إعداد : عبير حسين

"يمكن لأي شخص أن يمر بمحن في حياته الخاصة، وهذا وضعنا الحالي"، و"الأمور الخاصة تعالج بشكل خاص"، هذه كانت تعليقات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بعد تفجر أزمة علاقته بممثلة فرنسية أنهت علاقته الرسمية بالسيدة الأولى فاليري تريرفيلر، وفتحت الباب للحديث مجدداً عن حياة الرؤساء والساسة الخاصة التي تعد مادة ثرية للإعلام من جانب وللنميمة بين العامة من جانب آخر، والجميع يدفعهم الفضول للتعرف إلى حقيقة ما يدور داخل القصور، وخلف الأبواب المغلقة، متناسين أن كون الرؤساء والساسة مسؤولين مهمين لا ينفي أنهم أشخاص عاديون، مناصبهم لا تحمي مشاعرهم، فهم يتألمون، ويعانون، ويغضبون مثل باقي البشر .
بالرغم من حرص الرؤساء والساسة على تقديم صور إيجابية عن حياتهم العائلية واستقرارهم، فإن الواقع غالباً يفتضح أمره، ويبدو للعيان النار المشتعلة أسفل الأسطح التي تبدو هادئة . ولعل أحدث العائلات الرئاسية التي أصبحت في مرمى الصحافة العالمية هي عائلة أوباما التي تدور عن استقرارها شكوك كثيرة، دعمها احتفال ميشيل أوباما بعيد ميلادها الخمسين بمفردها وسط أصدقائها، وباتت شائعات الطلاق تحاصرها من كل جانب مع أنها كانت تبدو أمام الجميع نموذجاً للعائلة السعيدة التي أضاف حضورها إلى البيت الأبيض زخم جديد غير مسبوق مع بناتها والجدة الأم فرسمت ملامح عائلة أمريكية عادية وبسيطة .
لا تختلف القصور الملكية عن أي منزل بالعالم، فهي أيضا تعرف المشاجرات الزوجية، وغالباً ما تؤدي الخلافات إلى التعاسه ذاتها التي لاتفرق بين أميرة أو امرأة عادية . وكانت البداية من الأميرة ديانا التي كانت أول من يخرق القواعد الملكية البريطانية الصارمة، عندما تحولت مشكلاتها الدائمة مع الأمير تشارلز إلى حديث للصحف الصفراء حول العالم، واستمرت في إثارة الحرج للعائلة المالكة حتى وفاتها . زفاف ديانا الأسطوري، ومكانة زوجها ولياً للعهد لم يضمنا لها السعادة الزوجية، بل على العكس تحولت كآبتها إلى مرض "البوليميا" وكانت بسببه تتناول الطعام بشراهة، ثم تفرغه بسرعة من معدتها، ولكونها أميرة لم تحظ حتى بالخصوصية اللازمة لمداراة مشكلاتها الخاصة، وكانت كل أقوالها، وتصرفاتها موضع فضول الملايين حول العالم الذين منحوها لقب "أميرة القلوب" .
وعلى مسافة قريبة من قصر باكنغهام، تطل قصة الأميرة غريس كيلي التي عاشت حزينة، كئيبة، بعد زواجها من الأمير رينيه الثالث بعد قصة إعجاب سريعة كانت حديث العالم . وبالرغم من كل معاناتها الشخصية لم تتمكن من الحصول على الطلاق والعودة إلى الولايات المتحدة، لأن هذا القرار كان يعني تخليها عن أبنائها .
حزن كيلي لم يكن سببه "غراميات" زوجها التي لا تنتهي فقط، وتمتهن كرامتها كزوجة، بل امتدت لتشمل سوء معاملته لها، وفي كتابي السيرة الذاتية الصادرين عن حياتها الأول من 2004 بعنوان "الأميرة التي خاب أملها"، والآخر في 2007 بعنوان "غريس الحقيقة" وقائع متعددة لتعمد الأمير إهانتها، ففي مرة قذفها بكرة التنس في وجهها اعتراضاً منه على قصها شعرها من دون الرجوع إليه، وفي مرة ثانية "هاج وماج" عليها بعد حوار جمعها مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول عن العلاقات البريطانية الأمريكية واتهمها بأنها تحدثت وكأنها أمريكية وليست فرنسية، وقال لها "لسنا في أمريكا، عزيزتي الأشخاص مثلك عليهم ألا يتحدثوا من تلقاء أنفسهم، أنت لا تصلحين للقيام بأي شيء سوى التمثيل" .
أما القصور الملكية الإسبانية فتعاني تداعيات الاتهامات الموجهة لصهر الملك "ايناكي أوردانغارين" في قضايا فساد مالي واستغلال نفوذ، تسببت في إبعاده عن المناسبات الرسمية، ورفعت صوره الشخصية من بطاقات التهنئة بأعياد الميلاد، والأسوأ أن التحقيقات طالت زوجته الأميرة كريستينا صغرى بنات الملك خوان كارلوس، وهي السابقة الأولى التي تشهدها الملكية الإسبانية التي تحتفظ بشعبية خاصة بين الملكيات الأوروبية .
ماكسيما ملكة هولندا واجهت تحدياً مختلفاً نال من صدقية عائلتها أمام الهولنديين الذين ثاروا على زواجها من وريث العرش الأمير ويليام فيليب بعد شكوك حول علاقة والدها وزير الزراعة الأرجنتيني بنظام الديكتاتور "خورخه فيديلا" . وبالرغم من أن لجنة التحقيق الرفيعة التي شكلها مجلس الوزراء وقتها، أشارت إلى براءة والدها من الاتهامات الموجهة إليه بانتهاك حقوق الإنسان، فإنه منع من حضور زفافها، لتنهمر دموعها أمام الملايين الذين تابعوا الحفل وهي تجلس وحيدة .
أما هيلة سميث رئيسة وزراء الدنمارك التي كانت سبباً في الأزمة بين أوباما وزوجته، بعد صوره معها في جنازة نلسون مانديلا فتعاني هي الأخرى حياة عائلية غير مستقرة، بالرغم من محاولتها الدائمة نفي الخلافات المستمرة بينها وبين زوجها الاقتصادي الذي يعيش بعيداً عنها منذ سنوات، بعد عمله في مقر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، ولا تهدأ الشائعات عن سلوكه وإخلاصه، وهو أمر لا تحتمله أية سيدة حتى لو كانت رئيسة وزراء .
معاناة شديدة وقاسية من نوع مختلف عبر عنها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بقوله "موت الطفل ابتلاء لا يمكن تحمله، ولا يمكن لأي أب وأم أن يطيقاه" . كانت عائلة كاميرون عانت من إصابة أكبر أبنائها "ايفان" بمتلازمة "أوهتهارا" وهي حالة مستعصية من الصرع حرمته من القدرة على المشي، والحديث، أو إطعام نفسه، وكان يقضي أغلب وقته في المستشفى، وكثيراً ما اضطر والداه إلى المبيت إلى جانبه على الأرض بالمستشفى . ومن أقسى العبارات التي عبر بها كاميرون عن معاناته مع مرض ابنه قبل رحيله، وهو لم يتجاوز السادسة "هذه الأنباء تصدمك كما لو كانت قطار شحن، ويصيبك الاكتئاب لفترة حزناً على الفرق بين أحلامك والحقيقة" .

ذاكرة المشاجرات

مشكلات عائلة أوباما ليست بجديدة على نزلاء البيت الأبيض الذي اشتهر بتعاسة أغلب العائلات التي سكنته، فذاكرة التاريخ مازالت تحتفظ بعشرات المشاجرات التي نشبت بين الرئيس أبراهام لينكولن وزوجته ماري تود لينكولن، والمثير أنها كانت خلافات زوجية عادية تحدث بين الملايين في كل أنحاء العالم، لكن تأثيرها كان أشد وطأة على الرئيس الذي كان منشغلاً بالحرب الأهلية الأمريكية وإعادة ولايات الجنوب المتمردة، في الوقت الذي كانت زوجته غير عابئة بمشكلات الحكم ومنغمسة في التبذير على تأثيث وإعادة طلاء البيت الأبيض بشكل لا يتفق مع اقتصاد الحرب الذي تمر به بلادها، إضافة إلى إحراجها زوجها أكثر من مرة بسبب إعلانها موقفها الصريح الرافض لتحرير العبيد، لأنها من أسرة ثرية عملت لسنوات في تجارة العبيد .
ونجح الثنائي جون كينيدي وزوجته جاكلين في تقديم نموذج شاب للعائلة الأولى، لكن الصور الموحية بالسعادة والاستقرار كانت وراءها مشاعر غاضبة من زوجة تعرف بتعدد نزوات زوجها ولا تستطيع مواجهته ومصارحته، وانتهت بالحزن والأسى بعد اغتياله . وبعد رحيل جاكلين كنيدي صدرت كتب عدة تناولت سنواتها القصيرة التعيسة في البيت الأبيض، وأشار بعض المقربين منها إلى أنها بادلت زوجها الخيانة انتقاماً منه، وهكذا بعد سنوات تحت الأضواء لم تعد تحصد ابنتهما كارولين كينيدي، سفيرة بلادها لدى اليابان، سوى الألم والحزن على ما يسطره الغرباء عن حياة عائلتها الخاصة، والتي يبدو أن فيها الكثير المخزي .
وكانت معاناة "بات نيكسون" زوجة الرئيس ريتشارد نيكسون مختلفة،إذ عاشت "جحيماً" حقيقياً بسبب ولعه بالسياسة، وانشغاله الدائم، وعصبيته المفرطة بعد تكشف فضيحة "ووتر غيت" التي دفعته إلى الاستقالة ،1974 وبالرغم من ذلك حافظت على مساندتها الدائمة له، وظلت إلى جواره، وحافظت على حياتها العائلية حتى رحل زوجها، ثم لحقت به بعد بضع سنوات .
وإذا كانت أغلب مشكلات البيت الأبيض "رماداً" يخفي لهباً مشتعلاً، فإن فضيحة "مونيكا لوينسكي" قدمت مشكلات عائلة كلينتون إلى العالم لسنوات طويلة، حتى بعد خروج الرئيس من السلطة، ومع كل كتاب جديد تكتبه ليدرّ عليها أرباحا بالملايين تعيد التذكرة بفضيحة كادت تكلف كلينتون منصبه بالمكتب البيضاوي . المثير أن العالم وقتها تعاطف مع الزوجة هيلاري كلينتون التي قالوا إنها صفحت عن زوجها طمعاً في تأمين مستقبلها السياسي بعد ذلك، وهو ما حدث بالفعل عندما تولت وزارة الخارجية فترة رئاسة أوباما الأولى، لكن شخصية هيلاري الصارمة لم تمنعها من الثورة كزوجة، وكان أن سرب احد أفراد طاقم الحراسة الخاصة للرئيس يوماً خبر مشادة حادة دارت بين الزوجين في إحدى الليالي، انتهت بقذف هيلاري الرئيس بكتاب كانت تحمله . وتندر العالم وقتها على مهمة الحرس الخاص في تلك اللحظة التي يتعرض فيها الرئيس "للضرب" من زوجته، وهل كان يجب عليهم التدخل لحمايته، أم لا؟

معاناة

لا يدرك العالم من معاناة مانديلا سوى سنوات سجنه الطويل التي امتدت 27 عاماً في سجن جزيرة روبن، بينما الحقيقة تدل على معاناته الفشل في الزواج مرتين، الأولى كانت عند انفصاله عن "ايفلين نتوكو مايس" 1957 بعد 13 عاماً من الزواج بسبب عدم تقدير زوجته لدوره النضالي، وتذمرها الدائم من غيابه عن المنزل .
أما الطلاق الأقسى فكان لزوجته الثانية "ويني مانديلا" التي اضطر لطلاقها بعد سلسلة فضائح تلطخت بها سمعتها، وإدانتها بالسجن ثم الغرامة في قضايا عنف وفساد مالي، ليتخذ مانديلا قراره الصعب 1992 بالانفصال عنها، وإن كانت جميع الوقائع التالية حتى رحيله أكدت أنها احتفظت بمكانتها الخاصة عنده .

ماساكو الأميرة المضطربة

عندما تزوجت الأميرة ماساكو ولي عهد اليابان الأمير "ناروهيتو" كانت موضع حسد ملايين الفتيات اللاتي غبطنها لانضمامها لعائلة الإمبراطورية اليابانية التي تحظى باحترام واسع محلياً وعالمياً . قبل الزواج كانت الأميرة دبلوماسية شابة، خريجة جامعة هارفارد، كثيرة السفر والترحال، حياتها تلقائية وبسيطة، وفجأة انقلب كل شيء، وتحولت حياتها إلى كآبة مقيمة بعد إنجابها ابنتها الأميرة "إيكو" وعدم قدرتها على إنجاب أطفال آخرين، بينما بدأت الأصوات تعلو في القصر الامبراطوري مطالبين زوجها بالتخلي عنها، والزواج مجدداً حتى ينجب وريثاً للعرش، لكنه لم يستجب لضغوط والديه، وساند زوجته في أزمتها الشديدة التي تسببت في فقدانها كثيراً من وزنها، وعزوفها عن الظهور في المناسبات العامة .
شخصت حالة الأميرة بأنها "اضطراب التكيف" وسببه القواعد الإمبراطورية الصارمة التي لم تتمكن من مواكبتها والتعايش معها، وخضعت على مدار سنوات طويلة لعلاج مستمر في مصحات أوروبية عدة خاصة في هولندا التي زارتها بضع مرات، وكان حضورها حفل تنصيب الملكة ماكسيما مؤشراً على تعافيها من مرضها النفسي .

راؤول غاندي يبحث عن زوجة

يواجه الساسة عادة مسؤولية اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة يتحملون تبعاتها أمام شعوبهم والتاريخ، والمفارقة أن نجم السياسة الهندية الشاب الواعد راؤول غاندي سليل عائلة غاندي العريقة الذي يُعدّ لتولي رئاسة "حزب المؤتمر" أكبر وأهم الأحزاب الهندية، غير قادر على اتخاذ أهم قرار في حياته الخاصة ويتعلق باختيار شريكة حياته .
اختيار زوجة غاندي لا يخضع لرغبته الشخصية، وتحكمه اعتبارات سياسية مختلفة، والدليل على ذلك رفض والدته سونيا غاندي زواجه من فيرونيكا كارنيللي المعمارية الإسبانية التي يرغب في الاقتران بها، والسبب إنها "أجنبية"، وهي ترغب في زواجه من فتاة هندية بعد معاناتها الطويلة مع الاندماج بالمجتمع الهندي، بسبب أصولها الإيطالية التي منعتها من الحصول على الجنسية الهندية لمدة 15 عاماً . وهذه ليست المرة الأولى التي يفشل فيها غاندي في الاقتران بمن يختار، وكانت المرة الأولى قبل بضع سنوات، عندما اعترض حزبه على اختياره لفتاة بنغالية تدعى "بداية غاغنشي" لأنها من عائلة تؤيد تياراً سياسياً متشدداً يتعارض وتوجهات الحزب .