبره أمراً يسره، فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» وفي لفظ: «أمرني أن أقرئك القرآن». قال أبي: الله سماني لك؟ قال: «نعم» قال: وذكرت عند رب العالمين؟ قال: «نعم» فذرفت عيناه، (متفق عليه).
وعن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري قال سمعت أنساً -رضي الله عنه- يقول: «دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ابنة ملحان فاتكأ عندها، ثم ضحك فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله مثلهم مثل الملوك على الأسرة» فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: «اللهم اجعلها منهم» ثم عاد فضحك فقالت له مثل أو مم ذلك؟ فقال لها مثل ذلك فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت من الأولين ولست من الآخرين» قال: قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت قرظة فلما قفلت ركبت دابتها فوقصت بها فسقطت عنها فماتت». (صحيح البخاري).
في بيت جابر
وأيضاً يدخل- صلى الله عليه وسلم- بيت جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- ويأكل من طعامه، فعن جابر بن عبدالله- رضي الله عنهما- قال: «لما حفر الخندق رأيت بالنبي- صلى الله عليه وسلم- خمصاً شديداً - من أثر الجوع - فانكفيت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- خمصاً شديداً، فأخرجت إلي جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها. ثم وليت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. فقالت: لا تفضحني برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبمن معه. فجئته فساررته - كلمة سر - فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع سوراً، (طعاماً) فحي هلا بكم»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ»، فجئت وجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك - تعاتبه - فقلت: قد فعلت الذي قلت.. فأخرجت له عجيناً فبارك فيه النبي- صلى الله عليه وسلم-، ثم عمد إلى برمتنا فبارك فيه ثم قال: «ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها» (وهم ألف).. قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو»، (أخرجه البخاري).
أخرجهم الجوع
عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: خرج أبو بكر- رضي الله عنه- بالهاجرة إلى المسجد فرآه عمر- رضي الله عنه- فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟! قال: أخرجني إلا ما أجد من شدة الجوع؛ فقال عمر: وأنا والله ما أخرجني غير ذلك. فبينما هما كذلك؛ إذ خرج عليهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما أخرجكما هذه الساعة؟!». قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من شدة الجوع. قال عليه الصلاة والسلام: «وأنا - والذي نفسي بيده - ما أخرجني غير ذلك قوما معي».
فانطلقوا فأتوا باب أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم طعاماً، فإذا أبطأ عنه ولم يأت إليه في حينه أطعمه لأهله.
فلما بلغوا الباب خرجت إليهم أم أيوب، وقالت: مرحباً بنبي الله وبمن معه. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أين أبو أيوب؟» فسمع أبو أيوب صوت النبي صلى الله عليه وسلم - وكان يعمل في نخل قريب له - فأقبل يسرع وهو يقول: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، ثم أتبع قائلاً: يا نبي الله ليس هذا بالوقت الذي كنت تجئ فيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «صدقت»، ثم انطلق أبو أيوب إلى نخيله فقطع منه عذقاً فيه تمر ورطب وبسر. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أردت أن تقطع هذا، ألا جنيت لنا من تمره؟». قال: يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره، ولأذبحن لك أيضاً. قال: «إن ذبحت فلا تذبحن ذات لبن».
ودمعت عيناه
أخذ أبو أيوب جدياً فذبحه، ثم قال لامرأته: اعجني واخبزي لنا، وأنت أعلم بالخبز، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه، وعمد إلى نصفه الثاني فشواه، فلما نضج الطعام ووضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، أخذ رسول الله قطعة من الجدي ووضعها في رغيف، وقال: «يا أبا أيوب، بادر بهذه القطعة إلى فاطمة، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام». وبعد أن أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خبز، ولحم، وتمر، وبسر، ورطب» ودمعت عيناه ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة».
ثم نهض الرسول صلوات الله عليه، وقال لأبي أيوب: «ائتنا غداً». وكان عليه الصلاة والسلام لا يصنع له أحد معروفاً إلا أحب أن يجازيه عليه، لكن أبا أيوب لم يسمع بذلك، فقال له عمر رضوان الله عليه: إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تأتيه غداً يا أبا أيوب. فقال أبو أيوب: سمعاً وطاعة لرسول الله. فلما كان الغد ذهب أبو أيوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه وليدة كانت تخدمه، وقال له: «استوص بها خيراً- يا أبا أيوب - فإنا لم نر منها إلا خيراً ما دامت عندنا».
عاد أبو أيوب إلى بيته ومعه الوليدة، فلما رأتها أم أيوب: قالت: لمن هذه يا أبا أيوب؟! قال: لنا.. منحنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أعظم به من مانح، وأكرم بها من منحة. فقال: وقد أوصانا بها خيراً. فقالت: وكيف نصنع بها حتى ننفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: والله لا أجد لوصية رسول الله بها خيراً من أن أعتقها. فقالت: هديت إلى الصواب، فأنت موفق.. ثم أعتقها».
الممشى المبارك
يقول عيد صلاح في كتاب «قصص الأخلاق»: «التواضع يكون مع خلق الله جميعاً، فذات يوم وجد النبي صلى الله عليه وسلم جارية في الطريق تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟» فقالت له: يا رسول الله دفع لي أهلي درهمين أشتري بهما دقيقاً، فضاع مني الدرهمان، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرهمين وهم بالانصراف، فإذا هي تبكي، فسألها: «ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين؟!» فقالت أخاف أن يضربني أهلي، فمشى معها إلى أهلها، وقال لهم: السلام عليكم. فقالوا فرحين: وعليكم السلام. فقال لهم: «أشفقت هذه الجارية أن تضربوها». فقال صاحبها: هي حرة لوجه الله لممشاك معها.
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر، فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». ولذلك عندما أذن الله بفتح مكة تأهب جيش المسلمين لدخولها، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته، وذهب أبو سفيان يصرخ: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ودخل المسلمون مكة وقد اختبأ الناس في دورهم، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر ناقته شكراً لله، فقد دخل منتصراً بعد أن خرج منها خائفاً، وجعل أسامة بن زيد رديفاً له زيادة في التواضع.
«أطيب من الطيب»
عن أنس رضي الله عنه قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا (أي: نام وقت القيلولة) فعرق، جاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أم سليم ما هذا تصنعين؟» قالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وهو أطيب من الطيب. (رواه مسلم)