قال تعالى: ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد. واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (ابراهيم 14- 17).

ختمنا في المقالة السابقة بتأمل صياغة الآية الأولى في هذه المقالة، ونضيف على ما قلناه هناك في تفسير قوله تعالى: ذلك لمن خاف مقامي فاسم الاشارة ذلك يعود على الاهلاك والاسكان، أي ذلك الأمر حق ومحقق وثابت وهو الموحى به. والمراد من قوله مقامي موقفي وهو المكان الذي يقوم فيه الناس للحساب. ومعنى خاف مقامي خاف موقفي الذي يقف فيه العباد للحساب، أي خافني، والتعبير القرآني خاف مقامي ابلغ مما لو قيل: خافني، لأن قوله سبحانه خاف مقامي كناية عن نسبة، فهي ابلغ في اثبات الخوف من غضبه سبحانه، وبيان ذلك أن من خاف مقامه أي حسابه سبحانه فإن خوفه منه سبحانه لا شك سيكون أقوى وأبلغ. وقيل: ان لفظ المقام مقحم أي زيادة، وهذا قول ساقط، لأنه لا يوجد حرف في كتاب الله إلا وهو في موضعه الذي استدعاه السياق، وتطلبه المعنى، حتى وان كان مرادهم بالزيادة، الزيادة المعنوية أي الزيادة في المعنى، فلا ينبغي ان يطلق على أي حرف أو كلمة في القرآن أنه مقحم أو زيادة أو ما شاكلهما تأدباً مع كتاب الله تعالى، وتنزيها له. ومعنى وخاف وعيد خاف وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعد للكفار، وعطف جملة وخاف وعيد على جملة خاف مقامي، وأعيد الفعل خاف دون الاكتفاء بعطف وعيد على مقامي، لأن المرد التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله، فقد حسبوه عبثاً ولم يعبأوا به بدلالة قوله سبحانه: ويستعجلونك بالعذاب (العنكبوت: 53).

وفي قوله تعالى: ولنسكننكم الأرض من بعدهم ادماج بديع، حيث جمع في وعد المؤمنين وعيد الكافرين. وفي الجمع بينهما دلالة على أن من حق المؤمن ان يخاف غضب الله وألا يأمن مكره تعالى، وان يخشى وعيده، فهذا دأب المتقين الصالحين.

معاني الاستفتاح

أما قوله تعالى: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد فإننا نقف أمامه الوقفات الآتية:

- الاستفتاح هو طلب الفتح أي النصر. ويجوز ان يكون من الفتاحة وهي الحكومة أي القضاء والفصل، والجبار هو الانسان المتعالي المتعاظم الشديد الكبر، أو هو من يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها وهذا لا يقال إلا على طريق الذم، وهذا المعنى يطلق على الجبار في صفة الانسان، كما قال الراغب في مفرداته. والعنيد هو المعاند للحق، المخالف له. واختلفوا في مرجع الضمير في قوله تعالى واستفتحوا على اقوال: أحدها وهو أشهرها وأقواها : أنه عائد على الرسل الكرام، فالرسل عليهم السلام بعد أن استبشروا بوعد الله لهم بأنه -سبحانه- مهلك الظالمين بسبب ظلمهم، وبعد ان يئسوا من ايمان هؤلاء الظالمين سألوا ربهم النصر على اقوامهم، كقوله تعالى: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح (الانفال: 19). أو سألوه القضاء والحكم بينهم وبين اقوامهم كقوله تعالى: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (الاعراف: 89). والجملة في قوله تعالى: واستفتحوا معطوفة على قوله تعالى: فأوحى إليهم ربهم. ويؤيد هذا الرأي القائل بعود الضمير الى الرسل قراءة ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وابن محيصن واستفتحوا بكسر التاء أمر للرسل عليهم السلام، وعطفه على قوله تعالى: لنهلكن أي أوحى اليهم ربهم وقال لهم: لنهلكن وقال لهم استفتحوا، فيكون قوله: واستفتحوا بصيغة الأمر داخلاً تحت الموحى دون المحكى. والمعنى العام بناء على عود الضمير الى الرسل: واستفتح الرسل على أعدائهم فنصروا وفازوا بالمقصود وخاب الكفرة. وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وخاب الذين كفروا، ولكن عدل عنه الى كل جبار عنيد، للاشارة الى سبب خيبتهم وهي تجبرهم وعنادهم.

ثانيها: ان الضمير عائد على الكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق ورسلهم على الباطل، والمعنى: وطلب الذين كفروا النصر على رسلهم فخابوا في ذلك ولم يفلح استفتاحهم. والعطف حينئذ على قوله تعالى: وقال الذين كفروا لرسلهم أي قالوا ذلك واستفتحوا.

وأخر قوله تعالى: واستفتحوا عن قوله تعالى: لنهلكن وقوله فأوحى اليهم، للدلالة على ان الرسل لم يزالوا داعين الى أن تحقق موعود الله تعالى لهم من اهلاك الظالمين.

وقد تسأل: ما دلالة استفتاح الذين كفروا على رسلهم أي طلبهم النصر على رسلهم؟ ويجاب عنه: بأنهم لما قوي تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة امهالاً لهم منه سبحانه ظنوا ان ما قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء والسخرية كقول قوم عاد: فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (الاعراف: 70) وقول قوم شعيب: فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (الشعراء: 187).

ثالثها- ان الضمير في قوله واستفتحوا يعود الى الرسل عليهم السلام ومكذبيهم، لأن كلا الفريقين دعا الله بالنصر، وفتح الله للمؤمنين وخاب الكافرون. وقلنا إن ارجح الآراء الرأي الأول لمناسبته لظاهر السياق. وفي قوله تعالى: فاستفتحوا وخاب ايجاز بحذف الفاء الفصحية والمعطوف عليه، أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وسر الحذف الايماء الى سرعة اجابة الله دعاء رسله وأنه بمجرد انتهائهم من الدعاء كانت الاجابة بالنصر. اذن تستطيع ان تقول: ان قوله تعالى: وخاب كل جبار عنيد هو نتيجة الدعاء أو ثمرته.

عاقبة المتجبرين

والخيبة مطلق الحرمان أو فوت الطلب كما في قوله تعالى: وقد خاب من دساها (الشمس: 10) واسناد الخيبة الى كل منهم وخاب كل جبار عنيد للمبالغة في تعميم الخيبة على الكفرة. وهكذا يجب ان تكون عاقبة هؤلاء المتجبرين المعاندين. وبين سبحانه عاقبة كل جبار معاند وحاله في الآخرة فقال: من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ.

وقوله تعالى: من ورائه جهنم.. وصف لحاله في الآخرة حين يبعث. فوراء في الآية بمعنى بعد أي من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه. ومن شواهد استخدام وراء بمعنى بعد قول النابغة:

حلفت فلم اترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب

وكذلك معناها في قوله تعالى: ومن ورائه عذاب غليظ وقيل: من ورائه أي من أمامه وبين يديه، وكأن جهنم بين يدي الكافر وهو على شفيرها. ومن شواهد استخدام وراء بمعنى أمامه قول الشاعر:

ومن ورائك يوم أنت بالغه

لا حاضر معجز عنه ولا بادي

وقوله الآخر:

أليس ورائي ان تراخت منيتي

لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

ومنه ايضاً قوله تعالى: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (الكهف: 79) أي كان أمامهم. وعلى كل فإن استعمال وراء في هذين المعنيين المشار اليهما بناء على أنها من الأضداد أو المشتركات اللفظية عند بعض علماء اللغة ومنهم أبو عبيدة والأزهري. وقيل: إن اللفظ مستعمل في الدلالة على الزمان المستقبل مجازاً، حيث استعملت وراء في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول، والمعنى:

أن جهنم تنتظره، فهو صائر اليها بعد موته. وعطف قوله ويسقى من ماء صديد على محذوف قدره الزمخشري: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد.

ماء مخصوص

والتنكير في ماء للنوعية، فهذا الماء الذي يسقاه الكافر في النار ماء مخصوص لا كالمياه المعهودة. والصديد: هو ما يسيل من أجساد أهل النار من القيح والدم وهو غسالة أهل النار والعياذ بالله. وفي اعراب صديد وجوه أولها: أنه عطف بيان ل ماء بناء على مذهب الكوفيين في جواز عطف البيان في النكرات وهذا رأي الزمخشري. وفي ابهام الماء بتنكيره أولاً حيث قيل: ويسقى من ماء ثم بيانه بقوله تعالى: صديد تهويل وتخويف.

وثانيها: أنه نعت ل ماء ان اعتبر لفظ الصديد من المشتقات، فهو من الصد أي المنع من الشرب، وكأن هذا الصديد لكراهته مصدود عنه، أي يمتنع عليه كل أحد. والمعنى: أنهم يشربون الصديد نفسه المشبه للماء. ولما كان الصديد يشبه الماء فقد اطلق عليه ماء وليس بماء حقيقة، والمهم ان في جعل الصديد ماء تشبيها بليغاً في الاسقاء، لأن شأن الماء أن يسقى، وثالثها: ان يكون بدلاً من ماء ان اعتبر لفظ صديد جامداً، وعليه فإن اطلاق الماء على الصديد ليس من الحقيقة وإنما اطلق عليه باعتبار أنه بدله. والتعبير بالفعل المبني للمجهول يسقى للاشارة الى نزع اختيار المسقى وسلب ارادته في قبول الشرب أو رفضه. فهو إما مأمور بشرب الصديد والعياذ بالله أو مضطر الى شربه لعطشه الشديد. وفي تخصيص السقي من هذا الماء بالذكر من بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواع العذاب.

وجملة يتجرعه يجوز أن تكون صفة ل ماء، وأن تكون حالا من الضمير في يسقى، أو أن تكون مستأنفة وكأن سائلا سأل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه. والتجرع على صيغة تفعل ويدل على التكلف والتمهل أي أن هذا الكافر الجبار العنيد عندما يسقى هذا الماء الصديد فإنه يتكلف جرعه أي بلعه مرة بعد أخرى، فيبلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته. وقوله: ولا يكاد يسيغه في موضع الحال من فاعل يتجرعه أو من مفعوله أو منهما جميعاً.

والاساغة: انحدار الشراب الى الحلق بقبول النفس من دون غصة، وذلك اذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح، يقال: ساغ الشراب، وشراب سائغ. ومعنى لا يكاد يسيغه أي لا يقارب ان يسيغه فضلاً عن ان يسيغه بالفعل. فقوله ولا يكاد لنفي المقاربة يعني: ولم يقارب ان يسيغه فكيف تحصل الاساغة؟ وذلك نحو قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون (البقرة: 71)، وقوله تعالى: إذا اخرج يده لم يكد يراها (النور: 40). تأمل هذا العذاب الشديد للكافر فهو يسقى عنوة هذا الماء الصديد، أو يشربه مضطراً لشدة عطشه، ولكنه لا يقارب أن يسيغه بل يغص به فيشربه مضطرا جرعة بعد جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش، وتارة بشربه على تلك الحالة الشديدة. وعبر عن ذلك بالاساغة لأنها المعهودة في الأشربة.

مشهد فظيع

عن ابي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ويسقى من ماء صديد يتجرعه قال: يقرب اليه فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع امعاءه حتى يخرج من دبره ويؤيد هذا الحديث الشريف قوله تعالى: وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم (محمد: 15). وقوله تعالى: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (الكهف: 29) ففي تلك الحالة الفظيعة التي عليها الكافر في جهنم والعياذ بالله تحيط به أسباب الموت من الشدائد وأنواع العذاب، وتأتيه سكرات الموت ولكنه لا يموت فيستريح، بل ينتظره عذاب شديد متواصل الآلام من غير فتور، وهذا معنى قوله تعالى: ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ. والتعبير بمادة الاتيان وايثارها على مادة المجيء لسهولة وجود أسباب الموت أو آلامه بدليل قوله تعالى: من كل مكان فأسباب الموت متوفرة ومحيطة بهذا الكافر وهو في سجنه في جهنم من جميع الجهات، لذا كان من الملائم التعبير ب يأتيه.

وإسناد الإتيان إلى الموت استعارة مكنية، أو أن الكلام فيه إيجاز بحذف المضاف، والتقدير: ويأتيه أسباب الموت. والمراد بالعذاب الغليظ: الشديد القوي، ففي وصف العذاب بالغلظة استعارة تصريحية. والمقصود ان العذاب الذي ينتظر الكافر ليس بأخف مما هو فيه.

وبعد فقد صورت لنا تلك الكلمات الواصفة الكاشفة ذلكم المشهد الفظيع من مشاهد تعذيب ذلك الكافر المتغطرس العنيد والمشهد هنا عجيب، إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد. مشهد الخيبة في هذه الأرض، ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها، وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم، يسقاه بعنف فيتجرعه غصباً وكرها، ولا يكاد يسيغه، لقذارته ومرارته. والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات، ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان ولكنه لا يموت، ليستكمل عذابه. ومن ورائه عذاب غليظ. إنه مشهد عجيب يرسم الجبار الخائب المهزوم وراءه مصيره، يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع. وتشترك كلمة غليظ في تفظيع المشهد تنسيقاً مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين.

وأخيراً أدعوا الله العلي القدير الغفور الرحيم أن يحرم وجوهنا وأجسادنا على النار وأن يرزقنا الهداية وحسن الخاتمة إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عذاب متواصل

عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ويسقى من ماء صديد يتجرعه قال: يقرب اليه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع امعاءه حتى يخرج من دبره. ويؤيد هذا الحديث الشريف قوله تعالى: وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم (محمد: 15)، وقوله تعالى: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (الكهف: 29) ففي تلك الحالة الفظيعة التي عليها الكافر في جهنم والعياذ بالله تحيط به أسباب الموت من الشدائد وأنواع العذاب، وتأتيه سكرات الموت ولكنه لا يموت فيستريح، بل ينتظره عذاب شديد متواصل الآلام من غير فتور، وهذا معنى قوله تعالى: ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ.

[email protected]