يقول الدكتور فاروق حمادة في كتابه أيام في حياة الرسول: تلفت الناس حولهم في خضم الفتن المتدافعة، والمشكلات المتتابعة إلى بصيص من أمل، أو وميض من نور يشقُ لهم طريق حياة آمنة، تُحفظ فيها دماؤهم من حروب طاحنة، وكان الخاصة من الناس الذين تابعوا بحثهم عن هذا الأمل يسمعون بين الفينة والأخرى، أن نبياً قد أطل زمانه، وقرب أوانه سيبعثه الله بمنهج الهداية، ومبادىء الرحمة والسعة، وكانوا يسمعون ذلك من النصارى . وفي سنة من السنوات قدم فتية من بني عبد الأشهل على رأسهم أبو الحيسر أنس بن رافع يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم دعوته فحرك فيهم كوامن ما كانوا يسمعونه من الأحبار أن نبياً مبعوثاً الآن قد أطل زمانُه .

يضيف فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم: إن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة ووعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ رسالته إلى قومهم . وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي موسم الحج سنة 12 من النبوة، يوليو سنة 621م اثنا عشر رجلاً، والتقى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى فبايعوه بيعة العقبة الأولى .

روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه . قال: فبايعناه على ذلك .

وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب وهو مصعب بن عمير يُقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين . ازداد الإسلام بعد هذه البيعة بيثرب انتشاراً . وأقام مصعب بين المسلمين من الأوس والخزرج يعلمهم دينهم . فلما آذنت الأشهر الحرم أن تعود، لحق بمكة وقص على محمد خبر المسلمين بالمدينة، وما هم عليه من منعة وقوة، وأنهم سيجيئون إلى مكة موسم حج هذا العام الجديد أكثر عدداً وأعظم بالله إيماناً، وكان يوم بيعة العقبة الأولى يوم عزة وعظمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم .

بيعة العقبة الثانية

ويذكر فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم: إن يوم العهد والميثاق مع الأنصار يوم البيعة الكبرى يوم عظيم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير مسيرة التاريخ، وفتح آفاقاً جديدة لتكون يثرب عاصمة الإسلام، وقد وفوا به حق الوفاء، فاستحقوا من الله أحسن الثناء: والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يُحبوُن من هاجر إليهم ولا يجدُون في صُدُورهم حاجة مما أُوتُوا ويُؤثرُون على أنفُسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوق شُح نفسه فأولئك هُمُ المُفلحُون (سورة الحشر الآية 9) .

تحول تاريخي

في السنة الثالثة عشرة من النبوة سنة 622م حضر لأداء مناسك الحج بضعة وسبعون نفساً من المسلمين من أهل يثرب، جاؤوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم - وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟

فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلال الليل .

ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام . يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه:

خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، وامرأتان من نسائنا، نُسيبة بنت كعب أم عُمارة من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو أم منيع من بني سلمة . فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له .

ويضيف الدكتور فاروق حمادة في كتابه أيام في حياة الرسول: وعندما فرغ العباس من كلامه قالوا: تكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فأخذ بيده البراء بن معرور ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمعنك مما نمنع منه أُزُرنا (أي أنفسنا ونساءنا) فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر فقام أبو الهيثم بن التيهان وقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: الدم الدم، والهدم الهدم، فدمي دمكم ودمكم دمي، وما هدمتموه من الدماء هدمته، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم .

وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختاروا اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة . وتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس . ثم عادوا إلى يثرب يحملون روح الإسلام ونشر الدعوة .