منحك الأطباء دواءً يحميك من مرض مهدد للحياة، بيد أن آثاره الجانبية غير محتملة . ماذا تفعل؟ هذه هي المعضلة التي واجهتها البريطانية كارلي جيبسون وهي تتعافى من سرطان الثدي، الذي صعقها نبأ إصابتها به حينما كانت في التاسعة والعشرين من عمرها . وتقول كارلي التي تبلغ الآن من العمر 37 عاماً: أجريت عملية استئصال لكتلة الورم في الثدي وخضعت لمعالجة إشعاعية، وبعد ذلك أخبرني أطبائي بأنني بحاجة لأخذ عقار تاموكسفين (tamoxifen) .
تاموكسفين هو دواء يبطل مفعول هرمون الجنس الأنثوي أستروجين، الذي يدخل في تركيبة 80% من أورام الثدي السرطانية . ويأخذ مرضى سرطان الثدي حبّة منه يومياً ولمدة 5 سنوات في العادة بعد المعالجة لتقليل مخاطر معاودة السرطان .
وتقول كارلي: كنت شابة صغيرة وخائفة، وبالطبع، تناولته لكنني لم أجده سهلاً على الإطلاق .
وقد كانت كارلي محقة في وصفها لأنها في غضون بضعة أيام من مواظبتها على تناول العقار، بدأت تعاني فورات سخونة شديدة، وإرهاق وتبدلات مزاجية حادة .
وفي السنة الماضية، تجاوز عدد الوصفات الطبية التي توصي بأخذ عقار تاموكسفين، نصف مليون وصفة في المملكة المتحدة . وتشير التقديرات إلى أن آلاف النساء اللواتي لم يصبن بهذا المرض قد يأخذن هذا العقار قريباً .
ومؤخراً، أوصت هيئة صحية حكومية تعنى بالرقابة والعناية الصحية في المملكة المتحدة بمنح تاموكسفين مع عقار آخر مضاد للأستروجين يسمى رالوكسفين لجميع النساء اللواتي يوجد في تاريخهن الأسري حالات إصابة بسرطان الثدي، وأوصت الهيئة بأخذ هذه الأدوية كإجراء وقائي .
وقد قوبلت هذه الخطوة بترحاب في الأوساط الطبية لأنها ستمنح للواتي ورثن شبهة إصابة بالسرطان خياراً يمكن أن يجنبهن الجراحة التي سيستعضن عنها بابتلاع حبة يومياً . بيد أن الهيئة لم تأت كثيراً على ذكر الآثار الجانبية السيئة التي يمكن أن يخلفها هذا العقار على بعض النساء اللواتي يتناولنه .
والعلاج بعقار تاموكسفين يقلل كلفة معالجة النساء المصابات أو اللواتي يشتبه في إصابتهن بسرطان الثدي . ولا توجد شكوك بشأن إمكانية إنقاذ هذا العقار لحياة النساء، حيث إنه يقلل مخاطر سرطان الثدي بنسبة 40%، بيد أن بعض الخبراء ينوهون بآثاره الجانبية السيئة، ويتساءلون عن جدوى تناول النساء اللواتي يتصفن بصحة سليمة لمثل هذا العقار القوي للوقاية من مرض قد لا يصبن به مطلقاً .
وقد أصبح هذا العقار عقدة رهيبة للنساء اللواتي يقعن ضمن دائرة مخاطر الإصابة بالسرطان، وهذا ما اكتشفته كارلي جيبسون .
ولأنه يعمل على مستويات الأستروجين، فإن تاموكسفين يؤدي للإصابة بأعراض مماثلة لأعراض سن اليأس . فبعد فترة قصيرة من انتظامها في تناوله، بدأت كارلي تشعر بأن جسمها يتغير .
وتصف ذلك بقولها: في غضون أيام من بدء تناولي له، شعرت بأنني لست على ما يرام كلية، فقد بدأت تنتابني فورات حمى وتعرق ليلي، وشعور غريب بالبرد داخلي . وإضافة إلى ذلك أصبحت عاطفية للغاية وكنت أبكي كثيراً . وازداد وزني خاصة في منطقة البطن، وأنا أدرك أن زيادة الوزن قد لا تعد مشكلة كبيرة، لكنني كنت شابة عزباء، ولذلك كانت زيادة وزني مزعجة للغاية .
ولاحقاً، وبعد عامين، التقت كارلي بزوجها كريس وكانا يرغبان في الإنجاب وتكوين أسرة، ولذلك امتنعت عن أخذ عقار تاموكسفين لأنه لا ينبغي أن يؤخذ أثناء الحمل بسبب أنه يسبب الضرر لنمو المولود .
وبعد زواجها بفترة قصيرة حملت كارلي وأنجبت مولودتها ليديا . وفي تلك الفترة كان أطباؤها يحثونها على معاودة أخذ عقار تاموكسفين، لكنها كانت ترغب في الإنجاب مرة أخرى، ولذلك حملت مرة أخرى وأنجبت طفلها روان .
وحينما عاودت كارلي، على مضض، أخذ العقار، كرّت الآثار الجانبية عليها مرة أخرى وبقوة شديدة .
وتصف كارلي وضعها حينذاك بقولها: أسوأ شيء كان حالتي العاطفية، ففي بعض الأحيان كنت أوشك على الانهيار . ولعل ذلك كان بسبب تغير هرموناتي من ما بعد الإنجاب لسن اليأس، وكنت في حالة معنوية بشعة .
ويقول العلماء إن إخماد الأستروجين له علاقة بتدني الحالة المعنوية لأن الهرمون يسهم في إفراز السيروتينين، هرمون تحسين المزاج، ولذلك يعتبر الاكتئاب من الآثار الجانبية الشائعة للتاموكسفين .
وتقول كارلي: كنت أشعر بالتعب طوال الوقت، لكنني لم أتمكن من النوم بسبب نوبات التعرق الليلية، وبسبب كل هذه المتاعب، واجهت صعوبات في الاعتناء بطفلي، وكنت أفكر في الامتناع عن تناول الدواء، وقد حاول أطبائي إعطائي عقاراً آخر، لكن حالتي ازدادت سوءاً .
وفي تلك الفترة كان أطباء كارلي يحثونها على عدم التوقف عن أخذ تاموكسفين، وكانوا يقولون لها إنها بحاجة إلى المواظبة على أخذه لمدة خمسة أعوام أخرى لكي تحصل على أعلى مستوى ممكن من الوقاية، لكنها قررت الامتناع عن أخذه لأنها لم تعد تتحمل .
وتوضح كارلي بقولها: هنالك فوائد تتأتى من أخذ تاموكسفين . ولكني في النهاية، اتخذت القرار الذي رأيت أنه الأنسب بالنسبة إلي . وقررت أن استقامتي العقلية ونوعية حياتي مع زوجي كريس وأبنائي تشكلان الأهمية الكبرى .
وتضيف: أحسست بأنني منحت فرصة رائعة لإنجاب أطفال، لكنني لم أكن قادرة على الاستمتاع بها . ونظراً لأنني كنت شابة يافعة، فقد كان تركيزي منصباً على الحفاظ على مظهر جسدي وثديي، لكنني أتمنى الآن لو كنت أجريت عملية استئصال الثدي، لأن أخذ العقاقير كان أسوأ كثيراً . يقولون إن تاموكسفين يحول دون إجراء عملية استئصال الثدي، لكنه لا يحول دون إصابتك بالقلق والهموم .
وقالت البارونة ديليث مورغان، مديرة حملة دعم مرضى سرطان الثدي بالمملكة المتحدة: قد يبدو مذهلاً أن يتخلى شخص عانى السرطان من عقار وقائي . بيد أن تاموكسفين ليس الدواء الذي ترغب المرأة العادية في تناوله .
وأضافت: الإرشادات الجديدة التي أصدرتها هيئة الرقابة والعناية الصحية، تعد خطوة متقدمة في معالجة سرطان الثدي، بيد أن أخذ دواء مضاد للأستروجين ويتسم بآثار جانبية، يعتبر بالنسبة إلى امرأة تتمتع بصحة جيدة، قراراً صعباً للغاية . والإرشادات الجديدة ليست موجهة لناقلي جينات BRCA 1 و2 المعيبة، ولكن الخبراء يقولون إن هؤلاء النساء تزداد أرجحية اختيارهن لإجراء عملية استئصال الثدي الوقائية، مثلما فعلت المذيعة والموسيقية الشهيرة شارون أوزبورن، ومؤخراً النجمة أنجلينا جولي . وهذا يعزى لمخاطر السرطان الكبيرة التي تصل نسبتها إلى 80% التي تحملها هذه الفئة، ولذا فإن عقاراً يقلل المخاطر بنسبة تصل إلى 40% لن يكون كافياً لإراحة بالهم . وغالبية السرطانات التي يسببها جين BRCA 1 هي أيضاً لا تغذى بالأستروجين، ولذلك لا يكون لتاموكسفين تأثير فيها .
وآثار تاموكسفين الجانبية تشمل فورات حمى وقصوراً جنسياً وأعراضاً هيكلية عضلية كالتقلصات والآلام . وإلى جانب ذلك يرفع العقار مخاطر الخثرات الدموية وسرطان الرحم .
وقد وجدت دراسة نشرت في مارس/آذار الماضي، وشملت 3300 من مرضى سرطان الثدي، أن نصف السيدات اللواتي يأخذن عقار تاموكسفين بموجب وصفة طبية لفترة خمسة أعوام، إما توقفن عن تناوله، أو أخذن أقل من الجرعات الموصوفة ابتداءً من السنة الثالثة من العلاج .
وتقول البارونة مورغان: لقد تبين لنا من خلال هذه الدراسة، أن النساء في الغالب لا يأخذن تاموكسفين بما يتفق مع الوصفة الطبية .
وقد يعزى ذلك لعدم حصولهن على المنافع التي قيلت لهن، أو بسبب نسيانهن، ولكن ثمة تساؤل حقيقي يتعلق بمدى سهولة تحمل تاموكسفين .
ويرى الخبراء أن النساء اللواتي قررن أخذ العقار بغرض الوقاية، سيكملن على الأرجح دورتهن العلاجية .
ولكن بالرغم من قلقهن بشأن المخاطر، بسبب معايشتهن لمعاناة أفراد من أسرهن، وفي بعض الحالات وفاة هؤلاء الأقارب، أظهرت دراسات أن كثيراً من النساء لا يزلن متخوفات من الآثار الجانبية لتاموكسفين .
وفي تجربة بحثية مستمرة تشارك فيها 1700 امرأة من مانشستر لديهن تاريخ إصابة أسري بسرطان الثدي، قررت 12% فقط منهن تناول تاموكسفين حينما عرض عليهن تناوله .
ويقول البروفيسور توني هاول، مدير منظمة الوقاية من سرطان الثدي الخيرية الذي يشرف على هذه التجربة البحثية: يعتمد الأمر على التجارب والخبرات الشخصية . فبعض النساء يقلن إن أمهاتهن تناولن تاموكسفين لكنهن على أية حال توفين بسبب السرطان . البعض منهن كن متخوفات للغاية من الآثار الجانبية، لكن 80% من جملة من كن يأخذن العقار، واظبن على تناوله .
وقال البروفيسور هاول إن العوامل التي تؤثر في قرار المرأة قد تتفاوت وفقاً أو بناءً على عمرها . وأعراض سن اليأس التي يحفزها تاموكسفين قد يكون لها تأثير أكبر على امرأة اصغر سناً مقارنة بامرأة تختبر التغيرات المصاحبة للوصول لسن اليأس .
والبريطانية أليسون مورتون، وهي أم لثلاثة، يمكنها تجسيد هذا الوضع، فقد منحها الأطباء هذا العقار بعد إصابتها بسرطان الثدي في العام 2007 وحين ذاك كانت في سن ال 44 . وبعد 50 يوماً، توقفت عن أخذ تاموكسفين لأنها وجدت أن الأعراض الجانبية غير محتملة .
وتصف أليسون حالتها في تلك الفترة بقولها: كان الأمر أشبه بقذفي نحو سن اليأس . كنت أستيقظ من النوم مرتين أو ثلاثة في الليلة الواحدة، وأنا مبللة تماماً، وكنت أضطر لتغيير الأغطية والشراشف .
وتضيف: لقد سبب تاموكسفين لي إرهاقاً وهبوطاً في معنوياتي أيضاً . كنت أشعر بغبن وحنق شديدين، إذ سبق لي أن أجريت عملية استئصال للثدي وللغدد الليمفاوية . بالتأكيد عانيت كثيراً .
وقد واظبت أليسون بعد ذلك على عقار مختلف يسمى مثبط أروماتاز . وهذا العقار يوصف أيضاً للوقاية من سرطان الثدي بإغلاقه للأستروجين، بيد أن براهين نجاعته تبدو قليلة عند مقارنتها بتاموكسفين . وقد اكتشفت أليسون أنها تتحمل هذا العقار بسهولة أكبر وواظبت على تناوله خمسة أعوام .
ولكن، كيف يقرر الأطباء أي امرأة ينبغي إعطاؤها تاموكسفين أو غيره بغرض الوقاية؟
هذا قرار يؤخذ على أسس تقديرات لمخاطر إصابتهن بالسرطان، وهذه التقديرات تقديرية، وليست دقيقة كما تقول البروفيسورة ديانا إكلس، أستاذة جينات السرطان في جامعة ساوثمبتون بالمملكة المتحدة .
وتوضح الدكتورة إكلس بقولها: نحن نجري تقييماً لمستوى الخطر بناءً على ظروف وحالة الفرد، لكننا ندرك أن معلومات كثيرة قد لا تكون متوافرة، ودرجة مخاطر الفرد ستعتمد على أشياء أخرى كثيرة . وهي قد تشمل أسلوب أو نمط الحياة .
هؤلاء قد يكونون أناساً يتمتعون بصحة جيدة . حينما تكون فرص إصابتك بالسرطان 40%، فإن هذا يعني أن فرص عدم تعرضك له تصل إلى 60% .
وهذه فرصة نجاة حظي بها كثير من الناس، وبالنسبة لبعض النساء قد تكون لتاموكسفين بعض الآثار الجانبية غير المتوقعة، وبعض هذه الآثار قد تكون جيدة . فجولي أرمسترونغ التي تبلغ من العمر 45 عاماً، تعاطت تاموكسفين فترة بلغت عاماً، وكانت هذه الفترة جزءاً من تجربة البروفيسور هاول . وكانت والدة جولي قد أصيبت بسرطان الثدي حينما كانت في سن ال 58 وبعد 3 أعوام شخصت إصابة خالتها بالمرض نفسه .
وتقول جولي: كنت قلقة لأنني كنت أتعرض كثيراً لدورات طمث ثقيلة وألم في الثدي أيضاً . ولذلك أحالني طبيبي لعيادة مختصة بالتاريخ الأسري الطبي . ولحسن الحظ، أظهرت الفحوص عدم إصابتي بتشوه جين BRCA 1 أو ،2 بيد أن الأطباء في العيادة قالوا إنني قد أكون مصابة بجين سرطاني آخر لم يكتشف حتى الآن .
وعلى إثر ذلك، بدأت جولي تخضع لفحوصات ومن ثم، وفي شهر إبريل/ نيسان من العام الماضي، استفسر منها الأطباء في العيادة عما إذا كانت ترغب في أخذ تاموكسفين لتقليل مخاطر إصابتها بسرطان الثدي .
وتقول: تاموكسفين غير حياتي تماماً . فقد أنقصت مقاس حمالة صدري ثلاث مرات في غضون شهرين فقط، وتقلصت آلام الثدي التي كنت أعانيها كثيراً، وتلاشت أعراض المتاعب التي تسبق الوصول لسن اليأس التي كانت تعتريني . وتضيف: كنت أصاب بفورات حمى البعض منها كان حاداً للغاية . كنت دوماً امرأة تتأقلم مع الظروف . كنت أدرك أن العقار يحميني من السرطان .
ولكن لسوء الحظ، اكتشفت جولي أن مرض إريسيما نودوسوم erythema nodosum وهو مرض جلدي يسبب عقداً لحمية مؤلمة في الساقين، بدأ يتفاقم .
وتقول جولي: البروفيسور هاول قال لي إن مواظبتي على أخذ تاموكسفين لن تكون في مصلحتي . وعوضاً عن الاستمرار في تناوله، قررت إجراء عملية استئصال لمبايضها، لتقليل مستويات الأستروجين .
لقد رسخت تجارب هؤلاء النساء المختلفة، قناعة الدكتورة إكلس بأن هذا العقار لا يصلح للجميع .
وتقول البروفيسورة إكلس: من المهم ألا يتم إقحام الناس في شيء، إذ لا بد من إتاحة خيار معلوم .
وقد امتنعت كارلي جيبسون عن أخذ تاموكسفين عامين، لكنها لا تزال تعاني نوبات تعرق ليلي وإفراز دموي غير منتظم .
وتوضح كارلي قائلة: السرطان مرعب، وبالطبع، يرغب المرء في حماية نفسه منه، لقد واظبت على أخذ تاموكسفين أطول فترة ممكنة، وأدرك أنه قد يكون أنقذ حياتي . لكنه يجعلك تشعر بأنك بشع ومنهك . وفي النهاية، قررت أن الأفضل بالنسبة إلي أن أحظى بحياة تستحق العيش .