يعتقد كثيرون من أهل السياسية ونشطاء الجماعات الحقوقية في مصر أن صدور تشريع موحد لتنظيم بناء دور العبادة في البلاد من شأنه أن يقضي على حوادث الفتنة والاحتقان الطائفي التي تصاعدت وتيرتها في الفترة الأخيرة، ووصلت إلى ذروتها بأحداث المواجهات الدامية التي شهدتها منطقة ماسبيرو بين محتجين غاضبين من الأقباط وقوات الجيش المصري، وراح ضحيتها عشرات ما بين قتلى وجرحى في الجانبين . . وتتردد المطالبة بإصدار هذا التشريع مع كل حادث احتقان طائفي تشهده مصر، إلا أن بدء اتخاذ خطوات عملية في اتجاه إصدار مثل هذا القانون بالفعل من قبل حكومة الدكتور عصام شرف والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ووجه بممانعة على أرض الواقع من الجانبين المسلم والمسيحي، ما ينذر بخلاف جديد من شأنه أن يزيد من حدة الاحتقان الطائفي لا أن يطفئ نيرانه .
أولى الممانعات أعلنت بشكل رسمي من قبل ما يسمى بيت العائلة المصرية الذي يترأسه شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، والبابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ويضم في عضويته عدداً من علماء الدين الإسلامي البارزين وقيادات كنسية، إضافة إلى مثقفين ومفكرين وشخصيات عامة، وفي اجتماعه بداية الأسبوع الجاري أعلن بيت العائلة على لسان عضو الأمانة العامة لمجلس بيت العائلة الدكتور مصطفى الفقي رفض المجلس إصدار قانون موحد لدور العبادة لاختلاف نظام العبادة في كل من الديانتين الإسلامية والمسيحية، مشيراً إلى أن إصدار قانون موحد لدور العبادة الإسلامية والمسيحية قد تنتج عنه مشكلات نحن في غنى عنها، فيما أوصى المجلس بإصدار قانون موازٍ لبناء الكنائس بمشاركة كل الطوائف المسيحية، مع استمرار العمل بقانون المساجد الحالي والصادر عام ،2001 داعياً السلطات المصرية إلى إعادة فتح الكنائس المغلقة والصادر لها تراخيص مسبقة، والتوجه لترخيص الكنائس غير المرخص لها بعد توفيق أوضاعها للحصول على الترخيص اللازم لعملها .
لجان خاصة
فريق من المثقفين والناشطين المصريين بدأ يتبنى المطالبة بانتهاج خطوات أكثر فاعلية من النصوص القانونية، مقترحين في هذا الشأن تشكيل لجان متخصصة لوضع دراسات معمارية واجتماعية توضح مدى الحاجة إلى دور العبادة من عدمه، مشيرين في هذا الشأن إلى إحصاءات رسمية ترصد وجود نحو 3126 كنيسة إضافة إلى عشرات الأديرة المنتشرة في ربوع المحافظات المصرية، فيما يبلغ عدد المساجد نحو 92600 مسجد .
وفي مقابل هؤلاء فإن نشطاء أقباطاً يرون أن قانون دور العبادة المقترح يتضمن فرض مزيد من القيود على بناء الكنائس، ومن ذلك النص على ألا تقل المسافة بين كنيسة وأخرى عن ألف متر في حين أن هناك قرى صغيرة لا يزيد قطرها في غالب الأحيان على كيلو متر، معتبرين أن النص على وجود كثافة سكنية معينة حتى يمكن الموافقة على بناء كنيسة، هو أمر يخالف حكم المحكمة الدستورية العليا الذي قضى بأن عدد السكان ليس شرطاً لازماً لإقامة دور العبادة، فيما يقول رجال دين مسلمون إن نصوص القانون تصطدم مع النصوص القرآنية ومع مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحض المسلم على إقامة المساجد مهما كانت مساحتها صغيرة أو كبيرة، وبالتالي فتحديد مساحة ألف متر مربع للمسجد في القانون أمر يناقض الشرع الحنيف .
وتشير تقارير إعلامية إلى أن قانون دور العبادة الموحد الذي أعلنته الحكومة والمجلس العسكري يستهدف تخفيف شروط بناء الكنائس، فيما ينص على منع إقامة الكنائس ضمن بناء معد لأغراض السكن، ويلزم بالكشف عن مصادر التمويل، كما يشترط ضمن نصوصه تقديم طلب إلى الجهات المختصة والمتمثلة في الإدارات الهندسية بالمحافظات للحصول على تراخيص بناء الكنيسة أو المسجد، كما يشترط موافقة الجهة الدينية الرسمية أولاً، وينص على أنه لن يكون لأي شخص الحق في بناء دور عبادة دون موافقة رئاسته الدينية التي يتبعها والممثلة في وزارة الأوقاف للمساجد ورؤساء الطوائف الدينية المسيحية للكنائس، على أن يتم استخراج التراخيص من المحافظ خلال 3 أشهر، ويعتبر عدم الرد موافقة .
انتقادات
على الرغم من مطالباتها المستمرة بتحرك حكومي فعال في مواجهة الأحداث الطائفية، فإن عدداً من المنظمات الحقوقية بادرت إلى إطلاق هجوم على قانون دور العبادة المرتقب صدوره، معتبرة أن السلطات الحاكمة في مصر تنهج نفس ممارسات نظام الرئيس السابق حسني مبارك الذي اعتاد التلويح بصدور قانون دور العبادة الموحد كمهدئ لنوبات الغضب العارمة التي تجتاح الشارع المصري بعد كل صدام طائفي، ورأت المنظمات أن ما أعلن عنه من نصوص يمهد لصدور قانون غائب عن معالجة مناخ طائفي محتقن شهد على مدى العام الحالي فقط خمس حوادث طائفية راح ضحيتها أكثر من خمسين قبطياً، بدءاً من تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية في يناير/كانون الثاني مروراً بهدم كنيسة صول وأحداث المقطم في مارس، حرق كنيسة السيدة العذراء بإمبابة في مايو/أيار ونهاية بأحداث ماسبيرو الأليمة أكتوبر/تشرين الأول الجاري .
وتقول المنظمات الحقوقية: إن الدعوة إلى قانون موحد لبناء دور العبادة يفترض أن تنطلق من تأكيد حق المساواة وتفعيل قيم المواطنة بين أتباع الديانات والعقائد المختلفة، ومن ثم يتعين الوصول إلى قواعد تفضي عملياً إلى إنهاء مختلف القيود التمييزية على حق ممارسة الشعائر الدينية، مطالبة الحكومة بأن تراعي في قانونها النص على ما يعزز مبدأ المواطنة ويعطي الحق في بناء دور العبادة من دون شروط تعجيزية وبصورة تتيح للأقليات المنتهكة حقوقهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة وبصورة آدمية مقبولة مؤكدة ضرورة أن يحتوي ذلك القانون على معايير مقبولة وموحدة لكل الفئات من دون تمييز لبناء دار عبادة ليس فيها إجحاف أو مغالاة أو طائفية .
ويرى قانونيون مصريون ونشطاء من الجانبين المسلم والمسيحي أن إصدار قانون دور العبادة الموحد يمكن الاستعاضة عنه بخطوات يمكن لها أن تسهم في وضع حلول لأزمة الاحتقان الطائفي، وفي المقدمة من ذلك تشكيل لجان متخصصة تفصل في حاجة كل فئة من المسلمين أو الأقباط لدور العبادة عن طريق دراسة الكثافة السكانية والظروف المجتمعية والجغرافية والالتزام بالمعايير الفنية والهندسية، إضافة إلى العمل على التصدي لوسائل الإعلام التي يرى هؤلاء أنها أثرت في ثقافة المجتمع وقامت بتقسيمه وتفتيته بين مواطنين درجة أولى وآخرين درجة ثانية، والتفاعل مع حاجات المجتمع ومتطلباته والتصدي لكل الخارجين على القانون والذين يقومون بإشعال نار الفتنة، والحفاظ على هيبة الدولة في مواجهة هذا الإسهاب والتنافس غير المبرر بين المسلمين والأقباط في بناء دور العبادة .
خطر الفتنة
الجدل حول إصدار قانون موحد لدور العبادة في مصر يأتي وسط مشاعر تصل إلى حد اليقين لدى الكثيرين بأن ملف الاحتقان الطائفي صار أخطر العقبات التي تواجه تقدم الثورة المصرية نحو تحقيق أهدافها بعد شهور من نجاحها في إطاحة الرئيس السابق حسني مبارك، وبعد أن كان الانفلات الأمني على رأس هذه المعوقات صارت الصدامات الطائفية في مقدمتها، ما دفع برئيس الوزراء الدكتور عصام شرف، إلى أن يعلن أن ما جرى في منطقة ماسبيرو من مواجهات دامية الأسبوع الماضي، أعاد المسيرة المصرية خطوات كبيرة إلى الخلف، كما دفع بأحد قيادات المجلس العسكري إلى أن يعلن تعليقاً على الأحداث أنه لولا عناية المولى سبحانه وتعالى لدخلت مصر في دوامة العنف والعنف المضاد، لافتاً إلى استمرار بعض القوى في السعي إلى هدم أركان الدولة المصرية .
أصابع خارجية
وبعيداً عن سيل من الاتهامات طالت المجلس الأعلى للقوات المسلحة في هذه الأحداث على الرغم من تأكيد أعضاء به أن المتظاهرين الأقباط كانوا يحملون السلاح الأبيض وأنابيب الغاز، وأنهم تعدوا على الجنود المكلفين بحراسة مبنى الإذاعة والتليفزيون ما أدى إلى استشهاد عدد منهم، بعيداً عن ذلك فإن أغلبية المصريين وبعيداً عن الأجندات والآراء الخاصة بالقوى والتيارات السياسية والمنظمات الحقوقية يعتقدون جازمين بوجود أيادٍ خارجية تعبث في هذا الملف على وجه التحديد للنيل من تماسك المجتمع المصري واستقراره، دون إغفال أن هناك من المواطنين المسيحيين من أسلموا عقولهم لمنظمات في المهجر تتاجر بقضيتهم وبالمشكلات التي تواجههم، وتلوح بتدويل القضية القبطية وطلب التدخل الخارجي، بل إن بعضها يتطرف إلى حد طلب الحماية الدولية للأقباط المصريين، وفي الوقت نفسه فإن هناك من المواطنين المسلمين من أسلموا آذانهم لفتاوى متشددة وتيارات تتعامل مع الأقباط على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، فتأثر هؤلاء وهؤلاء وصاروا فريسة سهلة لدعاوى الاحتقان الطائفي .
والشاهد أنه في مواجهة مخططات فتنة يحاك لها داخل البلاد وخارجها للعصف بتماسك المجتمع المصري وإجهاض ثورته، لم يعد أمام المصريين جميعاً سوى الاعتصام بتاريخ طويل مشترك من الوحدة الحقيقية غير القائمة على أي شعارات أو حسابات سياسية، وهو أمر دفع بمثقفين إلى إطلاق دعوات لمبادرات عملية على أرض الواقع من دون انتظار لنصوص قانونية قد تطفئ ناراً وتشعل حرائق هناك، وتبنى هؤلاء دعوة أبناء الشعب المصري من المسلمين إلى التجاوب مع دعوة البابا للمسيحيين بصوم ثلاثة أيام، والبدء بصوم مشترك وصلوات مشتركة وأدعية متواصلة، مؤكدين أيضاً ضرورة السعي إلى إيجاد مجالات عمل مشتركة في ربوع مصر والدعوة لبناء النوادي والساحات الشعبية وإطلاق قوافل الخدمات التعليمية والطبية والثقافية المشتركة، فيما يتبنى البعض الآخر دعوات إلى تفعيل ما سبق من توصيات ومبادرات وجدت إجماعاً من الشعب المصري، مشيرين في ذلك إلى التوصيات الصادرة منذ عام 1972 التي وضعها وزير الإعلام الأسبق، الدكتور جمال العطيفي، في أعقاب حادث الخانكة عام ،1972 والتي قدمت حلولاً للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تهدد النسيج الاجتماعي المصري، مشيرين إلى أن تقرير العطيفي طالب بفرض إشراف حكومي على الخطب التي تقال من فوق منابر المساجد والكنائس، حتى لا تتجاوز مهامها الخاصة بالوعظ، وشرح أحكام الدين ومبادئه الداعية إلى الخير والحق والفضيلة، ومحاسبة كل من يخرج أو يتجاوز هذه الواجبات الدينية، إضافة إلى التوصية بتنقية التعليم الديني مما يبعد به عن التسامح ويبعث على التشدد والتعصب .