«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» (سورة الفاتحة، الآيات 2 6 ).
إن الالتجاء إلى الله، من مقتضيات الإيمان به سبحانه وتعالى، وأساس لكل فضيلة، وواق من الوقوع في الرذيلة، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: «من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن يُنْزِل بهم من الشدة والضر ما يُلْجِئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، فتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان، وذَوْق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب، أو الضر، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قال بعض السلف: يا بن آدم! لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك. وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة، فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته، وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يُعَجِّل قضاء حاجتي خشية أن ينصرف عني ذلك، لأن النفس لا تريد إلا حظها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً».
وليس هناك أفضل من أن تبدأَ دعاءك بالثَّناء على الله تعالى، فإنَّه أرجى للقبول والإجابة.، فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليسَ أحدٌ أحبّ إليهِ المدحُ مِنَ اللهِ - عز وجل - منْ أجْلِ ذلكَ مَدَحَ نفْسَه»(رواه البخاري).
ومن الأمثلة على هذا الأمر ما حدث في غزوة أحد، فبعد أن انقلب الأمر من النصر إلى الهزيمة، وانكشفت المعركة عن مقتل سبعين صحابيّاً وجرح العديد منهم انصرف المشركون مكتفين بالذي حقّقوه، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الانسحاب بالبقية من أصحابه، حتى انتهى بهم إلى الشِّعب الذي نزل فيه في أول القتال، وقد يئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن ثبات المسلمين رغم جراحاتهم الأليمة، فكفوا عن القتال، وانتهزها أبو سفيان فرصة ليولي الأدبار خائفاً أن تكون الجولة الثالثة للمسلمين كما كانت لهم الجولة الأولى في بداية المعركة، إلا أنه وقف يشمت بالمسلمين ويفخر بآلهته.
فعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: «.. وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن أبي قُحافةَ ؟، فقال: لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن الخطاب؟، فقال: إن هؤلاء قُتِلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبتَ يا عدوَّ الله، أبْقَى الله لك ما يُحزنك، قال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أجيبوهُ، قالوا: ما نقول ؟، قال: قولوا: الله أعلى وأجَلُّ، قال أبو سفيان: لنا العُزَّى، ولا عُزّى لكم، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟، قال: قولوا: الله مولانا ولا مولَى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيومِ بدر، والحربُ سِجال، وتجدون مُثْلة، لم آمُرْ بها ولم تَسُؤْني» (رواه البخاري).
تعظيم التوحيد
وقال ابن القيم في كتابه «زاد المعاد»: «فأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشركه، تعظيماً للتوحيد، وإعلاماً بعزة إله المسلمين، وقوة جانبه، وأنه لا يُغْلَب، ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟، أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ ثم قال: «وبكل حال فلا أحسن من ترك إجابته أولاً، ولا أحسن من إجابته ثانياً».
لما رجع المشركون ولم يقتلوا ما أرادوا من المسلمين، ولكنهم أصابوا منهم ما أصابوا لحكمة يريدها الله، عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتفقد أصحابه، ويخفف ما نزل بهم، ويملأ نفوسهم إيماناً وطمأنينة، ورضا عن الله واستكانة لقضائه، فصفَّ المسلمين خلفه، ثم رفع يديه يثني على ربه ويدعوه، فاستووا وراءه صفوفاً حامدين شاكرين، فزادتهم المحنة إيماناً وتسليماً، وإذعاناً وتفويضاً، فما ارتابوا وما ضعفوا ولا استكانوا.
فعن رفاعة بن رافع - رضي الله عنه - قال: «لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: استووا حتى أثني على ربي عز وجل، فصاروا خلفه صفوفاً فقال: «اللهم لك الحمد كلُّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ولا مُقرِّب لما بعدت، ولا مُبْعِد لما قرَّبت، اللهم ابسط علينا من فضلك ورحمتك وبركتك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينهُ في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسُلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق» (رواه أحمد).
دفن الشهداء
ثم قام - صلى الله عليه وسلم - يجمع الشهداء، وحمل نفرٌ من المسلمين شهداءَهم ليدفنوهم بالمدينة في مقابر أهلهم، فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادفنوا الشهداء في مضاجعهم» (رواه النسائي).
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يُدفن الشهداء في ثيابهم ودمائهم، ولم يُغسِّلهم ولم يُصَلِّ عليهم، وكان ربما جمع الشهيدين والثلاثة في قبر واحد، وتكريما لأهل القرآن كان يسألهم قائلاً: «أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟»، فإذا أُشير إلى أحدٍ منهم قدمه في اللحد على أصحابه» (رواه البخاري).
ولما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من دفنهم قام ينظر إليهم، ويشهد لهم بقوله: «أنا شهيدٌ على هؤلاء، ما من جريح جُرحَ جرحاً في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك».
ولنا في رسول الله القدوة والأسوة الحسنة، فمن أراد أن يدعو الله عز وجل فعليه بتقديم الحمد والثناء على الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء: فَعَنْ فَضَالَةَ بْن عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ الله سَمِعَ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الرسول: «عَجِلَ هَذا». ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَمْجِيدِ رَبهِ جَلَّ وَعَزَّ وَالثنَاءِ عَلَيْهِ ثمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ثمَّ يَدْعُو بَعْدُ بمَا شَاءَ». (أخرجه أبو داود والترمذي).