القاهرة: نصر عبد الرحمن
هو شاعر أمريكي كبير، إلا أنه اشتهر بأعماله الروائية، ويضعه كثير من النقاد في نفس مكانة ويليام فوكنر وإرنست هيمنغواي. تحولت أغلب رواياته إلى أفلام سينمائية شهيرة، واستعان به المخرجون لكتابة السيناريو للأفلام المأخوذة عن رواياته. عكست أعماله اهتماماً كبيراً بالطبيعة، واتسمت شخصيات رواياته بالرغبة في الابتعاد عن الحضارة ومظاهر المدنية الحديثة، واللجوء إلى الأحراش والبراري سعياً للحصول على السلام النفسي والروحي. قدم شخصية الهندي الأحمر بطريقة تختلف عن النمط السائد الذي ظهر في أفلام رعاة البقر، إذ اتسمت بالحكمة والمعرفة، والرغبة في التمسك بتراث الأجداد مع عدم تقبل الواقع الذي فرضته المُتغيرات التاريخية على الهنود الحُمر.
ولد جيم هاريسون عام 1937 في ولاية ميتشيجان لأبوين يُحبان القراءة، ما أتاح له فرصة كبيرة للاطلاع على الكثير من الكتب في مرحلة مبكرة من طفولته. وبعد المرحلة الثانوية، التحق بجامعة ميتشيجان ستيت، حيث درس الأدب المُقارن، وتخرج عام 1960، ثم حصل على الماجستير عام 1964. قام بالتدريس في الجامعة لمدة عام واحد قبل أن يتفرغ للكتابة. كان كاتباً غزير الإنتاج، ونشر قصائده ومقالاته في أكبر المجلات الأمريكية.
فقد جيم إحدى عينيه في طفولته ما جعله يميل إلى الانعزال عن الناس، وربما كان هذا هو سبب حبه للطبيعة والحياة البرية منذ صغره. يقول في مذكراته إنه أصبح روائياً بعد أن سقط من أعلى أحد التلال أثناء صيد الطيور، عندما اقترح عليه أحد الأصدقاء أن يكتب رواية أثناء فترة النقاهة، وبالفعل كتب روايته الأولى «الذئب: سيرة ذاتية زائفة» عام 1971، وهي حول رجل يهوى الصيد ويحكي سيرته الذاتية أثناء مُطاردة ذئب في غابة شمالي ميتشيجان. كتب روايتين بعد روايته الأولى، ثم أصدر رواية قصيرة (نوفيلا) بعنوان «أساطير الخريف»، وهي قصة ملحمية تدور حول رجل وأولاده الثلاثة؛ يعيشون في البراري أثناء الحرب العالمية الأولى. نالت تلك الرواية القصيرة شهرة واسعة ومنحته مجداً أدبياً كبيراً.
كتب جيم سبعة عشر ديواناً شعرياً في مشواره الأدبي الذي استمر نصف قرن تقريباً، وانعكس اهتمامه بالطبيعة في أعماله الشعرية، وقال عن نفسه إنه امتداد لكل شعراء الطبيعة بداية من ويليام وردزورث. ظهرت نزعته في وصف الطبيعة واستخدامها كإطار مرجعي لتشبيهاته منذ ديوانه الأول «أغنية السهول» عام 1965، وكانت قصائده تحتشد بالجبال والتلال والوديان والسهول والأنهار والغدران والأجمات والأشجار، كما كان يستخدم رحلة الصيد أو التجوال في البرية كمُعادل موضوعي لرحلة الإنسان في الحياة. اتسمت موسيقى قصائده بالقوة والجموح؛ كأنها معزوفات برّية تتردد أصداؤها بين قمم الجبال. ومن أشهر دواوينه: «الأنهار: النظرية والتطبيق» عام 1977، «وحشية الطبيعة» عام 1982، و«العودة إلى الأرض» عام 1986. تأثر جيم كذلك في أشعاره بالشعر الياباني، وبالشاعر الروسي الكبير سيرجي يسنين، وأصدر ديواناً بعنوان «رسائل إلى يسنين» عام 1973. وفي عام 1998، أصدر ديواناً بعنوان «شكل الرحلة»، جمع فيه قصائد مُختارة من دواوينه السابقة، ووضع له مقدمة أوضح فيها مفهومه عن الشعر، وشبّه كتابة الشعر برسم الإنسان البدائي على جدران الكهوف، واعتبر الفن سلسلة واحدة مُرتبطة، وهي في ذات الوقت بمثابة رحلة روحية. أظهر في تلك المُقدمة ميله للشعر أكثر من السرد، لأن الشعر حالة عاصفة تكتنف الشاعر وتهيمن على عقله وروحه، ولا يملك سوى الاستسلام لها، على عكس الرواية التي تُكتب على مراحل تستغرق فترات طويلة.
رغم إخلاصه للشعر طوال عمره، إلا أن أعماله الشعرية لم تنل ما نالته أعماله السردية من انتشار وتقدير. ومن أشهر رواياته «دالفا» عام 1988، والتي تدور أحداثها في ريف نبراسكا حول سيدة تبحث عن طفلها بعد سنوات من تخليها عنه لسيدة أخرى كي تتبناه. تسترجع بطلة الرواية سيرة حياة جدها الذي اختار أن يعيش أيام الحرب العالمية الأولى على طريقة الهنود الحُمر. وصف أحد النقاد هذه الرواية بأنها تقاطع بين المكان والتاريخ، أو بالأحرى رصد لتاريخ الروح الإنسانية وسعيها للاندماج في الطبيعة والهرب من المدنية الحديثة.
كتب جيم ثلاث عشرة رواية وثماني روايات قصيرة، تدور جميعها في الريف أو في الغابات والأحراش، وجميع شخصياته من الفلاحين والصيادين والهنود الحمر والمغامرين، تجمع بينهم سمة مُشتركة، وهي الابتعاد عن المُدن واللجوء إلى الطبيعة بإرادتهم، والسعي من أجل الحصول على السلام النفسي والاستمتاع بالمُتاح لديهم والانسجام مع طبيعة حياتهم. لا ينطبق هذا على روايتي «القائد العظيم» عام 2012، و«السبعة الكبار» عام 2015؛ إذ يختلف عالمهما وطبيعتهما عن باقي رواياته، وتدوران في إطار كوميدي وبوليسي. وصدرت آخر رواياته في مطلع عام 2016 بعنوان «المطرب العجوز».
كان جيم يعيش في مزرعة شمالي بنسلفانيا، ويُفضل الكتابة هو وقت الظهيرة في كوخ خشبي صغير يقع في منطقة نائية، على مسافة خمسين كيلومتراً من المزرعة، كأنه يحاول أن يعيش عالم رواياته أثناء كتابتها. ومن الطريف أن الممثل الشهير جاك نيكلسون أقرضه ثلاثين ألف دولار لكي يتفرغ لكتابة رواية تصلح لأن تُصبح فيلماً، فاتجه جيم إلى إحدى الغابات، وكتب رائعته «أساطير الخريف» في عشرة أيام فقط، وكتب «الانتقام» في أسبوعين. ورغم سرعته في الكتابة، كان يرفض تدخل المحرر الأدبي لتعديل أي عبارة كتبها، لأنه كان يضع تصوراً ذهنياً للأحداث ويقوم بصياغة العبارات في رأسه قبل أن يُقدِم على الكتابة، وينطبق نفس الأمر على قصائده.
بدأت علاقة جيم بكتابة السيناريو أثناء الإعداد للفيلم المأخوذ عن روايته القصيرة «أساطير الخريف»، إذ استعان به المُخرج في كتابة السيناريو، شارك في بطولة الفيلم الممثلان الشهيران برات بيت وأنتوني هوبكنز. منذ ذلك الحين، كتب جيم عدة سيناريوهات لأفلام عن روايات له أو أعمال أخرى. ونال جائزة ساتورن لأفضل سيناريو عن فيلم «الذئب»، بطولة جاك نيكلسون، عام 1994. وإلى جانب السيناريو كان كاتب مقال منتظم عن الطعام، إذ كان الطهي شغفه الأول وهوايته الوحيدة، وظهر هذا في أعماله الأدبية، إذ اشتملت رواياته على مشاهد تفصيلية للطهي والاستمتاع بالطعام.
نال جيم عدداً من الجوائز، وتم تكريمه أكثر من مرة، كما تم اختياره لعضوية الجمعية الأمريكية للفنون والآداب قبل أن توافيه المنية في مارس/آذار 2016 بعد حياة حافلة بالإبداع؛ قدم فيها عشرات الأعمال الأدبية المُختلفة التي ركزت على الحياة البرية بطريقة مُختلفة. تجاوز جيم الفكرة التقليدية التي تضع الإنسان في مواجهة الطبيعة، وألقى الضوء على شخصيات تحصل على السلام الداخلي بتناغمها مع عناصر الطبيعة، كما تمكن من التعبير عن هذه الحالة بلغة جامحة وحالمة في ذات الوقت، لها القدرة على اصطحاب القارئ إلى وديانٍ مُنعزلة؛ يسمع فيها موسيقى كونية خافتة تنطلق من همس الرياح للحشائش وقت الغروب.