يتميز الإنسان عن باقي المخلوقات بالقدرة على تصور الأشياء غير الحاضرة أمامه، وبناء على المعلومات والوصف يستطيع أن يشكِّل في ذهنه قدراً معتبراً من موقف ما ويستخلص نتائج تساعده في رؤية هذا الموقف الذي لم يشهده. وفي القرآن الكريم تشبيهات يغلب عليها التصوير الحسي الذي يجعل المشهد المحسوس حياً متحركاً وبارزاً مشخصاً.
هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.

«قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (النمل:44)

ملكة سبأ كانت لها قصة عجيبة مع نبي الله سليمان والجن أخبرنا بها القرآن، حيث وصفها القرآن بصفات قيادية عالية، فهي صاحبة العرش العظيم القوية، التي دفعت قومها بذكائها وفطنتها إلى تنصيبها ملكة عليهم، وقد أثبتت حنكتها في تصريف شؤون الملك، وحازت مملكتها أسباب الحضارة والقوة.
يقول محمد بن جرير الطبري في تفسيره: «إن سليمان أمر ببناء صرح ممرد من قوارير، وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء، ثم أرسل الماء تحته ليريها ملكا هو أعز من ملكها وسلطانا هو أعظم من سلطانها، فلما وقفت بين يدي سليمان دعاها إلى عبادة الله وعابها في عبادتها الشمس من دون الله».

مفاجأة مذهلة

كانت المفاجأة مذهلة للملكة بلقيس وهي تطالع بعينيها مشهداً يدل على أن سليمان أوتي ملكاً عظيماً لم يكن لأحد من قبل، حيث رأت قصرا من البلور، أقيمت أرضيته فوق الماء، وظهر كأنه لجة، فلما قيل لها ادخلي الصرح، حسبت أنها ستخوض تلك اللجة، فكشفت عن ساقيها، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها، ووقفت الملكة مفجوءة مدهوشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر، وتدل على أن سليمان سخرت له قوى أكبر من طاقة البشر، فرجعت إلى اللّه، وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره، معلنة إسلامها مع سليمان.

لقد اهتدى قلبها واستنار، فعرفت أن الإسلام لله ليس استسلاماً لأحد من خلقه، ولو كان هو سليمان النبي الملك صاحب هذه المعجزات، إنما الإسلام إسلام لله رب العالمين، ومصاحبة للمؤمنين به والداعين إلى طريقه على سنة المساواة، وسجل السياق القرآني هذه اللفتة وأبرزها، للكشف عن طبيعة الإيمان بالله، والإسلام له، فهي العزة، التي ترفع المغلوبين إلى صف الغالبين، بل التي يصبح فيها الغالب والمغلوب أخوين في الله لا غالب منهما ولا مغلوب وهما أخوان في اللّه.

مزاعم الجن
يقول فخر الدين الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب): «إن سليمان، عليه السلام، أمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضا، ثم أرسل الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه، وعكف عليه الإنس والجن والطير، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأن أمها كانت من الجن، وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد فتجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجوا من ملك سليمان إلى ملك هو أشد، فقالوا: إن في عقلها نقصانا وإنها شعراء الساقين، ورجلها كالحافر، فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها.


ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء، فلما أبصرت ذلك ظنته ماء راكداً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، وقال آخرون: كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق على سبيل التبع، فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة، وقيل: حسبت أن سليمان، عليه السلام، يغرقها في اللجة، فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظني بسليمان، وهناك فريقان يقول الأول إن سليمان تزوج بلقيس بينما ينفي الفريق الآخر ذلك، والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها، وليس لذلك ذكر في الكتاب، ولا في خبر مقطوع بصحته».

إخلاص العبادة
مشهد ملكة سبأ وهي قادمة إلى نبي الله سليمان ورؤيتها للصرح الذي حسبته لجة والترتيب لهذا اللقاء يدل على ان الإنسان يستطيع رؤية الأشياء المجسمة، يقول الدكتور هاني عبدالرحمن مكروم فى كتابه (الرؤية العقلية): «هذه تسمى رؤية مجازا أو رأي العين، وهذه المجسمات لا يشترط أن تكون هي الحقيقة، بل غالباً ما تكون الحقيقة غير ذلك والسراب أوضح مثال على ذلك، يحسبه الظمآن ماء، وهذا خطأ في الحساب العقلي، فوظيفة العين هي النظر، أما البصر فهو وظيفة العقل، وزيغ البصر سببه عقلي قبل أن يكون بسبب العين، فالبصر يزيغ، والأمثلة المادية على زيغ البصر عديدة وتفوق الحصر، منها ما ورد في محكم التنزيل بشأن ملكة سبأ: (فلما رأته حسبته لجة) أي أنها نظرته بعينيها السليمتين، لكن حسبته بعقلها المذهول لجة، وعلى ذلك كانت النتيجة والتصرف الخاطئ، (وكشفت عن ساقيها)».

روي أن سليمان أمر قبل مقدمها ببناء قصر عظيم جعل صحنه من زجاج أبيض شفاف يجري من تحته الماء، وألقى فيه بعض مخلوقات البحر من سمك وغيره، كما يقول الشيخ أحمد مصطفى المراغي في «تفسير المراغي»، فلما قدمت إليه استقبلها فيه وجلس في صدره، وحين أرادت الوصول إليه حسبته ماء فكشفت عن ساقيها، لئلا تبتل أذيالها كما هي عادة من يخوض الماء، فقال لها سليمان: إن ما تظنينه ماء ليس بالماء، بل هو صرح قد صنع من الزجاج فسترت ساقيها وعجبت من ذلك، وعلمت أن هذا ملك أعزّ من ملكها، وسلطان أعز من سلطانها، ودعاها سليمان إلى عبادة اللّه وعاب عليها عبادة الشمس دون اللّه، فأجابته إلى ما طلب وقالت: «رب إني ظلمت نفسي بالثبات على ما كنت عليه من الكفر، وأسلمت مع سليمان للّه رب كل شيء» وأخلصت له العبادة.