قال تعالى: وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (إبراهيم: 12 - 14).

عرضنا في المقالتين السابقتين من خلال الآيات المباركة من سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام شبهات المشركين ومطاعنهم على رسلهم وأنبيائهم، وتدبرنا دحض تلك الشبهات، وتفنيد تلك المطاعن من خلال جواب الأنبياء على هؤلاء الجاحدين. وتبدأ الآيات الكريمة هنا بقوله تعالى على لسان الأنبياء: وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا....

و(ما) في الجملة استفهامية للسؤال عن السبب والعذر، و(ما) في محل رفع مبتدأ والجار والمجرور (لنا) في محل رفع خبر. و(أن) على تقدير حرف الجر، والمعنى: أيّ عذر لنا في عدم التوكل على الله؟ والغرض من الاستفهام النفي أي نفي أي عذر في ترك التوكل على الله. وقد جاء هذا النفي مكنياً عنه، حيث كفوا عن نفي العذر أو الصارف عن التوكل بالسؤال عنه، لأن السؤال يستلزم نفي المسؤول عنه. والكناية أبلغ من التصريح، لأنها تأتي بالمعنى مصحوباً بالدليل عليه. وأظهر الاسم الجليل في مقام الإضمار حيث كان الظاهر أن يقال: (وما لنا ألا نتوكل عليه)، لتقدم الاسم الجليل في قوله تعالى قبل هذه الآية مباشرة: وعلى الله فليتوكل المؤمنون لإبراز شدة الرغبة في التوكل عليه جل شأنه، والاستلذاذ باسمه تعالى، ولتفخيم التوكل. وقولهم وقد هدانا سُبلنا جملة تعليلية، لإظهار سبب توكلهم على ربهم. والواو حالية، و(قد) حرف تحقيق، والتقدير: (والحال أنه سبحانه قد هدانا، ومن علينا بما يوجب التوكل ويستدعيه، حيث هدانا سبلنا أي أرشد كلاً منا سبيله ومنهاجه). وفي الجملة تعريض بقبح الانصراف عنه سبحانه، وعدم التوكل عليه. وأضيف السبيل الى ضمير الأنبياء للاختصار، حيث التقدير: (أرشد كلاً مِنّا منهاجه الذي شرع له، وأوجب عليه سلوكه في الدين). والسبيل هو الطريق الذي فيه سهولة، ويطلق مجازاً على طريق الحق. وإذا أطلق اللفظ السبيل ولم يقيد فيختص بما هو الحق، ومنه قوله تعالى: ثم السبيل يسره (سورة عبس: 20)، ويستعمل السبيل كذلك لكل ما يتوصل به الى شيء خيراً كان أو شراً، قال تعالى: ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (سورة النحل: 125).

ويُعبر به كذلك عن المحجّة، قال تعالى: سبل السلام.

الصبر على الأذى

وقول الرسل الكرام عليهم السلام ولنصبرن على ما آذيتمونا يظهر مدى إصرارهم على تبليغ رسالتهم مهما كانت الصعوبات والعوائق، وكأنهم يريدون أن يقولوا: (لن نتوانى عن دعوتكم ولن نضعف ولن نتزحزح، ولنستمرن على وعظكم ونصحكم، ولن نبالي بما لاقيناه منكم من أذى وبما سنلاقيه، فإننا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من عَنَت وإيذاء وتهديد احتساباً للأجر ونصحاً لكم، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير).

إنه الإيمان الراسخ، إيمان الواثق بنصر الله، إيمان المتوكل عليه حق التوكل، لا يبالي في سبيل نشر كلمة الله ودعوته بكل ما يتعرض له، وما يوجه إليه من اتهامات باطلة.

تأمل كيف أكد الرسل عليهم السلام عزمهم على مواصلة تبليغ رسالاتهم وتحملهم المشاق وصبرهم حيث قالوا ولنصبرن مؤكدين باللام الموطئة للقسم بدليل إثبات نون التوكيد في آخر الفعل، لأنها تلازم القسم و(ما) في قوله على ما آذيتمونا يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: (على إيذائكم إيّانا). ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف والتقدير: (الذي آذيتمونا به) وعَبر بالماضي (آذيتمونا) للإلماح الى أن الرسل عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به أي الكفرة فهو إغراء لهؤلاء المؤذين بالتوبة. وفي التعبير بالماضي أيضاً إشارة الى استمرار الصبر على الأذى، فكأنهم قالوا: (نصبر على أذى متوقع كما صبرنا على أذى مضى) وهذا إيجاز بديع. وعُدل عن المضارع (تؤذوننا)، لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالجهاد، وقد يأمرهم بالصبر، ولذلك لم يصرحوا باستمرار الصبر وإن ألمحوا إليه انتظاراً لأمر ربهم في أقوامهم، وذلك تأدب منهم معه سبحانه وتعالى وأسند الإيذاء الى ضمير الكفار وإيقاعه على ضمير الرسل فيه تفظيع لجرم هؤلاء الكفار حيث أوقعوا بأنفسهم ومتعمدين العذاب على أشرف خلق الله تعالى وهم الرسل الذين اصطفاهم ليبلغوا رسالة السماء الى أهل الأرض. ولولا قصد هذا المعنى لعُبر بالمصدر الصريح فقيل مثلاً: (لنصبرن على الأذى أو أذاكم) والله أعلم بمراده.

وكرر الأمر بالتوكل مرتين حيث قيل قبل هذه الآية مباشرة وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وقيل في هذه الآية: وعلى الله فليتوكل المتوكلون ولعل السر في هذا هو أن الأول لاستحداث التوكل، والثاني لتثبيته، ومعناه: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم. والمراد بالمتوكلين في الآية: المؤمنون. والتعبير عنهم بذلك لسبق اتصافهم به في الآية السابقة. أو أن هذا من باب المجاز المرسل بعلاقة ما سيكون أي: فليتوكل المؤمنون، وسر التعبير بالمجاز هنا (هو شدة الرغبة في التوكل على الله، وبه يكمل إيمان المؤمن، ويعز جانبه، ولأن التوكل على الله يستلزم الإيمان به والعكس لا يستلزم).

عجز فكري ونفسي

وبهذه الآية الكريمة ينهي الرسل الكرام جوابهم، وعندئذ يُظهر الكفر وجهه القبيح بعد أن فند المرسلون مطاعنه، فأصبح عاجزاً عن المجادلة أو المحاورة أو المناقشة أو الاستماع لصوت الفطرة أو العقل، ولإحساسه بهزيمته الفكرية والنفسية والعقدية يهدد أهل الكفر في صَلَف وغرور ويعلنون عن عزمهم الأكيد على طرد أي نفي رسلهم وإخراجهم من أرضهم أو صيرورتهم في ملتهم، واقرأ قوله تعالى حاكياً هذا الوعيد على لسان عتاة الكفار: وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا والإظهار في قوله تعالى: وقال الذين كفروا... في مقام الإضمار: (وقالوا) يوحي بأن هؤلاء القائلين بعض المتمردين العاتين أو الرؤوس المغالين في الكفر من أولئك الأمم الكافرة التي نقلت مقالاتهم الشنيعة، ولذلك عدل عن الإضمار. ويمكن أن تكون علة الإظهار في مقام الإضمار زياد تسجيل اتصاف أقوام الرسل بالكفر حتى صار لهم نعتاً يُعرفون به. وأكد الكفار توعدهم بإخراج الرسل بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة، لإظهار عزمهم على تنفيذ تهديدهم. وعرض الكفار من خلال قسمهم على رسلهم أمرين لا ثالث لهما ولا بد من تحقق أحدهما، وهو لنخرجنكم أو لتعودن، ونحن نقسم عليكم بذلك. و(أو) في الآية أفادت هذا المعنى أي التخيير بين أمرين أولهما من فعل الكفرة وهو الإخراج والطرد من أرضهم، والثاني من فعل الرسل وهو العودة الى دين هؤلاء الأقوام. وقيل: إن (أو) بمعنى (حتى)، وهذا غير دقيق، لأنه يخل بمعنى التخيير إذ يوهم الظاهر من قولهم: أو لتعودن في ملتنا أن الرسل كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها! والجواب عن هذا من وجوه أولها: أن (عاد) بمعنى (صار) وهذا شائع في الاستعمال العربي ومن قولهم: ما عاد لفلان مال، أي ما صار له مال. والمراد بالعود إذن الصيرورة والانتقال من حال الى حال أخرى، فالكفار يريدون غباء وحمقاً من رسلهم أن ينتقلوا من الإيمان والتوحيد الى التمسك بمعتقدهم وملتهم وبهذا المعنى يندفع ما يوهمه ظاهر العبارة من أن العود يقتضي أن الرسل عليهم السلام كانوا حاشاهم على ملة الكفر قبل ذلك.

ثانيها: أن خطابهم موجه لكل رسول وأتباعه من المؤمنين، فَغَلبوا الجماعة على الواحد. ثالثها: المراد من العود في ملتهم سكوتهم عنهم وترك مطالبتهم بالإيمان كما كانوا قبل الرسالة. وأقوى الوجوه عندي الوجه الأول لكثرة ما يدعمه من شواهد، ومن قوله تعالى: حتى عاد كالعرجون القديم (يس: 39).

الوعيد الإلهي

والمراد بالملة: الدين. والظرفية في قولهم في ملتنا مجازية. وأوثر حرف الظرفية (في) على حرف الانتهاء (إلى) حيث كان الظاهر أن يقال: (أو لتعودن إلى ملتنا) لأن حرف الظرفية أبلغ في الدلالة على الاستقرار والتمكن، وكأن هؤلاء الكفار لم يرضوا من رسلهم بأن يتظاهروا أنهم من أهل ملتهم، ولا بأن يصيروا إليها فقط، لأن هذا يعني عدم ثبوتهم عليها وتمكنهم فيها، وهذا ما يدل عليه حرف الانتهاء (إلى) لوعُدي الفعل به، ولكنهم يرغبون في استقرار الرسل في دينهم وتمكنهم فيه، واعتقادهم فيه اعتقاداً جازماً يضمنون معه عدم خروجهم منه، وهذا المعنى هو ما كشف عنه حرف الظرفية (في)، ولذا قالوا: أو لتعودن في ملتنا. وقدم الكفار الخيار الأول وهو إخراج الرسل من أرضهم على الخيار الثاني، لسهولة تحقق الخيار بالنسبة للكفرة، لأن ظاهر الواقع يساعدهم على تنفيذه بخلاف عودة الرسل أي صيرورتهم الى ملتهم فهذا أمر مستبعد وإن تظاهروا بإمكانيته كما دل عليه حرف الظرفية، وهكذا قطع أهل الكفر كل سبل المحاورة مع رسلهم، ولذا كان لا بد من إثبات معيته سبحانه لعباده ورسله المتوكلين عليه، وكان الإبراق بالتهديد الإلهي المرعب، والوعيد الرباني المزلزل رداً على وعيد وتهديد هؤلاء الطغاة الظالمين لخير عباد الله بعد أن أغلق مجال الحوار والحجة فقيل: فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد وتأمل أولاً موقع تلك الفاء في قوله تعالى فأوحى فإنها تشعرك بمعية الله تعالى لرسله، وكأن هذا الوعيد للكفار بالإهلاك والوعد للرسل بالاستخلاف والتمكين جاء فور انتهاء تلك المحاورة وذلك التهديد.

تمكين المؤمنين

وتأمل تأكيد الوعد والوعيد بنون العظمة ونون التوكيد الثقيلة، وكلتاهما ذات ظل وإيقاع في هذا الموقف الشديد كما يقول صاحب الظلال. وتأمل التعبير بوصف الربوبية وموقعه البديع في هذا المقام بما يدل عليه من معاني اللطف والعناية والرعاية والحفظ. ثم تأمل سر التعبير بالإهلاك في قوله تعالى لنهلكنّ وما فيه من دلالة على شدة الأخذ والتدمير، لأن الإهلاك: إذهاب الشيء الى حيث لا يقع عليه الإحساس، ولا عجب في ذلك، لأنه إهلاك العزيز المنتقم الجبار سبحانه وتعالى. والتعبير باسم الفاعل الظالمين أومأ الى سبب استحقاق هؤلاء الكفار الهلاك والتدمير، وهو عراقتهم في الظلم وثباتهم عليه، والتعبير باسم الفاعل يلمح أيضاً الى العدالة الإلهية بالإشارة الى أن هذا الإهلاك لم يشمل من تاب من هؤلاء الكفار الظالمين، ومن لم يكن عريقاً في كفره، ومن يُرجى إيمانه من هؤلاء الكفرة. والمراد من إسكان الأرض: التمكين فيها، ففي الجملة كناية عن صفة. والمقصود أرض الظالمين وديارهم فاللام للعهد. والخطاب في لنسكننكم للرسل، وهذا يستتبع تمكين الذين آمنوا بهم أيضاً. والمراد من قوله تعالى: من بعدهم من بعد إهلاكهم. وقوله ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد اسم الإشارة يعود الى الموحَى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان الرسل ومَن معهم، ولذلك جاء اسم الإشارة مفرداً مع أن المشار إليه اثنان. وقوله: لمن خاف مقامي معناه: موقفي الذي يقف به العباد بين يدي للحساب يوم القيامة. والمقام اسم مكان وأضيف الى ضميره سبحانه وتعالى، لكونه بين يديه سبحانه. وقوله: وخاف وعيد أي وعيدي بالعذاب الشديد.

إذن، فإن ذلكم التمكين والاستخلاف في الأرض ليس محاباة ولا جزافاً، إنما هو سُنة الله العادلة، وذلك الاستخلاف والإسكان لمن خاف مقام الله فلم يتطاول ولم يتعال ولم يستكبر، وخاف وعيده خوفاً شديداً، فحسب حسابه، واتقى أسبابه وغَلب خوفه على رجائه، ولم يفسد في الأرض، ولم يظلم فهو يستحق الاستخلاف حقاً. وفي نهاية مقالتي أريد أن أسأل سؤالاً واحداً وأترك للقارئ فرصة الإجابة عنه: هل المسلمون اليوم أهل للاستخلاف والتمكين وأهل لعمارة الأرض؟

ندعو الله أن يُمَكن لدينه ولعباده المؤمنين. والله أعلم بمراده، والحمد لله رب العالمين.

الإيمان بنصر الله

قول الرسل الكرام: ولنصبرن على ما آذيتمونا يظهر مدى إصرارهم على تبلغ رسالاتهم مهما كانت الصعوبات والعوائق، وكأنهم يريدون أن يقولوا: (لن نتوانى عن دعوتكم، ولن نضعف ولن نتزحزح، ولنستمرن على وعظكم ونصحكم، ولن نبالي بما لاقيناه منكم من أذى وبما سنلاقيه، فإننا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من عنت وإيذاء وتهديد احتساباً للأجر ونصحاً لكم، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير).

إنه الإيمان الراسخ، إيمان الواثق بنصر الله، إيمان المتوكل عليه حق التوكل، لا يبالي في سبيل نشر كلمة الله ودعوته بكل ما يتعرض له، وما يوجه إليه من اتهامات باطلة.

[email protected]