سارت الشعرية العربية مخترقة الزمان والمكان، وامتلأت مسيرتها الطويلة بالتحولات الصاعدة والهابطة، وبرغم الصعود والهبوط، أسست ابداعها على ركائز أساسية حافظت عليها في كل مراحلها التحولية، وصارت هذه الركائز محددة لجوهرالشعرية العربية، وهذه الركائز هي: الايقاع الموسيقي (العروض الخليلي)، واللغة (نقصد اللغة الشعرية)، والتخييل (أي الطاقة الداخلية المنتجة للتوهم والتوقع)، والمعنى (وقد جاء رابعاً، لأن أهميته ليست ذاتية، وإنما أهميته في كيفية انتاجه).

(1)

إذا كان الشعر العربي القديم قد حافظ على الترتيب الذي قدمناه فإن مرحلة الإحياء - أيضاً - قد حافظت على هذه الرباعية بالترتيب نفسه، ثم جاءت الرومانسية لتعدل في الترتيب، وتقدم الخيال على سواه من الركائز، وفي مرحلة التفعيلة، حدث تعديل مزدوج: إذ نابت التفعيلة عن البحر، وتقدمت اللغة على سواها من الركائز، أما المرحلة الأخيرة، مرحلة قصيدة النثر فقد تم اسقاط العروض نهائياً، واعتمدت ركيزتين فقط: اللغة والخيال.

(2)

اللغة أصبحت هي الركيزة الأولى في زمن الحداثة، ونظر إليها الشعراء بوصفها إحدى مبتكراتهم، لا بوصفها ميراثاً مقدساً، وهم في ذلك كانوا على وعي بموقف الشعراء منها، وبخاصة مغامرات أبي تمام التي جعلت ابن الأعرابي يقول عن شعريته: إن كان هذا شعراً، فما قالته العرب باطل.

إن الوعي الحداثي باللغة كان مغايراً لما كان عليه الوعي القديم الذي كان يراها وسيطاً بين المبدع والمتلقي، ومع الحداثة، أصبح الوسيط طرفاً أصيلاً، اذ اصبحت مهمة الشعر توصيل لغته ذاتها، فالذي يتكلم في الشعر هو صياغته التي تقدم نفسها للمتلقي على نحو فريد، مما يعني ان الجماعي تحول الى فردي، وبحق هذه الفردية صار من حق المبدع أن يغامر مع اللغة، وأن يدفعها للتعبير عما لم تتعود التعبير عنه، ويطوعها لمهام لم تكن من مهمتها أصلاً، وأصبح من العبث عند الشعراء توظيف اللغة شعرياً فيما يمكن ان يعبر عنه في صيغة نثرية.

(3)

لا شك أن أكبر مغامرة لشعرية الحداثة، كانت مع الموسيقا العروضية التي ظلت محافظة على حضورها الكامل مع البناء العمودي، وحضورها النسبي مع البناء التفعيلي، وجاء إهدارها مع قصيدة النثر، اذ من الواضح ان الجيل الأخير لشعرية الحداثة لم يعد يعطي اهتماماً كافياً لموسيقا العروض، لأنه يرى فيها قيداً على شعريته، يحاصر طاقته الابداعية، اذ هو هيئة صورية غير قادرة على تحقيق التمايز بين الشعراء من ناحية، وغير قادرة على استيعاب مغامرتهم من ناحية اخرى.

وأعتقد ان المقدمات التي لازمت الشعرية في مسيرتها الطويلة كانت تنبىء بهذه النتيجة، اذ أخذت هذه الشعرية في انتهاك الموسيقا العروضية، ونحن نرجح ان ما رصده الخليل بن أحمد من ظواهر العلة والزحاف وتوابعهما، كان نوعاً من الخروج على النسق المثالي للبحور كما صورها الخليل، ومن التزيد ان نعيد هنا نماذج بعض هذا الخروج العروضي الذي أقدم عليه كبار الشعراء وصغارهم في القديم والحديث.

ومثل هذه التجاوزات العروضية، كانت شبيهة بالتجاوزات اللغوية فيما سمي الضرورات الشعرية فالضرورة نوع من انتهاك قانون اللغة، والعلة والزحاف، نوع من انتهاك قانون العروض، وكلاهما لم يكن له قانون محفوظ في التراث، لكنهما كانا في الوعي الفطري للشعراء على وجه العموم.

وقد استمر الانتهاك العروضي مصاحباً لمسيرة الشعرية العربية وصولاً الى مرحلة التفعيلة اذ استخدم بعض التفعيليين تفاعيل لم يعرفها العروض الخليلي، وبتروا بعض التفاعيل، وداخلوا بينها على نحو غير مسبوق، أي ان الجيل الأخير من شعراء الحداثة وجد أمامه دعوة خفية الى مواصلة مغامرة الانتهاك، بوصفها حقاً شرعياً مارسه السابقون جميعاً في القديم والحديث، وبما أنه لم يجد أمامه مساحة عروضية مناسبة يمارس فيها مغامرته، أقدم على هجر البحر والتفعيلة، رافعاً شعار أبي العتاهية: أنا أكبر من العروض.

(4)

والملاحظ ان كل مرحلة شعرية، كان لها منطقة بدء، ومنطقة وصول، وبينهما مارست مغامرتها التجريبية في اعتدال حيناً، وفي غلو حيناً آخر، فالاحيائية تراجعت بمنطقة البدء الى التراث الشعري، مستعيدة قوالبه وتقاليده، وبخاصة وحدة الوزن والقافية مع فضل اضافة تجديدية محدودة، فمنطقة البدء هي منطقة الوصول عندهم، ومن منطقة الوصول السابقة، بدأ الرومانسيون مغامرتهم مع الايقاع الموسيقي بالنظر فيما بين أيديهم من شعر الاحيائيين، فتركوا الوزن على حاله التي كان عليها، واتجه تجديدهم الى القافية، وانتهكوها في حماية مصطلح المقطوعة الذي أتاح لهذه القافية بعضاً من الحرية التي اكتسبتها قديماً في حماية الموشحات والمربعات والمخمسات الى آخره، ومن ثم لم تكن المغامرة في هذا السياق ذات خصوصية، وإنما جاءت الخصوصية في حماية مصطلح آخر هو: الشعر المرسل الذي غابت فيه وحدة القافية نهائياً، وقد مارست مدرسة الديوان هذا الابداع على هذا النحو في بعض نماذجها، وإن تحفظت عليه نظرياً.

وجاءت مرحلة التفعيلة لتبدأ مغامرتها من منطقة الوصول السابقة عليها، فوثقت تحرير القافية وتنوعها، ثم انتهكت الوزن باستخدام نظام التفعيلة، وفي الحق أنها لم تحترم التفعيلة احتراماً كاملاً، وجاء الجيل الأخير من الشعراء، فوجدوا ان المغامرة السابقة قد انتهكت كلا من الوزن والقافية، ومن ثم انغلقت أمامهم مساحة المغامرة مع الموسيقا العروضية، فأقدموا على هجرها في حماية مصطلحهم الجديد (قصيدة النثر).

الحداثيين قد هجروا العروض لمجرد تحقيق المغايرة مع السابقين، بل ان هجرهم له كان مؤسساً على عقيدتهم الابداعية، حيث نظروا الى الموسيقا العروضية بوصفها بناء استهلك نفسه في تكرارية لم تعد شاغلهم، فشاغلهم هو التفاعل الداخلي وتسلطه على العالم الحاضر والغائب، وهذا دفعهم الى البحث عن ايقاع طارىء، خارج قانون الحركة والسكون وخارج نظام البدء والختام فإيقاعهم لا يعرف إلا البدايات التي تسلم الى سواها من بدايات، ولا يعرف الا الايقاع الذي يلتحم بالبناء التركيبي والدلالي، لا يكون سابقاً له، ولا لاحقاً عليه.

(5)

إن الحوار حول قصيدة النثر لم يتوقف، وفي كل مرة يتجدد الحوار تحضر مقولة الشكل أي البناء الموسيقي، فمعظم رافضي قصيدة النثر أسسوا رفضهم على الربط بين الشكل والموسيقا، وهو ما يعني ان الايقاع أصبح هدفاً في ذاته، وفي يقيني ان هذه العقيدة الابداعية تتنافى مع العقيدة الشعرية للعربية منذ ان كان الشعر ديوان العرب حتى اليوم، اذ ان هذه العقيدة قدمت الايقاع بوصفه أداة، لا بوصفه هدفاً، ومن حق كل شاعر ان يختار الأداة التي تناسب ما يعزفه، اذ لو صحت العقيدة بأن الموسيقا هدف، لكانت ألفية ابن مالك أعظم عمل شعري في مسيرة الشعر العربي.

والشيء اللافت في هذا السياق، أن شعراء كل مرحلة كانوا يتسابقون في تجاربهم ومغامراتهم، وعندما يشعرون ان المغامرة قد وصلت الى ذروتها، يتوقفون ويطالبون غيرهم بالتوقف عند الحدود التي وصلوها، وكأن المغامرة والتجريب حق لهم وحدهم، وكل من اجترأ على المغامرة بعدهم اتهموه بالمروق.

والواضح ان معظم الرفض لقصيدة النثر قد صدر من شعراء التفعيلة، فوصفها بعضهم بالشعر المارق تارة، والشعر الناقص تارة أخرى، وبرغم ذلك أغوت هذه القصيدة بعض هؤلاء التفعيليين، فمنهم من هاجر إليها واستقر فيها، مثل أدونيس وسعدي يوسف، ومنهم من توقف وأطال الوقوف عندها، مثل نزار قباني الذي أنتج على نهجها ديواناً كاملاً (مائة رسالة حب) عام ،1970 وإذا كان نزار قد توقف وأطال الوقوف، فإن محمود درويش قد توقف توقفاً مؤقتاً، وأنتج في رحابها قصيدته مزامير وهي قصيدة طويلة تبلغ اربعمائة وتسعين سطراً، وهو ما يعادل ديواناً كاملاً من دواوين قصيدة النثر.

وهناك بعض الراسخين في التفعيلة من وقعوا في هذه الغواية، واصبحوا من شعراء القصيدة الواحدة، منهم محمد ابو سنة، وقصيدته رسالة الى الحزن من ديوانه تأملات في المدن الحجرية عام ،1979 وفاروق شوشة في قصيدته أوراق لندنية وعبدالمنعم عواد يوسف في قصيدته لقاء معه.

(6)

إن الموضوعية تتيح لنا وقفة مؤقتة مع جمهرة شعراء قصيدة النثر في مرحلتها الاخيرة، اذ الملاحظ ان بعضهم اوغل في مغامرته التجريبية، ظناً منهم ان هذا الايغال سوف يعطيهم خصوصيتهم، لكن المؤسف ان الايغال تحول الى انفلات، وهو ما يمكن ان يقود الى العشوائية، وقد تبدت مظاهر ذلك في تمرد قصيدة النثر على نفسها، على الرغم من انها في ميعة شبابها، وهذا التمرد كان إيذاناً بدخول هذه القصيدة مرحلة جديدة، وخطورة ذلك ان المرحلة الحاضرة لم تقدم كل عطائها بعد، ومن ثم يكون ذلك حكماً على ان قصيدة النثر قد بلغت شيخوختها وهي في ريعان شبابها.

إن الملاحظ في الزمن الأخير اهتزاز مصطلح قصيدة النثر ووصلت العلاقة بين طرفيها الى عكس القضية، اذ تحول المصطلح من قصيدة النثر الى نثر القصيدة وبعد ان كانت العقيدة الابداعية لأصحابها انتاج نص شعري مشبع بطاقة نثرية، اصبحت العقيدة: إنتاج نص نثري مشبع بطاقة شعرية.

إن إيغال قصيدة النثر في النثرية، جعل السرد في مقدمة تقنياتها، بعد ان كان مجرد تقنية من تقنياتها ليس له تقدم عليها، وهنا يمكن القول: إن النثرية اصبحت صاحبة السيادة، لأن السرد لا يحسن التعامل إلا مع ثنائيات العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والمقدمة والنتيجة أي بالتسلسل الذي يحكمه الزمن والعقل والمنطق، وكل هذا يهبط بالشعر الى النثر الخالص.

بحث مقدم في ملتقى الشارقة للشعر العربي