يقول المرحوم عبد الوهاب المسيري في كتابه عن البروتوكولات اليهودية: من الواضح أن البروتوكولات هي نص روسي بمعنى أن من كتبه ينتمي إلى التشكيل الحضاري الروسي وإلى الكنيسة الأرثوذكسية كما ينتمي سياسياً إلى التشكيل السياسي الرجعي القيصري ويمكن التدليل على ذلك من خلال تحليل النص ذاته .
فالنص الأصلي كتب بالروسية وليس بالآرامية أو باليديشية، كما يلجأ كاتب الوثيقة الروسي إلى تشويه سمعة أعدائه بأن يبين علاقتهم باليهود !! ويمكن القول إن هجوم البروتوكولات على الماسونية يبين مدى سذاجة النبرة وتشوش الأفكار كما يشير إلى أصولها الروسية القيصرية حيث كانت الماسونية في أواخر القرن التاسع عشر مرتبطة بالحركات الديمقراطية والثورية المبغوضة من قبل كاتب البروتوكولات الروسي، ويتضح ذلك أكثر عندما يدعي كاتب البروتوكولات المدافع عن القيصرية الروسية المتداعية أنهم أي كحكماء صهيون سيسيطرون ليس فقط على الصحافة والإعلام بل على عالم الأفكار، فهم سيخترعون أفكاراً مثل الحرية والإخاء والمساواة - مع أن هذه المعاني قديمة قدم الإنسانية - وسيبتكرون الفردية لتهديد الحياة الأسرية والتي يبدو أنها انقلبت عليهم حيث معدلات الطلاق في العائلات اليهودية لا تقل عن غيرها، بل إنهم ابتكروا علوماً من بابها إلى محرابها كعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع، وتصل هذه الادعاءات إلى قمة السخافة في الادعاء التالي: نجاح داروين وماركس ونيتشه رتبناه من قبل والأثر الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي غير اليهودي سيكون واضحاً لنا على التأكيد، مع أن داروين ونيتشه ومن قبلهما ميكيافيللي لم يكونوا يهوداً أما ماركس فكان ابناً ليهودي متنصر وكان هو ملحداً لا يؤمن بأي دين .
ويدعي كاتب البروتوكولات أنهم واضعو الليبرالية والديموقراطية والاقتصاد الحر مع أنهم كانوا وراء ماركس أيضاً- كما أنهم سيؤسسون للإلحاد حتى تنتشر مفاهيم الحرية والمساواة فلا يخضع الناس للملك القدسي ولا للكنيسة التي تساند استبداده .
وفي مقطع غريب يدعي حكيم حكماء صهيون: وإنني أستطيع في ثقة أن أصرح اليوم بأننا أصحاب التشريع وأننا المتسلطون في الحكم والمقرون للعقوبات ونحن أولو الأمر الأعلون في كل الجيوش الراكبون رؤوسها ونحن نحكم بالقوة القاهرة . . نحن أقوياء جدا فعلى العالم أن يعتمد علينا وينيب إلينا والحكومات لا تبرم أي معاهدة ولو صغيرة من دون أن نتدخل فيها سراً .
راق هذا الهراء لمعظم المفكرين الإسلاميين وبقفزة نوعية تربط بين بني اسرائيل أيام موسى عليه السلام بيهود المدينة المنورة أيام النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، إلى حكماء صهيون تمت شخصنة الشر المطلق في قوة تملك كل شيء وتبتكر كل شيء وتحكم في كل شيء وعلى كل شيء والنتيجة المنتظرة الوحيدة لتفكير من هذا النوع هي إحساس بالضآلة والعجز والشلل التام والاغتراب عن العلوم الانسانية مادامت من ألفها إلى يائها من ابتكار الملاعين وتجيير كل أشكال القصور والتقصير والضعف والتدهور إلى مؤمرات اليهود القادرين المقتدرين، فضلاً عن إسقاط علم التاريخ كتاريخ أفراد وجماعات وأمم وشعوب عندما يتحول كل هؤلاء إلى دمى تحركهم يد واحدة قادرة عليهم جميعاً .
ومن أندر ما حدث معي وأنا أبحث في هذا الموضوع عثوري على بحث كتبه واحد من المؤرخين المسلمين تحت عنوان: حقيقة المسيري والدفاع عن اليهود، وقد غاب عن صاحبنا أن المسيري، رحمه الله، قد كتب أكبر موسوعة عن اليهود واليهودية وأنه قد تلقى تهديدات بالقتل أكثر من مرة ليتوقف عن كتابتها وأنه كان عضواً في حركة كفاية المعارضة للتطبيع مع إسرائيل فضلاً عن أن الرجل، ولا نزكي على الله أحداً، كان من المؤمنين الذين ألفوا واجتهدوا في تحليل ماعليه الغرب من علمنة ومادية وإلحاد، ولكن أخانا لم يرق له أن ينظر إلى التاريخ بعين التاريخ وإنما بعين المؤامرة والأحادية والتسطيح والاختزال سيراً مع الاتجاه الأغلب الذي يقوم على التقوقع والانعزال الفكري والاكتفاء بما كتبه الأولون وما طوره المتأخرون الذين لا يرون إلا بعين واحدة والله أعلم .