قبل ثوران بركان أيافيالايوكل في آيسلندا الذي أحدث اضطراباً في السماء الأوروبية، بدأ هذا البركان بإظهار نشاط غير عادي من خلال زيادة النشاط الزلزالي في نهاية العام الماضي في تلك المنطقة . وأدى ذلك إلى ثوران البركان يوم 20 مارس/ آذار الماضي ثم حدث ثوران في وقت لاحق من 14 إبريل/ نيسان الماضي على نطاق أوسع من الثوران الأول، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الرحلات الجوية في أوروبا وبالتالي تعطيل خطط السفر لملايين من المسافرين .

في آيسلندا المعروفة بأرض النار والجليد اجتمع الضدان، وهذه المرة لم يجتمعا في بقعان البحار أو في أغوار المحيطات بل فوق جليد اليابسة وفي أحد أصقاعها القطبية . وآيسلندا دولة جزرية تقع في شمال المحيط الأطلسي وإلى الجنوب مباشرة من الدائرة القطبية الشمالية . وهذه المنطقة معروفة بأنها تتبع أوروبا وليس أمريكا الشمالية على الرغم من أنها تضم صفائح جيولوجية من كلتا القارتين . وتقع أقرب أراضي اليابسة إلى آيسلندا على بعد 287 كلم (غرينلاند) أو على بعد 420 كلم (جزر فارو) في حين أن أقرب نقطة للبر الأوروبي توجد على بعد 970 كلم (النرويج) .

والمعروف أن آيسلندا هي بلاد شمس منتصف الليل حيث يستمر نهارها أربعاً وعشرين ساعة خلال يونيو/ حزيران، أما في ديسمبر/ كانون الأول فالنهار مظلم فيها كالليل .

وتعتبر آيسلندا أرضاً فتية تقع على منطقة ساخنة في النتوء الواقع في منتصف الأطلسي . هذه التشكيلة تعني أن الجزيرة نشطة جيولوجياً، إذ يوجد بالبلاد ما يقارب من ال 140 بركاناً منها حوالي 30 في حالة نشاط مثل براكين هيكلا والدجا وهيروبري والدفيل . والمعروف ان ثورة بركان لاكي سببت بين عامي 1783 ،1784 مجاعة أدت الى موت ربع سكان آيسلندا .

وأراضي آيسلندا ذات طبيعة بركانية، ولذا كانت أرضها سوداء وذات صخور هشة وينقلب سوادها الى بياض في فصل الشتاء حين تغطيها الثلوج . وتكوّن من جراء هذه البراكين كثير من الأراضي ذات الحمم البركانية، بل تسببت هذه البراكين في تدمير مساحات شاسعة من الأراضي، جراء اجتماع الرماد البركاني والغازات والفيضانات الجارفة الناتجة عن ذوبان الثلج والجليد . وفي ،1963 تسبب انفجار بركان في المحيط بعيداً عن الساحل الجنوبي غربي آيسلندا في تكون إحدى الجزر الجديدة .

وفي 14 إبريل/ نيسان الماضي، ثار بركان في الجزء الجنوبي الغربي من فوهة بركان (أيافيالايوكول)، وهي المرة الأولى التي يثور فيها هذا البركان منذ 200 عام . وثار البركان تحت سطح النهر الجليدي ما أسفر عن ذوبان الجليد لمسافة 500 متر .

وقالت خبيرة البراكين في المرصد الجيولوجي سولافين: رصدت الغيوم المنبعثة عن الرماد البركاني على ارتفاع يبلغ 16 ألف متر فوق اسكتلندا .

وكان خبراء جيولوجيون توقعوا منذ مطلع العام، انفجار هذا البركان في آيسلندا بعد ان رصدت أجهزة الاستشعار عن بعد تحركات تنذر بانفجار قريب في جنوب آيسلندا . وحدث الانفجار من خلال طبقة جليدية يبلغ سمكها 150 متراً وأدت الحمم البركانية الى إذابة الجليد وفيضانات في المناطق المحيطة، لكنها إضافة الى ذلك، زادت من كثافة الغمام وامتزاج بخار الماء الناتج عن ذوبان الجليد بالغبار والغازات البركانية الأخرى .

وبلغ ارتفاع الحمم المضيئة عشرات الأمتار، الأمر الذي أدى الى إضاءة سماء آيسلندا برمتها خلال فترات الليل . وعلى إثر هذا الحدث، اتخذت السلطات المسؤولية اجراءات صارمة بخصوص عمليات التنقل داخل البلاد فمنعت كل المركبات من التحرك في محيط البركان وأغلقت المجال الجوي على مدى 3 أيام وأجلت أكثر من 600 شخص بشكل سريع وصامت جلهم من المزراعين .

نشاط سياحي

المثير في الأمر أنه على الرغم من كل هذه الأحداث والإجراءات الوقائية لوحظ تزايد واضح في حركة النشاط السياحي، فالانفجار البركاني والحمم الممتزجة مع الجليد، أدت الى جذب السياح وهواة التصوير وجمهور حاشد مزود بسيارات التزلج وسيارات رباعية الدفع وطائرات مروحية وأخرى شراعية . واستخدم الجميع كل الوسائل الممكنة لحضور هذا الحدث الكبير ومشاهدة هذا المنظر الفريد، بل ثمة من ذهب ماشياً إلى وادي تورسمورك حيث يشاهد شلالات الحمم الممتزجة بالجليد، وذهب البعض الى أبعد من ذلك حين اقتربوا من مصدر الانفجار، إلا أن الخوف من التهلكة جعلهم يتراجعون وفضلوا تأمل المشهد الساحر من بعيد . وأمام هذا الحشد الكبير للزائرين، وضعت السلطات الأمنية هناك فرق إنقاذ سريع لتجنب وقوع أية حوادث ترتبط بأحوال المناخ، علماً بأن البرد والرياح القوية هما الخطران الرئيسان على هذه الجزيرة .

وعملت هذه الجهات على حث الزوار والمتنزهين على ترك المكان بأقصى سرعة، لأن الأجهزة تشير الى حدوث شرخ جديد في فوهة البركان وبالتالي خروج المزيد من الحمم المتدفقة، كل ذلك في جو زمهريرى بلغت فيه درجات الحرارة في منطقة انفجار البركان عشرين درجة مئوية تحت الصفر . وفي الرابع عشر من إبريل/ نيسان ارتفعت في السماء دفعات هائلة من البخار وصلت الى ارتفاع بلغ 8 كيلومترات، وعلى إثر ذلك أخذ الجليد المتراكم في أعالي البركان يذوب بكميات هائلة وأخذت كتل الوحل والماء والصخور المصهورة تنهار بسرعة بالغة ومفاجئة وتتجه نحو السهوب الشاسعة في أسفل الجبل وانتشر التراب الأسود في كل الأنحاء، وشرعت الانفجارات تزداد والدخان والأبخرة تتصاعد وتنتشر في السماء على مسافات بعيدة الى أن أعلنت كل المطارات الأوروبية إغلاق أجوائها وتوقيف حركة الطيران كلياً، ثم عادت الأمور بعد ذلك الى طبيعتها وانتظمت الرحلات .

مواقع نشطة

البركان الآيسلندي ليس وحده الذي يبدي نشاطاً انفجارياً بهذا الشكل، بل يكفي أن نلقي نظرة فاحصة على خريطة العالم، ليتبين لنا أن البراكين النشطة أي التي عرفت ثوراناً واحداً على الأقل خلال العشرة آلاف سنة الماضية، لم تتفجر في أي مكان من العالم، بل 95% من النقاط البرتقالية التي تشاهد على الخريطة تتقاطع بالضبط عند الخطوط المختلفة لمناطق التقاء الصفائح التكتونية التي تتكون منها القشرة الأرضية . وعند هذه المناطق، تتحرر طاقة مذهلة جراء حركة الصفائح ارتفاعاً وانخفاضاً، وهو ما يولد البراكين والزلازل .

ويقدر اخصائيو البراكين عدد النشط منها بحوالي 1500 بركان منها 600 عرف كل منها ثوراناً واحداً على الأقل في قديم الزمان . ويكاد هؤلاء يجمعون على وجود الكثير من البراكين النشطة في قاع البحار والمحيطات، ولذا تعمل أجهزة الرصد والأقمار الاصطناعية على مراقبة هذه البراكين . وتمكن الباحثون من احصاء ما بين 50 70 ثوراناً بركانياً في السنة، لكن شدتها وفترة ثورانها يختلفان فيما بينها، فالبعض منها يهدأ خلال ساعات فقط، بينما يستمر نشاط البعض منها، كما في جزر الهاواي، بشكل دائم منذ عشرات السنين .

وثمة براكين تركت ثوراتها آثاراً مهمة على المناخ وبصمات اجتماعية وسياسية وربما فنية غير متوقعة منذ فجر التاريخ، بل إن ثورات بركانية أدت الى ابتلاع حضارات برمتها وإحداث ثورات سياسية . وبلغ الأمر في بعضها أنها مسحت شعوباً وأمماً كاملة من خريطة العالم، كبركان فيزوف الذي ترجع تسميته الى جبل فيزوف البركاني الواقع في شرقي مدينة نابولي الايطالية . ويعد هذا البركان من أشهر البراكين في التاريخ، وكانت أول ثورة له في 24 أغسطس/ آب 79م وبالتحديد عند الساعة الواحدة من بعد الظهر، أي ساعة الغداء حيث كان 20 ألف شخص، وهم تعداد سكان بومبي، يحضرون أنفسهم لتناول الطعام عندما حدث ذلك الانفجار البركاني الذي استمر نشاطه لمدة 16 عاماً . وصحب هذا الانفجار تشققات وأصوات وهزات أرضية خفيفة ضربت جنوب ايطاليا، ثم تلا ذلك إزالة للصخور المتراكمة عند فوهته القديمة، وانتشار واسع وفجائي للغازات المحبوسة تحت هذه الصخور . ومع تزايد ضغط هذه الغازات، حدثت انفجارات عنيفة نتج عنها طفوح بركانية من نوع الخفاف غطت مدينة بومبي المجاورة . وحاول العديد من سكان المدينة الفرار في قوارب بحرية، لكن الغازات والرماد والطفوح البركانية غطتهم جميعاً . وأدت هذه الغازات والطفوح الى اختناقات جماعية، الأمر الذي أدى الى موت الكثيرين تحت الرماد البركاني . وإضافة الى انطمار مدينة بومبي تحت ذلك الرماد، تدمرت مدينة هيركولينوم المجاورة لبركان فيزوف بالكامل ورقدت المدينتان تحت طبقة من الرماد البركاني يزيد سمكها على ستة أمتار . وبقيت هاتان المدينتان في طي النسيان لمدة 1700 سنة الى ان عثر عليهما وأزيحت الطبقات البركانية عنهما من قبل علماء الآثار والتاريخ . وظهرت من تحت هذه الطبقات أجسام متحجرة لبشر وحيوانات . وبعد ثورة فيزوف المدمرة قبل الميلاد (217 ق .م) هدأ لمدة 1500 عام، لكنه عاد ليثور في العام 1631 وقتل حينها 18 ألف نسمة ومنذ ذلك التاريخ وبركان فيزوف يعد من البراكين النشطة التي لم تخمد بصورة نهائية .

ويقول الباحث في علم البراكين جاك ماري باردنتزيف انه على الرغم من خطر الثورات البركانية على البيئة برمتها، تعد كذلك مصدراً للحياة والخصوبة، فالرماد البركاني المشحون بالمعادن والحمم جعل أراضي منطقة كومباني الايطالية شديدة الخصوبة .

ويضيف ان الحضارات التي ظهرت على شواطئ المتوسط شكلتها الى حد بعيد الثورات البركانية، فبركان سانتوران اليوناني سرع من سقوط الحضارة المينوية حوالي 1500 ق .م، كما ان سكان جنوب ايطاليا وصقلية يعيشون تحت تهديد بركاني جديد من بركان فيزوف وايتنا الذي عرف بدوره 7 ثورات كبرى منذ القرن الثاني عشر للميلاد كانت أشرسها في العام 1169 حين راح ضحية تلك الثورة الكبرى 15 ألف نسمة، بل ويعتبر بركان ايتنا اليوم واحداً من أكثر البراكين النشطة في العالم . وفيما يتعلق ببركان سترومبولي الواقع في جزيرة صقلية الايطالية، فلم يزل يلقي بحممه منذ 2500 عام بلا توقف، لكن الثورة التي وقعت في 1930 كانت من أكثر الثورات تدميراً على امتداد تاريخه المسجل، إذ لم تكن هناك أية اشارات تحذيرية .

على شفا الحرب

ويشير الباحث جاك ماري باردينتزيف الى ان الخطر البركاني يقع أيضاً في أعماق البحار، فعلى بعد مائتي متر من الساحل عثر على بركان في 2006 تصل طول قاعدته الى 30 كيلومتراً بعرض 25 كيلومتراً . وفي العام 1831 أدى انفجار هذا البركان الى تكوين جزيرة صغيرة جميلة وسط البحر المتوسط، وهناك كادت الحرب ان تقع بين فرنسا وبريطانيا حول هذه الجزيرة المفاجئة، إذ ادعى كل من البلدين وقوعها في حدودها الجغرافية البحرية .

مجاعة أوروبية

في العام ،1783 ثار بركان لاكي الآيسلندي بشكل مفاجئ وقذف حمماً وغباراً بركانياً محملة بالسموم طيلة ثمانية أشهر . وتسبب البركان في مجاعة امتدت من آيسلندا وحتى فرنسا وأتلف الكثير من المحاصيل الزراعية .

وغطى الغبار المنبعث عنه سماء أوروبا عدة أشهر وأحدث تغييراً في المناخ امتد لعدة سنوات . ويشير خبراء البراكين الى ان الرماد البركاني المحمل بذرات الكبريت التي تعكس أشعة الشمس وتمنعها من الوصول الى الأرض ستؤدي الى حدوث انخفاض في درجات الحرارة لأشهر وربما لسنوات وبالتالي فإنه من المتوقع ان يكون شتاء أوروبا قارساً جداً والصيف بارداً نوعاً ما . ويقول خبراء التاريخ ان ثوران بركان لاكي هو الذي أحدث الثورة الفرنسية في فرنسا وعندما وصل بنيامين فرانكلين الذي يعتبر من أهم وأبرز مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية ولعب دوراً أساسياً في تحسين العلاقات الأمريكية الفرنسية في الفترة الواقعة بين 1775 ،1776 قال كلمته المشهورة أريد إزالة تلك الغمامة الدائمة التي تعتري سماء البلدين . وكان يلمح الى الغمامة البركانية التي كانت آنذاك تغطي السماء الأوروبية، وبالتحديد فرنسا، والتي أدت، حسب رأيه، الى تدهور الوضع الاجتماعي فيها .

تغير الطقس ألهم فنانين

عن تأثير بركان آيسلندا الجديد على العالم في المدى الطويل يقول خبراء البيئة إن لانفجاره تداعيات عدة منها ذوبان كميات كبيرة من الجليد بسبب حرارة البركان المرتفعة تحت نهر جليدي . ويكاد خبراء البراكين يجمعون على ان بركاني لاكي وأساما الياباني (الذي راح جراء انفجاره 1300 شخص) أحدثا تغييراً في مناخ نصف الكرة الشمالي .

ووفقاً للدراسات التي أجراها الباحث جاك سينتيس رئيس جمعية الأرض والبراكين الفرنسية، فإن هذين البركانين قذفا في منطقة من الغلاف الجوي تسمى الستراتوسفير أبخرة وغازات في ،1783 الأمر الذي شكل حلقة حول الأرض كان من نتيجتها منع أشعة الشمس من الوصول اليها بشكل كامل . وهذا ما أدى الى انخفاض في درجة حرارة الكوكب امتدت الى 3 سنوات متتابعة .

ويشير الباحث الى أن نفس الاضطراب المناخي شهدته الأرض بعد انفجار البركان الاندونيسي تومبورا في 1815 والذي يعتبر واحداً من أكثر البراكين الذي أوقع ضحايا بشرية عبر التاريخ .

ووصلت أبخرة ورماد بركان تومبورا الى كل أنحاء الأرض وتحدث العلماء عن سنة بلا صيف كما كان الشتاء أكثر برودة من المعتاد .

ويقول باحثو البراكين إنه بفضل الغبار البركاني، استطاع سكان لندن التمتع ببداية صيف عام ،1815 إذ كانت الشمس تغيب في جو مفعم بالألوان البديعة، الأمر الذي جعل الفنان وليام ترنر يستلهم لوحاته من هذه الظاهرة . وتشير التقديرات الى ان الثوران البركاني في العام 1815 كان أقوى من بركان فيزوف بثماني مرات، ولذا كانت له عواقب وخيمة على حالة الطقس بشكل عام ونتيجة لذلك عكف الباحثون اليونانيون على دراسة مجموعة من اللوحات الفنية مكونة من 500 لوحة والتي اعتبرت من أجمل اللوحات التي رسمت لغياب الشمس إبان عصر الثوران البركاني الذي حدث لبركان تومبورا الإندونيسي .

واهتم الباحثون بشكل خاص في مرصد أثينا لدراسة البراكين بأعمال الفنان الانجليزي وليام تيرنر الذي شاهد خلال حياته 3 ثورات بركانية عظمى (في إندونيسيا عام ،1815 وفي الفلبين عام 1831 وفي نيكاراغوا عام 1835) . ويبدو أن هؤلاء كانوا محقين بدراستهم لأعمال هذا الفنان الذي تميز بالرومانسية والواقعية في آن واحد فيما يتعلق بتصوير المشاهد المروعة للثورات البركانية حيث أضفى عليها سمة واقعية وكأننا نشاهدها بأم العين .