1 صحة الأبدان موضع عناية الدين والطب معاً:
صح عن الإمام الشافعي قوله إن أشرف العلوم بعد علوم الدين، هي علوم الطب. وقد حدد علماء مقاصد الشريعة الضرورات الخمس التي يأمر الدين برعايتها، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال. فدخل الدين من باب واحد، ودخلت الصحة من ثلاثة أبواب هي حفظ النفس من الهلاك، وحفظ العقل من الاختلال. وحفظ النسل بالإنجاب الحلال.
2 رمضان بين الدين والطب:
وتفريعاً على ما سبق، نجد أن شهر رمضان يلقي مسؤوليات متساوية على الفقهاء والأطباء في بيان حكم المرضى في رمضان، من حيث بيان أنواعهم وبيان أحكامهم، وإلا فإن الأمر كان متروكاً لتقدير الناس، إذ لم تزد آيتا سورة البقرة على عبارة فمن كان منكم مريضاً أو على سفر (الآية: 184) وهي مختومة بالحث على الصوم عند الإطاقة بقوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون والعبارة في الآية التالية (185) ومن كان مريضاً أو على سفر وهي أيضاً مختومة بالحض المشابه ولتكملوا العدة والتكرار يفيد التأكيد على جواز الفطر بأحكامه. وبالرغم من أن ظاهر الآية لم يحدد نوع المرض وكأنه متروك لتقدير المريض نفسه، فإن إتقان العمل بهذا الحكم يحتم على كل من الفقهاء والأطباء أن يحددوه، بحيث لا تزيد الرخصة أو تقل عما شرع الله.
أما الفقهاء فقد قدموا توصيفات للمرض، فقال أبو حنيفة: إذا خاف المريض أن تزداد عينه وجعاً، والحُمى التي تصيبه شدة، وقال مالك: العبرة بالخوف من التلف والزيادة فيه والمشقة الفادحة، وقال الشافعي: أن يبلغ المرض مبلغ الضرورة، وقال الحنابلة: مرض الضرر البالغ والخشية من الهلاك وكلها أوصاف مجملة، وإن كانت كافية لأن الشرع لم يطلب سوى ذلك.
أما الأطباء فعليهم التدقيق، ووضع النقاط على الحروف، وتسمية الأمراض المجيزة للفطر، وخاصة تلك التي تستمر مع المريض وتتطلب رعاية دائمة، ومنها: مرض السكري، ومرض الفشل الكلوي، ومرض تصلب الشرايين، ومرض فقر الدم، وحالة المريض الذي عانى من نوبة قلبية أو أجريت له عملية فتح صدر أو أصيب بجلطة دماغية ثم شفي، ومثل ذلك.
3 لقاء الفقهاء والأطباء ضروري:
إن البت في هذه المسائل لا يملكه فريق دون فريق، ولا بد من لقاء الطرفين وتحاورهما.
وفي ما يخص رمضان يمكن للفقهاء أن يقولوا للأطباء ما يلي:
(أولاً) الصيام فريضة فلا يجوز التفريط فيها بمشورة طبية غير محكمة. ولكن الفطر أيضاً هو من حقوق المسلم المريض، وقد يكون بمستوى الرخصة بمعنى أنه جائز، أو بمستوى الاحتياط بمعنى أن مستحب أو مندوب، كما قد يكون بمستوى الضرورة وحكمه حينئذ الوجوب.
(ثانياً) في ضوء ما سبق لا يجوز أن يُصعّب أمر الفطر على المريض أو يسهّل له. لأن التصعيب قد يضره، كما أن التسهيل قد يفتح له باب التسيّب والاستهانة بأحكام الدين.
(ثالثاً) مما يساعد الطبيب، وهو هنا بمثابة المفتي الديني، أن يلم بالأحكام الفقهية الخاصة بالحائض، والنفساء، والمرضعة، والحامل، والمسن، وصاحب العمل الشاق، والمريض المزمن ولا يُرجى شفاؤه - وهي في كتب الفقه. ومن أبسطها وأكثرها وضوحاً (فقه السنة) للشيخ سيد سابق.
ويمكن للأطباء أن يقولوا للفقهاء مايلي:
(أولاً) إن الحكم العام بالمرض يملكه الفقيه والمريض لأن الشرع الحنيف لم يزد على التوصيف العام رفقاً بالعباد ولكن الحكم التفصيلي هو من اختصاص الطبيب، فيجب الرجوع إليه.
(ثانياً) إن التصعيب على المريض بسبب الورع الديني وخشية التفريط في الأحكام الشرعية قد يقتل المريض، إن لم يكن على الفورية فقد يكون على التراخي.
(ثالثاً) إن الطبيب المسلم الحاذق ضمانة جامعة مانعة، وهو بهذه الصفة ومع استيفاء المعرفة الفقهية، وهي ليست بالعويصة، بمثابة المفتي الشامل. ولكن الطبيب الحاذق غير المسلم لا يُهدر رأيه، لأنه قد لا يوجد سواه إذا كان المريض يعالج في الخارج ولا يوجد طبيب مسلم في مكانه. ثم إن الأطباء جميعاً محلّفون بالقسم الطبي، والراجح إن لم يكن المؤكد أنه لا مبرر لديهم للوصف بغير الحقيقة الطبية.
(رابعاً) من المفيد أن يلم الفقيه، من دون توسع، بأنواع الأمراض التي يرى الطب أنه تلزم مراعاتها في الإفتاء بالفطر، وكتبها الآن كثيرة.4 أهل الذكر في كل علم عُدوله:
الآية الكريمة فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون واردة في سورتي النحل والأنبياء في سياق ديني، مما جعل المفسرين القدامى يعرفون أهل الذكر بأنهم علماء الدين. ولكن العبرة في تفسير آيات القرآن الكريم هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما لم يوجد ما يلزم بالتخصيص. وعلى ذلك استفاض شرح الآية الكريمة لدى المفسرين المحدثين بأن أهل الذكر في كل علم عدوله، فدخل بذلك الأطباء في ما يخصهم.