تحقيق: بكر المحاسنة
ربما لا يعرف شباب هذا الجيل معنى أن تعيش في شارع أو مبنى، أبواب بيوته مفتوحة حتى المساء، الجميع يعرفون بعضهم بعضاً، الجار فيه صديق الأب والجارة صديقة الأم، والأبناء أولاد الجميع وبناتهم.. كانت هذه العلاقة بين الجيران في زمن فات، أما الآن فلا يكاد الجار يعرف اسم من يعيش إلى جواره، يفصلهما جدار واحد لا أكثر. فما الذي تغير نحن أم العالم من حولنا؟ وما أسباب ضعف العلاقات الاجتماعية عموماً وعلاقات الجيرة خصوصاً؟ ومن يعيد بناء جسور التواصل بين الجيران؟ الإجابة بين سطور التحقيق التالي، من خلال التجارب الشخصية وآراء ذوي الاختصاص.
مريم محمد المحرزي تقول: لا أحد يستطيع الاستغناء عن جيرانه، وقد أمرنا ديننا الحنيف بالإحسان إلى الجار. وللأسف هناك بعض الأسباب أدت إلى ضعف العلاقة القوية بين الجيران، في مقدمة تلك الأسباب غلاء المعيشة، فأسعار السلع والخدمات وارتفاع إيجار المنازل... كل ذلك جعل الجميع يستغرقهم العمل اليومي لتوفير احتياجاتهم المعيشية، ومن هنا لا يبقى وقت للجيران. ومع ذلك يمكن تنظيم الوقت لتبادل الزيارات بين الجيران.
بينما ترى سهى محمد الكايد أن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب، فقد استغرقت معظم أوقات الناس، فلم يعد هناك المزيد من الوقت لتبادل الزيارة بين الجيران. وتقترح استبدال الزيارة المباشرة بالوقت الذي يتواصل فيه البعض مع جيرانه عبر مواقع التواصل الإلكتروني، أو المكالمات الهاتفية، وبذلك نحافظ على جسور التواصل والعلاقة الحميمة مع الجيران.
وبحكم كونها موظفة وأماً، فإن فاطمة راشد المطروشي تكتفي في أغلب الأوقات بالسؤال عن جاراتها عبر الهاتف، وتكون الزيارات في المناسبات العامة، تقول: وقتي موزع ما بين عملي وواجبات المنزل، وأعتقد أنه في مثل حالتي لا يمكن إعادة جسور التواصل المباشر بين الجيران.
أما أم حمد الكعبي، ورغم أنها معلمة متقاعدة، فهي أيضاً لا تملك الوقت لزيارة جاراتها، فهي تقضي وقتها في رعاية شؤون بيتها والمذاكرة لأولادها، وبالمثل تقول: لهذا أكتفي بالاتصال بجاراتي والسؤال عنهن عبر الهاتف، حتى لا أكون مقصرة تجاههن، وفي الوقت نفسه لا أضيع الوقت في حديث قد يكون غير مفيد.
أما زينة عبد الله نصار، ربة بيت، فلديها سبب يجعلها من وجهة نظرها لا تبادر إلى مد جسور التواصل مع جيرانها، والسبب هو أنها بعد اضطرارها إلى الانتقال إلى السكن في منطقة أخرى، واجهت مشاكل مع الجيران الجدد، واكتشفت بأنهم ليسوا أهلاً للجيرة، على حد وصفها.
تقول: كنت أتوقع أن يكون جيراننا الجدد مثل السابقين، ولكنهم أثبتوا أنهم غير ذلك، ومنذ معرفتي بذلك صرت أتعامل مع الجميع برد السلام فقط، وفي هذه الحالة بالتأكيد لا يمكن بناء جسور لعلاقة جيرة قوية، لأنه للأسف بعض الجيران لا يستطيعون تقدير القيمة الحقيقية للجار، ويضطرونك إلى البرود في التعامل معهم.
ويتذكر محمد الديري كيف كان في طفولته يعيش بين جيرانه، حيث كانت أبواب جميع البيوت مفتوحة إلى المساء، وكيف كان الجيران مترابطين ومتحدين في أوقات الفرح أو الحزن، يتبادلون الطعام والمساعدات. يقول: لكن اليوم يخاف الجار من جاره لأسباب عدة، لعل من أهمها جيرة المغتربين واختلاف الجنسيات بين الجيران، وخصوصاً أنه مع تطورات العصر السريعة، تتولد القسوة والجفاء بين الناس، فلا يعود الجار يعرف عن جاره شيئاً. لذا أعتقد أنه من الصعب إعادة العلاقة الحميمة مع الجيران في هذا العصر متسارع التغيرات.
ويوافق خميس محمد على أن السبب وراء ضعف علاقة الجيران، تغيرات العصر الذي نعيش فيه، يقول: اختفى الكثير من القيم في مجتمعاتنا، فحقوق الجار من تبادل السلام والزيارة، والحفاظ على أمن ونظافة الطريق، وغيرها من القيم التي علّمنا إياها ديننا الحنيف هجرها الناس، حتى أصبحت في حكم النادر.
مريم محيي الدين ملا، كاتبة روائية، تقول: نشأنا ووعينا على احترام الجار منذ صغرنا، فالجار هو صديق الأب والجارة هي صديقة الأم، والأوﻻد والبنات يصبحون أشقاء وشقيقات، فهم يعرفون كل شي عن بعضهم بعضاً، ويتحابون ويتآزرون في الأفراح ويتقاسمون الأتراح، هكذا كانت الجيرة.. للأسف كانت؛ لأن هذه العلاقة الآن تكاد أن تختفي، لأسباب كثيرة أهمها اختلاف المفاهيم، وضعف الوازع الديني، الحياة لم تتغير نحن من يتغير فنتأثر بمحيطنا وبكل ما يجري من حولنا، وإن كان هذا ﻻ يبرر تخلينا عن إنسانيتنا، مهما كانت صعوبات الحياة التي نواجهها يومياً. إذاً مفتاح عودة العلاقة بين الجيران هو الإنسانية، فهي مفتاح جميع العلاقات.
وفي كلام مماثل يعبر خالد سامح، عن الأسباب التي أدت إلى ضعف علاقة الجيرة، بتأكيده أن العلاقات التقليدية بين الجيران في العالم العربي، ليست هي العلاقات الوحيدة التي تغيرت، فهناك أنماط أخرى من العلاقات الاجتماعية قد تغيرت، كالعلاقة بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة، والعلاقة بين الأقارب، وعلاقة الأصدقاء وعلاقات العمل وغيرها.
ويتابع: هنا لا بد من الإشارة إلى دور الانفتاح الكبير على الثقافة الغربية، التي تمجد الحرية الفردية، وترى أن الفرد وحده هو البنية الأساسية للمجتمع، ما يؤدي بالتالي إلى تراجع دور العلاقات الاجتماعية التقليدية. ومن علامات ذلك الانفتاح لجوء الناس إلى العالم الافتراضي بدلاً من الحقيقي، واكتفاؤهم بعلاقات «فيس بوك» و«تويتر» وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تباين الأفكار داخل المجتمع الواحد، وطغيان الثقافة الاستهلاكية وعلاقات (البيزنس) على حساب العلاقات الإنسانية الحميمة. كل ذلك كان من أسباب ضعف أواصر المحبة والتعاون والتواصل بين الجيران.

مجتمع صحي متماسك

د. أحمد النجار، استشاري نفسي وتربوي، يقول: في الماضي كان الجار هو الأخ القريب الذي لا تجمعك به صلة الرحم، وإنما صلة القربى التي أوصى بها الله تعالى: (والجار ذي القربى والجار الجنب)، وانفصام عُرى الجيرة دليل على انهيار البنية الاجتماعية، ذلك أن علاقات القربى والجوار والصحبة ومجمل العلاقات الإنسانية، هي التي تشكل البنية القوية للمجتمع، وحدوث انهيار لتلك العلاقات يكون سبباً لانهيار المجتمع بأكمله، فمن الواجب الحرص على العلاقة مع الجار بالسؤال، والعطاء، والنصيحة، مع ضرورة الالتزام بآداب الزيارة، حتى لا يحل التنافر والفرقة محل التآخي والقربى.

«الدنيا لا تزال بخير»

وبدورها تؤكد موزة القبيسي، أخصائية اجتماعية، أن علاقة الجيران ضرورية لتماسك المجتمع وصحته، ومن الواجب على كل شخص أن ينظر إلى علاقته بجيرانه، فالجار هو الأقرب للمساعدة. تقول: أستغرب غياب التوعية ونشر ثقافة التعامل مع الجيران عبر وسائل الإعلام، وأقترح على الجهات المعنية العامة والخاصة تنظيم برامج توعية خاصة بحق الجار، وتعزيز الروابط الطيبة بين الجيران. ومع ذلك أرى أن «الدنيا لا تزال بخير»، وأعتقد أنه يمكن إعادة جسور المحبة والتآخي بين الجيران، عبر إفشاء السلام وتقديم الهدايا في المناسبات مهما كانت بسيطة، أو تنظيم رحلات داخلية والخروج معاً إلى الحدائق والأماكن العامة على سبيل المثال.