‮«‬وقال ربكم ادعوني‮ ‬أستجب لكم‮» (‬سورة‮ ‬غافر‮: ‬الآية‮ ‬60‮)‬،‮ ‬فالدعاء‮ ‬يصل الخلق بالخالق،‮ ‬ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً‮ ‬قديراً‮ ‬على كل شيء،‮ ‬بيده الأمر كله،‮ ‬يقدم المساعدة لمن‮ ‬يطلبها وفى أي‮ ‬وقت‮. ‬بابه مفتوح لا‮ ‬يغلق في‮ ‬وجه أحد مهما عظم أو صغر، ‬نلجأ إليه في‮ ‬كل وقت وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬الشدة‮، ‬ولكن كيف‮ ‬يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى‮ ‬يتحقق‮، ‬ولن نجد خيراً‮ ‬من الأدعية التي‮ ‬دعا بها الأنبياء،‮ ‬عليهم السلام ربهم،‮ ‬والتي‮ ‬وردت في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬وفي‮ ‬صحيح سنة المصطفى،‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮. ‬ولقد مرّ الأنبياء بمواقف صعبة لم‮ ‬ينقذهم منها إلا صدق دعائهم،‮ ‬حيث كانت لهم في‮ ‬هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي‮ ‬تجسّد حسن التوسل ومناجاة الله وحده،‮ ‬ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي‮ ‬تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي‮ ‬دعوا بها ونتعلم كيف‮ ‬يكون الدعاء‮.‬

‮«‬الْحَمْدُ‮ ‬لِلَّهِ‮ ‬رَبِّ‮ ‬الْعَالَمِينَ‮ ‬الرَّحْمَنِ‮ ‬الرَّحِيمِ‮ ‬مَالِكِ‮ ‬يَوْمِ‮ ‬الدِّينِ‮ ‬إِيَّاكَ‮ ‬نَعْبُدُ‮ ‬وَإِيَّاكَ‮ ‬نَسْتَعِينُ‮ ‬اهْدِنَا الصِّرَاطَ‮ ‬الْمُسْتَقِيمَ‮» (‬سورة الفاتحة،‮ ‬الآيات‮ 2 6 ‮). ‬

إن الالتجاء إلى ‬الله،‮ ‬من مقتضيات الإيمان به سبحانه وتعالى،‮ ‬وأساس لكل فضيلة،‮ ‬وواق من الوقوع في الرذيلة،‮ ‬ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية،‮ ‬رحمه الله‮: «‬من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن‮ ‬يُنْزِل بهم من الشدة والضر ما‮ ‬يُلْجِئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين،‮ ‬ويرجونه لا‮ ‬يرجون أحداً‮ ‬سواه،‮ ‬فتتعلق قلوبهم به لا بغيره،‮ ‬فيحصل لهم من التوكل عليه،‮ ‬والإنابة إليه،‮ ‬وحلاوة الإيمان،‮ ‬وذَوْق طعمه،‮ ‬والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف،‮ ‬أو الجدب،‮ ‬أو الضر،‮ ‬ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه،‮ ‬ولهذا قال بعض السلف‮: ‬يا بن آدم‮! ‬لقد بورك لك في‮ ‬حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك‮. ‬وقال بعض الشيوخ‮: ‬إنه ليكون لي‮ ‬إلى الله حاجة،‮ ‬فأدعوه فيفتح لي‮ ‬من لذيذ معرفته،‮ ‬وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن‮ ‬يُعَجِّل قضاء حاجتي‮ ‬خشية أن‮ ‬ينصرف عني‮ ‬ذلك،‮ ‬لأن النفس لا تريد إلا حظها،‮ ‬وقد قال النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮: «ذاق طعم الإيمان من رضي‮ ‬بالله رباً،‮ ‬وبالإسلام ديناً،‮ ‬وبمحمد نبياً‮».‬

وليس هناك أفضل من أن تبدأَ‮ ‬دعاءك بالثَّناء على الله تعالى،‮ ‬فإنَّه أرجى للقبول والإجابة‮.‬،‮ ‬فعن رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم أنه قال‮: «‬ليسَ‮ ‬أحدٌ‮ ‬أحبّ‮ ‬إليهِ‮ ‬المدحُ‮ ‬مِنَ‮ ‬اللهِ‮ - ‬عز وجل‮ - ‬منْ‮ ‬أجْلِ‮ ‬ذلكَ‮ ‬مَدَحَ‮ ‬نفْسَه»(‬رواه البخاري‮).‬
ومن الأمثلة على هذا الأمر ما حدث في‮ ‬غزوة أحد،‮ ‬فبعد أن انقلب الأمر من النصر إلى الهزيمة،‮ ‬وانكشفت المعركة عن مقتل سبعين صحابيّاً‮ ‬وجرح العديد منهم انصرف المشركون مكتفين بالذي‮ ‬حقّقوه،‮ ‬وأخذ رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬في‮ ‬الانسحاب بالبقية من أصحابه،‮ ‬حتى انتهى بهم إلى الشِّعب الذي‮ ‬نزل فيه في‮ ‬أول القتال،‮ ‬وقد‮ ‬يئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم،‮ ‬وتعبوا من طولها ومن ثبات المسلمين رغم جراحاتهم الأليمة،‮ ‬فكفوا عن القتال،‮ ‬وانتهزها أبو سفيان فرصة ليولي‮ ‬الأدبار خائفاً‮ ‬أن تكون الجولة الثالثة للمسلمين كما كانت لهم الجولة الأولى في‮ ‬بداية المعركة،‮ ‬إلا أنه وقف‮ ‬يشمت بالمسلمين ويفخر بآلهته‮.‬

فعن البراء بن عازب‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬قال‮: «.. ‬وأشرف أبو سفيان فقال‮: ‬أفي‮ ‬القوم محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم ‮: ‬لا تجيبوه،‮ ‬قال‮: ‬أفي‮ ‬القوم ابن أبي‮ ‬قُحافةَ‮ ‬؟،‮ ‬فقال‮: ‬لا تجيبوه،‮ ‬قال‮: ‬أفي‮ ‬القوم ابن الخطاب؟،‮ ‬فقال‮: ‬إن هؤلاء قُتِلوا،‮ ‬فلو كانوا أحياء لأجابوا،‮ ‬فلم‮ ‬يملك عمر نفسه فقال‮: ‬كذبتَ‮ ‬يا عدوَّ‮ ‬الله،‮ ‬أبْقَى الله لك ما‮ ‬يُحزنك،‮ ‬قال أبو سفيان‮: ‬اعْلُ‮ ‬هُبَل؟ فقال النبيُّ‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬أجيبوهُ،‮ ‬قالوا‮: ‬ما نقول ؟،‮ ‬قال‮: ‬قولوا‮: ‬الله أعلى وأجَلُّ،‮ ‬قال أبو سفيان‮: ‬لنا العُزَّى،‮ ‬ولا عُزّى لكم،‮ ‬فقال النبيُّ‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬أجيبوه،‮ ‬قالوا‮: ‬ما نقول؟،‮ ‬قال‮: ‬قولوا‮: ‬الله مولانا ولا مولَى لكم،‮ ‬قال أبو سفيان‮: ‬يوم بيومِ‮ ‬بدر،‮ ‬والحربُ‮ ‬سِجال،‮ ‬وتجدون مُثْلة،‮ ‬لم آمُرْ‮ ‬بها ولم تَسُؤْني‮» (‬رواه البخاري‮).‬

تعظيم التوحيد

وقال ابن القيم في‮ ‬كتابه‮ «‬زاد المعاد‮»: «‬فأمرهم‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشركه،‮ ‬تعظيماً‮ ‬للتوحيد،‮ ‬وإعلاماً‮ ‬بعزة إله المسلمين،‮ ‬وقوة جانبه،‮ ‬وأنه لا‮ ‬يُغْلَب،‮ ‬ولم‮ ‬يأمرهم بإجابته حين قال‮: ‬أفيكم محمد؟،‮ ‬أفيكم ابن أبي‮ ‬قحافة؟ أفيكم عمر؟‮ ‬ثم قال‮: «‬وبكل حال فلا أحسن من ترك إجابته أولاً،‮ ‬ولا أحسن من إجابته ثانياً‮».‬

لما رجع المشركون ولم‮ ‬يقتلوا ما أرادوا من المسلمين،‮ ‬ولكنهم أصابوا منهم ما أصابوا لحكمة‮ ‬يريدها الله،‮ ‬عاد رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬يتفقد أصحابه،‮ ‬ويخفف ما نزل بهم،‮ ‬ويملأ نفوسهم إيماناً‮ ‬وطمأنينة،‮ ‬ورضا عن الله واستكانة لقضائه،‮ ‬فصفَّ‮ ‬المسلمين خلفه،‮ ‬ثم رفع‮ ‬يديه‮ ‬يثني‮ ‬على ربه ويدعوه،‮ ‬فاستووا وراءه صفوفاً حامدين شاكرين،‮ ‬فزادتهم المحنة إيماناً‮ ‬وتسليماً،‮ ‬وإذعاناً‮ ‬وتفويضاً،‮ ‬فما ارتابوا وما ضعفوا ولا استكانوا‮.‬

فعن رفاعة بن رافع‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬قال‮: «‬لما كان‮ ‬يوم أحد،‮ ‬وانكفأ المشركون قال رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬استووا حتى أثني‮ ‬على ربي‮ ‬عز وجل،‮ ‬فصاروا خلفه صفوفاً‮ ‬فقال‮: «‬اللهم لك الحمد كلُّه،‮ ‬اللهم لا قابض لما بسطت،‮ ‬ولا باسط لما قبضت،‮ ‬ولا هادي‮ ‬لما أضللت،‮ ‬ولا مضل لما هديت،‮ ‬ولا معطي لما منعت،‮ ‬ولا مانع لما أعطيت ولا مُقرِّب لما بعدت،‮ ‬ولا مُبْعِد لما قرَّبت،‮ ‬اللهم ابسط علينا من فضلك ورحمتك وبركتك ورزقك،‮ ‬اللهم إني‮ ‬أسألك النعيم المقيم الذي‮ ‬لا‮ ‬يحول ولا‮ ‬يزول،‮ ‬اللَّهُمَّ‮ ‬إِنِّي‮ ‬أَسْأَلُكَ‮ ‬النَّعِيمَ‮ ‬يَوْمَ‮ ‬الْعَيْلَةِ،‮ ‬والأمن‮ ‬يوم الخوف،‮ ‬اللهم إني‮ ‬عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا،‮ ‬اللهم حبب إلينا الإيمان وزينهُ‮ ‬في‮ ‬قلوبنا،‮ ‬وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان،‮ ‬واجعلنا من الراشدين،‮ ‬اللهم توفنا مسلمين،‮ ‬وأحينا مسلمين،‮ ‬وألحقنا بالصالحين‮ ‬غير خزايا ولا مفتونين،‮ ‬اللهم قاتل الكفرة الذين‮ ‬يكذبون رسُلك ويصدون عن سبيلك،‮ ‬واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق،‮ ‬اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب،‮ ‬إله الحق‮» (‬رواه أحمد‮).‬

دفن الشهداء

ثم قام‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬يجمع الشهداء،‮ ‬وحمل نفرٌ‮ ‬من المسلمين شهداءَهم ليدفنوهم بالمدينة في‮ ‬مقابر أهلهم،‮ ‬فنادى منادي‮ ‬رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ -: «‬ادفنوا الشهداء في‮ ‬مضاجعهم‮» (‬رواه النسائي‮).‬

وأمر النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬بأن‮ ‬يُدفن الشهداء في‮ ‬ثيابهم ودمائهم،‮ ‬ولم‮ ‬يُغسِّلهم ولم‮ ‬يُصَلِّ‮ ‬عليهم،‮ ‬وكان ربما جمع الشهيدين والثلاثة في‮ ‬قبر واحد،‮ ‬وتكريما لأهل القرآن كان‮ ‬يسألهم قائلاً‮: «‬أيهم أكثر أخذاً‮ ‬للقرآن؟‮»‬،‮ ‬فإذا أُشير إلى أحدٍ‮ ‬منهم قدمه في‮ ‬اللحد على أصحابه‮» (‬رواه البخاري‮).‬
ولما فرغ‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬من دفنهم قام‮ ‬ينظر إليهم،‮ ‬ويشهد لهم بقوله‮: «‬أنا شهيدٌ‮ ‬على هؤلاء،‮ ‬ما من جريح جُرحَ‮ ‬جرحاً‮ ‬في‮ ‬سبيل الله إلا أتى‮ ‬يوم القيامة‮ ‬يدمي‮ ‬جرحه،‮ ‬اللون لون الدم والريح ريح المسك‮».‬
ولنا في رسول الله القدوة والأسوة الحسنة،‮ ‬فمن أراد أن‮ ‬يدعو الله عز وجل فعليه بتقديم الحمد والثناء على الله،‮ ‬والصلاة على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء‮: ‬فَعَنْ‮ ‬فَضَالَةَ‮ ‬بْن‮ ‬عُبَيْدٍ‮ ‬رَضِيَ‮ ‬اللهُ‮ ‬عَنْهُ‮ ‬أنَّ‮ ‬رَسُولَ‮ ‬الله سَمِعَ‮ ‬رَجُلاً‮ ‬يَدْعُو فِي‮ ‬صَلاَتِهِ‮ ‬لَمْ‮ ‬يُمَجِّدِ‮ ‬اللهَ‮ ‬تَعَالَى وَلَمْ‮ ‬يُصَلِّ‮ ‬عَلَى النَّبيِّ‮ ‬صلى الله عليه وسلم فَقَالَ‮ ‬الرسول‮: «‬عَجِلَ‮ ‬هَذا‮». ‬ثمَّ‮ ‬دَعَاهُ‮ ‬فَقَالَ‮ ‬لَهُ‮ ‬أَوْ‮ ‬لِغَيْرِهِ‮: «‬إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ‮ ‬فَلْيَبْدَأْ‮ ‬بتَمْجِيدِ‮ ‬رَبهِ‮ ‬جَلَّ‮ ‬وَعَزَّ‮ ‬وَالثنَاءِ‮ ‬عَلَيْهِ‮ ‬ثمَّ‮ ‬يُصَلِّي‮ ‬عَلَى النَّبيِّ‮ ‬صلى الله عليه وسلم ثمَّ‮ ‬يَدْعُو بَعْدُ‮ ‬بمَا شَاءَ‮». (‬أخرجه أبو داود والترمذي‮).‬