هل أهدر الإسلام كرامة المرأة وميز الرجل عليها من خلال تشريعه لتعدد الزوجات كما يردد خصوم الإسلام في الغرب ومن يسير على خطاهم في بلادنا العربية والإسلامية؟ ولماذا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا العدد من النساء؟

إن فلسفة تعدد الزوجات في الإسلام تتردد على ألسنة الكثيرين وتختلط فيها الأوراق وتتوه الحقائق وسط مغالطات البعض، ما يستوجب توضيح الحقائق الإسلامية المتعلقة بالتعدد عامة وتعدد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة .

د .آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية توضح فلسفة الإسلام في تعدد الزوجات فتقول: الزواج صلة شرعية بين الرجل والمرأة تسن لحفظ النوع وما يتبعه من النظم الاجتماعية . وشريعة الإسلام في نظام الزواج لم تنشئ تعدد الزوجات، ولم توجبه، ولم تستحسنه، بل كان أمراً سائداً في الملل القديمة قبل بزوغ شمس الإسلام، فوجد عند الرومان والفرس والهند، كما وجد عند العرب، ولم يكن التعدد عند هذه الأمم محدودا بعدد، بل كان من حق الرجال أن يتزوجوا من النساء ما يشاءون من العدد بلا مبرر للتعدد، بل اتباعاً لأهوائهم مع ما كان لهم من حق الطلاق متى شاءوا، وتبديل زوجة بأخرى في أي وقت إن أرادوا، فكانت حريتهم في التعدد غير مقيدة بقيود، ولم يكن في قوانين تلك الملل ما يردع الناس عن ذلك العمل الجائر، الذي كان يأباه بعض من لهم ضمير يقظ .

شروط قاسية

وتضيف: لم يكن الإسلام أول دين يبيح تعدد الزوجات ولم يبتكر هذا النظام، بل كان أول دين ينظم شؤون الزواج، ويحدد تعدد الزوجات بقيود شديدة وشروط قاسية، وقد اتبع الإسلام في تشريعاته الجديدة أسلوب التدرج في القضاء على العادات السيئة السائدة في المجتمع، فمن الصعب القضاء على عادات وتقاليد متأصلة منذ عصور سحيقة دفعة واحدة .

والإسلام في تشريعه لتعدد الزوجات كما تقول د .آمنة لم يرتكب خطيئة كما يظن أو يتوهم البعض من غير المسلمين الذين يجهلون مقاصد وأهداف شريعة الإسلام، أو من المسلمين الذين انخدعوا وانساقوا وراء الأكاذيب والشبهات الغربية .

فالإسلام في تشريعه للتعدد يستهدف تحقيق مقاصد شرعية واجتماعية وإنسانية، فهناك نوع من الرجال لا يمكن أن يكتفوا بزوجة واحدة وعندما يغلق باب العفة المشروع في وجه هؤلاء تفتح أمامهم كل أبواب الحرام، وهذا ما يحدث الآن في الغرب الذي تعدد فيه الخليلات .

وقد تكون الزوجة مريضة أو غير قادرة على الإنجاب وتلح عاطفة الأبوة على الزوج فيفكر في زوجة أخرى وهذا حق غريزي لا يستطيع أحد أن يحرمه منه . وهنا يكون السؤال المهم: أيهما أفضل للمرأة أن يتزوج عليها زوجها ويحافظ عليها كزوجة لها كل الحقوق، أم أن يطلقها لتعيش وحيدة ويرتبط هو بأخرى؟

قواعد وضوابط

والإسلام في تشريعه لتعدد الزوجات لم يترك أمر الجمع بين أكثر من زوجة مباحا أو حقا مطلقا للرجل من دون قواعد وضوابط، بل جاء كما يقول د . علي جمعة مفتي مصر بقيود ووضع شروطاً تضمن أن يحقق هذا التشريع أهدافه، وتحد من الرغبات والشهوات المحمومة التي تسيطر على صنف من الرجال لا يعرفون للزواج قدسية ولا يستهدفون من وراء زواجهم الاستقرار النفسي والعاطفي والوجداني والاجتماعي وتحقيق مقاصد الإسلام من الزواج ومن بينها إنجاب الذرية .

ومن بين القيود والضوابط التي جاءت بها شريعة الإسلام لتنظيم التعدد أن يكون الزوج قادراً على الجمع بين أكثر من زوجة، والقدرة هنا تشمل القدرة المادية والقدرة على القيام بالواجبات الزوجية، فالرجل الذي لا يستطيع القيام بواجباته الزوجية مع زوجته لا يحق له شرعاً أن يرتبط بزوجة أخرى .

والرجل الذي لا يستطيع أن يعدل بين زوجاته لا يحق له أن يجمع بين أكثر من زوجة .

وهنا يؤكد مفتى مصر أن الإسلام مع البيت الذي يجمع بين زوجين فقط، حيث يعطي كل منهما ميثاقاً غليظاً على الحب والإخلاص والثقة . ولكن إذا كانت هناك ضرورة نفسية أو اجتماعية تتطلب أن يجمع الرجل بين أكثر من زوجة فلابد من أن يقول الجميع سمعاً وطاعة فالذي شرع التعدد وحدد قواعده وضوابطه هو الخالق الذي يدرك طبيعة الإنسان وحاجاته النفسية والاجتماعية .

زوجات الرسول

سألت د . أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر : عن تعدد زوجات صلى الله عليه وسلم: لقد تزوج رسول الله صلوات الله وسلامه عليه زوجته الأولى (السيدة خديجة) عندما بلغ سن الخامسة والعشرين وكان عمرها حينئذ أربعين سنة، وكانت قد تزوجت قبله مرتين، وقد أنجب منها معظم بناته وأبنائه، وعاش معها وحدها حتى توفيت فحزن عليها كثيراً، وظل لفترة من دون زواج، حتى عرض عليه أن يتزوج بأخرى، فاعتذر لحاجة بناته الصغيرات إلى الرعاية، فاقترح عليه أن يتزوج سودة بنت زمعة، أرملة أحد صحابته، ولم يعرف عنها أنها كانت ذات جمال .

وبعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وابتداء من سن الرابعة والخمسين بدأت مرحلة تعدد زوجاته لأسباب معروفة تماماً، وهي كلها بعيدة عن الجانب الجسدي أو الشهواني المزعوم، فبعضها يرجع إلى عوامل اجتماعية إنسانية كانت ومازالت معترفاً بها في البيئات البدوية التي يسودها النظام القبلي، ومن أمثلة هذه الزيجات زواجه من السيدة عائشة ابنة صاحبه الأقرب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والسيدة حفصة ابنة صاحبه الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وواحدة من اليهود (السيدة صفية) وواحدة قبطية (السيدة مارية) من مصر، وقد أسلمتا بعد زواجه منهما، وكان لهذا الزواج آثار حميدة في تأليف القلوب، وهناك عامل تشريعي وراء زواجه من زينب بنت جحش، التي كانت متزوجة من متبناه زيد بن حارثة، وكانت عادة العرب تقضي بعدم زواج والد المتبنى من زوجته بعد تطليقها، فجاء الأمر القرآني للرسول صلى الله عليه وسلم بالزواج من زينب لإبطال هذه العادة .

ويأتي العامل الإنساني متمثلاً في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من بعض النساء اللاتي مات أو قتل أزواجهن، ولم يكن لهن عائل ومن المعروف أنه في البيئة البدوية يكون من الصعب جداً أن تعيش امرأة بمفردها من دون عائل يرعاها، ومن الثابت أن بعض هؤلاء النساء كن مسنات، وغير مرغوب في جمالهن على الإطلاق، ما يؤكد أن العامل الإنساني كان وراء زواج الرسول صلى الله عليه وسلم منهن .