الشارقة: أمل سرور
عندما تتأمل كلمة «الطين» بشيء من العمق ينتابك يقين بوجود بُعد روحي يربط البشرية بها، تلك المادة التي تُعد مكوناً رئيسياً في خلق الإنسان. وربما تفسر تلك العلاقة اعتماد الإنسان على مادة «الطين» في عمارته وبيوته، التي كانت تأويه منذ الأزل، وربما يفسر أيضاً سر التوافق والانسجام على استمرار العمارة الطينية عبر مختلف العصور التي مرت بها البشرية.
الباحث عمار السنجري تحدث عن أن علاقة تاريخية ربطت ما بين الإنسان والطين منذ 10 آلاف سنة؛ حيث بنى الإنسان مساكنه ومعابده وقصوره من التراب والطين. واستشهد السنجري في حديثه بسور الصين العظيم الذي شيد معظمه من الطين والتراب الخام، وفي القرن السابع قبل الميلاد بني بهذه المادة برج بابل كأول ناطحة سحاب، وكذلك انتشر استعماله في حضارات بلاد الرافدين ومصر الفرعونية والحضارة الإسلامية والرومانية والهندية وحضارة الهنود الحمر والمكسيك وبلاد ما وراء النهر.
ويؤكد السنجري أيضاً أن للعمارة الطينية في الإمارات تاريخها ومكانتها الخاصة؛ بل إن «الطين» كان حجر الأساس في البيوت الإماراتية القديمة، التي سادت في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وبعض هذه البيوت ما يزال قائماً، وبعضها اندثر أو فقدت معظم أجزائه؛ لكنه بقي معلماً وشاهداً على تاريخ فترة عريقة في الإمارات
وعندما تتبع البيت الطيني في الزمن الإماراتي؛ تجد أنه كان يتسم بالرحابة والهدوء ويوفر لساكنيه نوعاً من الطمأنينية، التي تحكمها طباع الناس الذين يسكنون متجاورين إلى جانب بعضهم، ناهيك عن تشابه البيوت في طرز بنائها البسيطة.
وكانت البيوت تشيّد من «الطابوق» الطيني، وهو نوعان: يخلط مع الحشائش الميتة واليابسة «التبن»، أو يُحرق حتى يكون يابساً، ويتميز بالقوة أو يحرق حتى يكون يابساً، وتضاف إليه الحجارة التي تجلب من البحر، أما تفاصيل البيوت الداخلية فتتكون من «حجرة» وفيها غرفة للنوم أو غرفة لتخزين المواد، ويوجد أمامها «ليوان» ومظلة وحوش وأكثر من حجرة، وكانت الغرف في الأغلب تقع على الجوانب والحوش في المنتصف، وهذه البيوت الطينية استمرت ما يقارب من 40 عاماً.
وتختلف طريقة بناء بيوت الطين حسب العناصر الداخلة فيها، وحسب أشكالها التقليدية، وموقعها الجغرافي، كما كان الأجداد يحرصون في بنائها على مجموعة من العوامل أهمها: درجة الحرارة وشدة البرودة والأمطار، كما أن الطين المخلوط بالتبن، يشكل المادة الأساسية في بيوت الطين، وهو يترك لفترة حتى يجف في الشمس، ثم يقوم البناؤون، بعد ذلك ببناء الجدران الخارجية بإلصاق مادة الطين المخلوط بالتبن أيضاً فوقها، لا سيما في المناطق المعرضة للمطر والمياه، وفي الأغلب يتم إلصاق المادة الطينية باستخدام اليد كما ترسم عليها الأشكال الجميلة على واجهة المنزل خاصة على الشرفات التي تشاهد على شكل المثلثات والمربعات وما شابهها وتصبغ باللون الأبيض.
وكان الأجداد يستخدمون في سقف المنزل خشباً من جذوع النخيل أو الأثل أو السدر، ويوضع فوقه جريد النخل مع إضافة طبقة أخرى من الطين المخلوط بالتبن؛ كي تتمم عملية التسقيف.
وبرع الإماراتيون في تصميم أبواب المنزل؛ حيث كانوا يستخدمون خشباً يطلق عليه «الأثل» مما يجعلها قوية ومتماسكة، وفي الأغلب تتم إضافة المزاليج لهذه الأبواب، وتوضع قطع الخشب بشكل طولي إلى جوار بعضها ويتم تثبيتها، كما توضع بشكل عرضي مخرمة ليصل بينها وبين خشب الباب سيخ من الحديد يتمتع بطبعة كبيرة، على شكل دائري من جهة ومدبب من الأخرى ليتم ثنيه لتثبيت الخشب.
هكذا كانت البيوت الطينية في الإمارات، ولا تزال المباني الطينية في الدولة شاهدة على جماليات العمارة في المنطقة، تلك التي تحرص تلك الأرض على المحافظة عليها؛ بل وتعدها شاهداً على معاناة الأجداد في الزمن القديم.