ما فائدة الكمبيوتر للإنسان المتعلم؟ هل يزيد من قدراته العلمية الذاتية وملكاته الذهنية؟ وهل أن احلام المخططين لتوفير كمبيوتر شخصي لكل مقعد دراسي لها ما يبررها أم أنها مجرد تهافت من تأثير الكمبيوتر كظاهرة أكثر منه كعامل تغيير؟ إنه تساؤل مهم يستثير الكثيرين من المثقفين بين مريد للكمبيوتر وآخر غير مبال به.

وقبل الخوض في رؤية المتحفظين على هذه الثورة التكنولوجية، لا بد لنا ان نقف أمام كنه التغيير التكنولوجي الذي يحدث بصورة عامة نوعين من التغييرات:

الأول: تغيير يؤدي الى القيام بالأمور نفسها إنما بصورة اسرع وبأقل كلفة والثاني تغيير يؤدي الى القيام بأمور جديدة بل وأحياناً يحولنا الى اشخاص مختلفين الى حد ما.

فثورة الغزل والحياكة في مطلع القرن التاسع عشر، احدثت تغييراً اقتصادياً كبيراً في كل من اوروبا وامريكا الشمالية لكنها لم تؤد الى أية ثورة اجتماعية، وفي المقابل احدثت شبكات سكك الحديد تغييراً جذرياً في ذهنيتنا تجاه الزمن والمسافة والسفر وأدت الى تغييرات بنيوية في الاستخدام التجاري والسكني لعامل المكان، كما وان الخدمات البرقية والآلات الكاتبة جعلت الاتصالات في ميدان الأعمال أكثر فعالية. وعندما تم اختراع الهاتف توافر المزيد من التفاعل البشري اللحظوي.

أما على صعيد الرؤية المستقبلية للكمبيوتر فنلاحظ ان هناك خطوطاً واضحة مرسومة بين ما يرى في معالجة البيانات كأداة تتيح لنا مجالاً لاتمام أعمالنا بصورة أفضل وهو ما شكل تحولاً تكنولوجياً، وبين من ينظر الى الكمبيوتر كإطار لمجتمع معلوماتي جديد، وهو ما يعتبر تغييراً في المفاهيم وليس تحولاً تكنولوجياً فحسب. ويلاحظ ايضاً ان الذين يتوقعون تغييرات جذرية عميقة جراء تعميم ثورة الكمبيوتر، هم ميالون الى التفاؤل في شأن هذه النتائح في حين ان الذين يبدون تحفظاً عليها، هم أكثر قلقاً بسبب إمكانية الاستغلال السيئ لهذه الأداة.

ثورة ثالثة

ويقف على سبيل المثال هربرت سايمن وهو أحد كبار خبراء العلوم الكمبيوترية وعلم النفس، في صف المتفائلين حيث تحدث عن ثورة معلوماتية ثالثة على غرار ثورة الطاقة التي مهدت السبيل للمجتمع الصناعي. وقد رأى سايمن أنها ثورة ثالثة باعتبار أن الثورة المعلوماتية الأولى تجلت في ظهور الكتابة والثورة الثانية تمثلت في الطباعة.

لكن مما يثير الدهشة ان الذين رأوا أن الطباعة هي أحد الابتكارات الكبرى في التاريخ، غدوا قلة، فعلى سبيل المثال يقول ادوارد تانر المحرر العلمي لمطبوعة جامعة برنستون وأحد خبراء التربية ان هناك أدلة مهمة على أن الكتاب المطبوع لم يحدث تغييراً فورياً في ذهنية البشر لا على صعيد النخبة ولا على المستوى الشعبي، لأن الكتب المطبوعة ظلت في أول عهدها باهظة التكاليف. وعلى الرغم من انتشار المكتبات وتوسعها إلا أنه لا يمكننا ان نقول إنها احدثت ثورة.

ويرى تانر أن التغيير في العقلية حصل قبل ثورة غوتنبرغ الطباعية ومن دون أية تكنولوجيا جديدة فبمجرد ان لجأ الوراقون كتاب المخطوطات الى تفريق الكلمات وابعادها بعضها عن بعض، نشأت عادة جديدة تسمى بالقراءة الصامتة والتي حلت محل القراءة الجماعية التي كانت متبعة في مدارس القرون الوسطى حتى ذلك الحين. ويعني ذلك أنه خلافاً لما يقوله دعاة التكنولوجيا ومريدوها، فإن التغييرات الجذرية في العادات الفكرية الثقافية يمكن ان تحصل من دون تغييرات اجتماعية كبرى، في حين ان التغيير التكنولوجي قد يكون ذا نتائج فكرية محددة بمقدار يتناسب ومدى فوريته لأعداد كبيرة من الناس، فعندما اصبحت الطباعة مثلاً منخفضة الثمن بمقدار كاف في القرن التاسع عشر، ظهرت عندها طبقات شعبية متعلمة وأدب جماهيري كان لهما الأثر الكبير في طبيعة الكتابة والتعليم. أما بالنسبة للكتابة فالأمر ربما يختلف، فالناس من حيث المبدأ يولون الكتابة أهمية كبرى لأن التاريخ يشير الى ان المجتمعات المتقدمة هي التي خلفت وراءها آثاراً مكتوبة، ولذا يعتقد معظم علماء النفس بأن التعليم أدى الى تغييرات مهمة في الفكر البشري خاصة على صعيد قدرة الانسان على التجريد والتفكير الرمزي.

على أنه من الصعب ان نتصور ان هناك من ينكر على الكتابة دورها في تبديل طبيعة التعليم ومفهومه، ولكن يبدو أنه مثلما وجد في الماضي من يعترض على الكتابة ويعتبر أنها خطر على الذكاء البشري والذاكرة كأفلاطون مثلاً في إحدى محاوراته فدروس، فإن هناك من يبدي خشية مشابهة اليوم على الذكاء البشري من اقتحام الكمبيوتر لميدان الذكاء والتفكير متناسين أنه لولا الكتابة لما وجد التاريخ النقدي ولا المنطق القياسي ولا حتى البحث العلمي.

ويأمل الكثيرون في أن يؤدي الكمبيوتر الى نتائج مشابهة على صعيد تطوير العلوم وهم يدعون الى تطوير الثقافة الكمبيوترية في المدارس حتى الابتدائية منها. ويذهب البعض منهم الى حد المطالبة بتحويل المخصصات من العلوم الاجتماعية والانسانية الى برامج التثقيف الكمبيوتري. والواقع ان فروع معرفة جديدة في ميادين العلوم الرياضية والجيوفيزيائية والبيولوجية ظهرت بفعل دخول الكمبيوتر مسرح المعرفة.

رأي المتحفظين

يرى بعض النقاد ان الولايات المتحدة استطاعت بناء قنبلتها الذرية دون كمبيوتر رغم ان هذا الانجاز تطلب حل مسائل رياضية تفوق كل ما قام به علماء الفلك من حسابات فلكية منذ بدء العالم. وبالتالي فهم يرون بأنه لا يوجد اليوم أي دليل على ان قدرات الانسان الذهنية قد تقدمت على صعيد تقبل الأفكار الرياضية بفضل الكمبيوتر أكثر مما هي قادرة من دونة.

وينظر كذلك المتحفظون على ثورة الكمبيوتر بكثير من الامتعاض، الى الحاجز الذي اصطنعته تكنولوجيا المعلومات في وجه البيانات غير المدونة الكترونياً أي غير الداخلة في قواعد البيانات، فسهولة العودة الى البيانات هذه أصبحت تعفينا من العودة الى المصادر والمراجع القابعة في المكتبات الضخمة الأمر الذي حدا بالعالم الكمبيوتري جوزيف فايفتباوم الى القول إن الكمبيوتر أصبح أداة لتدمير التاريخ.

والآن هل يحل الكمبيوتر اذن محل الرجل المتعلم؟ من الطبع أنه من غير المسموح به أن توكل الى الآلة مهمات هي من اختصاص البشر، ولكن ما الضرر إذا استطعنا أن ننتج آلة قادرة على محاكاة تفكيرنا؟ وأين تقع منزلة الكمبيوتر في حياتنا؟ وهل هي اقرب الى ثورة الطباعة التي احدثت تبديلاً كمياً في وسائل التعليم والتثقيف أم الى ثورة الكتابة التي احدثت تبديلاً نوعياً؟ أم تقع منزلته بين المنزلتين أم هي ابعد من كليهما معاً؟

في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات ارتفعت اصوات تعتبر الأنظمة الجديدة في معالجة المعلومات مثل اجهزة الكمبيوتر والآلات الناسخة الذكية والأنظمة المتعددة للاتصالات اللاسلكية، على أنها تشكل تكنولوجيا الحرية لكن هذا المفهوم لم يكن صحيحاً دائماً فمنذ الثلاثينات وحتى السبعينات كثيراً ما صنفت تكنولوجيات الاتصالات بأنها ادوات طغيان. وكتب العديد من المؤلفين أمثال ألدوس هاكسلي وجورج اورويل قائلين إن التكنولوجيا الصاعدة هي نذير شؤم حيث تجرد البشرية من انسانيتها وتجعل البشر كالعبيد.

إن الأدلة المستقاة من ثلاثة قطاعات مختلفة هي: الدول الماركسية المنهارة وقطاع الإعلام في الولايات المتحدة والبنية الداخلية للشركات الخاصة، تجعل تصوير التكنولوجيا على أنها بكل بساطة، إما مدافعة عن الحرية أو مغتصبة لها وهذا أمر غير واقعي تماماً، فالحقيقة ان المردود الاجتماعي المحتمل للتكنولوجيا الجديدة هو ذو وجهين: فالتكنولوجيا قد تتسبب في جعل السلطة مركزية أو لا مركزية وقد تبعثر الثقافات أو تجعلها متجانسة، ومن جهة ثانية فإن التكنولوجيا قد تجرد العنصر البشري من انسانيته أو تزيد العمال والمواطنين قوة. ولذا تبدو النتائج من جهة ميالة نحو الجانب الايجابي، ومن جهة أخرى تبدو التأثيرات الاجتماعية للتكنولوجيا الجديدة وكأنها ليست سليمة بالمعنى المطلق.

وأخيراً يرى الباحث جيمس أوتول بأن التكنولوجيا ليست قوة دافعة للتارخ مستقلة عن الارادة البشرية ولذا فهي بحد ذاتها لن تقضي على هرمية السلطة وقوتها إلا اذا اختار الانسان تطبيقها في هذا الاتجاه.