قال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (*) يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (*) كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (*) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (*) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (*) يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون

(البقرة: 214-219) .

السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا . .؟ (البقرة: 214) .

- الجواب: أولاً: الخطاب في الآية الكريمة للرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، رضوان الله عليهم، والرسالة المراد توصيلها لهم جميعاً هي تهيئة الأمة وإعدادها لتحمل المشاق وعدم التبرم من الصعاب، والصبر على الابتلاءات في سبيل الله تعالى، لأن تلك سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير، فالجنة التي يرجون دخولها سلعة غالية وثمنها لابد أن يكون غالياً فلابد من الإعداد والامتحان والتمحيص .

وعليه فالغرض من الاستفهام المجازي في قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة . . هو الإنكار أي إنكار أن يظن المؤمنون أنهم سيدخلون الجنة بلا ابتلاء وامتحان وصبر وجهاد في سبيل الله تعالى .

ابتلاءات فظيعة

السؤال: ما دلالة التعبير بالمثل في قوله تعالى: ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم؟ (البقرة 214) .

- الجواب: الدلالة على شدة صنوف الابتلاءات التي حلت بهم وكثرتها، وبحيث صار يضرب بها المثل في الشدة والفظاعة والغرابة، وهذا ما يفهم من مدلول كلمة المثل وهو الحالة العجيبة الغريبة التي تصير مثلاً لشدة غرابتها . والله أعلم .

السؤال: ما نوع الصورة البيانية في قوله تعالى: مستهم البأساء والضراء؟ (البقرة: 214) .

- الجواب: إما أن تكون استعارة مكنية بتشبيه الابتلاءات الشديدة البأساء والضراء بالنار في شدة الإيلام .

وإما أن تكون استعارة تصريحية تبعية بتشبيه الألم الناتج عن الابتلاء الشديد بالمس بجامع شدة الإحساس في كل منهما، وعليه فالاستعارة تكون في الفعل مس، وعلى كل فالتصوير البياني في الآية الكريمة أبرز في صورة محسوسة مشاهدة هذا الإحساس المعنوي، وهذا له تأثيره الشديد في إحساس القارئ بالمعنى والتفاعل معه . والله أعلم .

السؤال: ما دلالة الاستفهام في قولة تعالى: حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ (البقرة 214) .

- الجواب: لاستنبطاء النصر . وهذا الاستفهام يطوي وراءه إحساساً شديداً باستطالة زمن الشدة والابتلاءات التي بلغت حداً كبيراً من الفظاعة والهول كما تنبئ عنه كلمة الغاية حتى .

وهذا الإحساس الفياض بمدى المعاناة القاسية والتمحيض الشديد، والتأهيل البليغ للصفوة من عباد الله تعالى نقله إلينا هذا الاستفهام المعبر: متى نصر الله؟ والله أعلم .

السؤال: لماذا أوثر التعبير بالجملة الاسمية في قوله تعالى: ألا إن نصر الله قريب؟ (البقرة 214) .

- الجواب: للدلالة على تحقق مضمونها .

السؤال: ما سر التعبير بالمضارع في قولة تعالى: يسألونك ماذا ينفقون . .؟ (البقرة 215) .

- الجواب: للدلالة على أن الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - كانوا يلحّون عليه - صلى الله عليه وسلم - في السؤال عن أمور دينهم ودنياهم، ولاستحضار صورة الحدث كأنه يجري الآن . والله أعلم .

كراهية القتال

السؤال: ما الغرض من التعبير بالمصدر كرها عن المفعول مكروه في قوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم؟ (البقرة 216) .

- الجواب: المبالغة في شدة الكره، وتمكن الوصف من المخبر عنه، أي من المخاطبين فالقتال كريه للنفوس، ومكروه للطباع لما فيه من مشقة وبذل للنفس والمال . والله أعلم .

السؤال: ما وجه ارتباط جملة وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم . . (البقرة 216) بما قبلها؟

- الجواب: لدفع الاستغراب الناشئ عن قوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم، لأنه إذا كان مكروهاً فكان من المتبادر ألا يكتبه الله على المسلمين رحمة بهم، فجيء بهذا التذييل وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم . . دفعاً لذلك الاستغراب . والله أعلم .

السؤال: ما سر تنكير قتال في قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه؟ (البقرة 217) .

- الجواب: لأن سؤالهم لم يكن عن القتال المعهود، ولكن كان عن مطلق القتال الواقع في الشهر الحرام . والله أعلم .

السؤال: لمَ أضيف الدين إلى ضمير المخاطبين - المسلمين - في قوله تعالى: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا؟ (البقرة 217) .

- الجواب: لإلهاب نفوسهم في الثبات على دينهم . والله أعلم .

السؤال: ما الغرض من تعليق الشرط بإن في قوله تعالى: إن استطاعوا (البقرة 217) .

- الجواب: للإشارة إلى رسوخ قدم المخاطبين في الدين، وإلى استبعاد نجاح أعدائهم في أن يردوهم عن دينهم . والله أعلم .

السؤال: ما سر ترتيب النظم في قوله تعالى: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله (البقرة 217) .

- الجواب: كان الظاهر أن يقال: وصد عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، ولكن خولف مقتضى هذا الظاهر إلى ما عليه نظم الآية الكريمة لصد الاهتمام بتقديم ما هو أفظع، فإن الكفر بالله تعالى أفظع من الصد عن المسجد الحرام، فكان ترتيب النظم على تقدير المهم فالأهم . وكان المشركون قد عيروا المؤمنين بأنهم قتلوا أو قاتلوا في الأشهر الحرم مع أنهم كانوا معذورين لجهلهم بالميقات أو لدفع الضرر عن أنفسهم بمبادرة عدوهم قبل أن يقتلهم، فرد الله قول المشركين وتعييرهم بقوله: قل قتال فيه كبير بالموافقة أي أن القتال في الأشهر الحرم كبير وذنب عظيم، ولكن أشد منه في الذنب والإثم صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر . والله أعلم .

السؤال: علام يدل تكرار الاسم الموصول في قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله (البقرة 218)؟

- الجواب: لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء . والله أعلم .

تحريم الخمر

السؤال: لماذا قدم الخمر على الميسر في قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس . .؟ (البقرة 219) .

- الجواب: لأنها أشد ضرراً، وأخبث شراً من الميسر، حيث فيها إتلاف للعقل، وإتلاف للمال . والله أعلم .

السؤال: لمَ قدم الإثم على المنافع في قوله تعالى: قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس؟ (البقرة 219) .

- الجواب: لتأصل الإثم وتحققه فيها قطعاً، أما المنافع فهي على حسب اعتقادهم، ولا أصل لها شرعاً . والآية كانت تمهيداً التحريم الخمر، حيث إنها لم تحرم مرة واحدة - لتعود المخاطبين عليها، وإنما كان التحريم تدريجياً - وهذا من عظمة الشرع - حتى نزل تحريمها صراحة في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (المائدة: 90-91) .

السؤال: ما سر التعبير عن الذنب بالإثم في قوله تعالى: قل فيهما إثم كبير؟ (البقرة 219) .

- الجواب: للإشارة إلى لحوق العقوبة بمتعاطي الخمر وبالمقامر في الدنيا والآخرة . والله أعلم .

[email protected]