كانت الأمثال منذ القدم عن الملكيين أكثر من الملك، والكاثوليكيين أكثر من البابا، والبراغماتيين أكثر من برجمانوس والماركسيين أكثر من ماركس هي التعبير المستمر عن المبالغة والمزايدة بحيث تتجاوز الأشباه والتوابع الأصول لكن ليس من خلال التحدي الفكري، بل من خلال الإسراف في المزاعم والادعاءات، وبأبسط بدهيات علم النفس فإن المبالغة هي تعبير بوعي أو بلا وعي عن شعور بنقص ما، لهذا نادراً ما يفرط الصادقون في استخدام القسم سواء بالعقيدة أو الشرف أو ذوي القربى .
وفي أيامنا أصبح أكثر الناس ثرثرة عن الديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان هم الأكثر تنكيلاً بالديمقراطية والبشر، وكأن النبوءات الأكثر سوداوية عن الديستوبيا أو المدنية الراذلة كنقيض لليوتوبيا قد صدقت في عصرنا، فالتعايش الآن في ذروته بين التناقضات كلها، بدءاً من السلعة التي تحمل على وجه وعوداً بالمسرة والسعادة وعلى الوجه الآخر تحذيراً من تصلب الشرايين والسرطان، وليس انتهاء بالشعارات التي أفرزتها العولمة، بعد أن تحققت لكن على نحو معكوس، فبدلاً من عولمة الرخاء والعلم والعافية، تعولم المرضى والفقر والطغيان .
لكن لماذا يصيبنا بعض الثرثارين عن القيم بالصداع بينما يمارسون عكس ما يعظون به سراً؟ هذا السؤال من صميم علمي النفس والاجتماع وليس مجرد نميمة اجتماعية أو ظاهرة عابرة في مرحلة ما، ويبدو أن الإنسان بحاجة إلى تصفية حسابات مع حرمانه كما فعل كازنتزاكي ذات يوم عندما ملأ حفرة بالكرز، وظل يلتهم عناقيده حتى أوشكت أحشاؤه على الانفجار، ذلك لأنه حرم في طفولته من هذه الثمرة الشهية التي سال لعابه عليها .
إن لكل محروم كرزه الخاص الذي يتوق إليه، فالقمر في عين الجائع رغيف كما قال الشاعر طاغور، والأرض كلها قبر مالك كما قال الذي رثاه . . والناس يصابون بالعمى المؤقت عندما يحتاجون، لهذا قيل صاحب الحاجة أرعن، لكن مداواتها بالتي كانت هي الداء ليست وصفة لمدى العمر، وثمة لحظة إشباع لا بد من بلوغها كي يصبح الإنسان سوياً وعادياً، وهذا ما يضاعف من دهشتنا ونحن نرى أناساً لا يشبعون ولا تصيبهم التخمة ليس من كرز كازنتزاكي أو تفاح سواه، بل من الكلام المتكرر عن الفضائل، ناسين أن من يمارسها لا يفخر بذلك، بل يحرص على قدر من السرية احتراماً للذات والآخرين!
وحين نقول إن هناك براغماتيين أكثر من الفيلسوف النفعي برجمانوس، وميكافيليين أكثر من ميكافيلي وكاثوليكيين أكثر من البابا فإن المقصود بذلك هو ما يسببه لنا من صُداع ثرثارو المسرح الفارغ الذين عبر عنهم أفضل تعبير ذلك المسرحي الساخر الذي انتزع ثلاثة من الجالسين في القاعة وأجلسهم على خشبة المسرح ليثرثروا ساعة كاملة عن أشياء لا معنى لها، وحين ضجر الحضور من المشهد خرج إليهم المؤلف من وراء الستار وقال لهم . . كل ما فعلته هو أنني جعلتكم ترون وتسمعون أنفسكم خارج المرايا .